كتابات فكرية

خطاب إلى الضمير الإسلامي في شهر الصيام

خطاب إلى الضمير الإسلامي في شهر الصيام

  • حسن الدولة

الأربعاء 18 فبراير 2026-

مع إطلالة شهر رمضان المبارك، شهر القرآن والرحمة والعدل، آن لنا أن نراجع أنفسنا، لا لنطعن في ديننا، بل لننقِّي فهمنا له. آن لنا أن نتحرر من أسر العادة، وأن نُخضع ممارساتنا لميزان النص والعقل معًا، فالله تعالى لم يكلّفنا أن نتبع الآباء، بل أن نتبع الحق.

أولًا: رؤية الهلال… بين البصر والبصيرة

قال الله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه}، وقال النبي عليه وعلى آله وصحبه الصلاة والسلام “صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته”. والمقصود بالرؤية تحقُّق العلم بدخول الشهر.

لقد تطور علم الفلك حتى بلغ درجة من الدقة تجعل الخطأ في الحساب لا يتجاوز دقائق، بينما أثبت الواقع أن الرؤية البصرية كثيرا ما يقع فيها اختلاف، بل وتتعارض مع الحقائق العلمية القطعية.

هنا يبرز اجتهاد إخواننا في المدرسة الإسماعيلية الذين اعتمدوا الحساب الفلكي وسيلةً لإثبات دخول الشهر، باعتباره علمًا قطعيًا. أليس المقصود من الرؤية هو اليقين؟ فإذا تحقق اليقين بالحساب، فلماذا نُصرّ على وسيلةٍ قد تُفضي إلى الخطأ؟

إن وحدة الأمة في صومها وفطرها مقصدٌ عظيم، ولن تتحقق هذه الوحدة ما دمنا نختلف كل عام في تحديد بداية الشهر. فهل آن الأوان أن نجعل العلم في خدمة النص، لا في صراعٍ معه؟

ثانيًا: إتمام الصيام إلى الليل

يقول الله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل}. والنص صريح في تحديد الغاية: الليل.

إخواننا في الفقه الجعفري (الاثني عشري) يرون أن تحقق الليل لا يكون بمجرد غروب قرص الشمس، بل بذهاب الحمرة المشرقية، احتياطًا للنص، وتمسكًا بظاهر الآية. فهم يصلّون المغرب، لكنهم يُمسكون حتى يتحقق الليل بيقين.

أليس في هذا الاجتهاد تعظيمٌ للنص؟ أليس الأولى أن نحتاط لعبادةٍ هي ركنٌ من أركان الإسلام؟ إن المسألة اجتهادية، لكن الأخذ بالأحوط في العبادات مسلكٌ معتبر عند كثير من العلماء.

فلِمَ لا ننفتح على هذا الفهم، ما دام مستندا إلى ظاهر القرآن؟

ثالثًا: الصوم عبادة… لا أداة ضبط اجتماعي

الصوم عبادة بين العبد وربه. قال تعالى: {كتب عليكم الصيام}، وقال في الحديث القدسي: “الصوم لي وأنا أجزي به”.

الله سبحانه وتعالى أعطى الإنسان حرية الاختيار في أصل الإيمان: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}. فكيف تتحول عبادةٌ روحية إلى معيارٍ اجتماعي يُراقَب فيه الناس، وتُغلق فيه المطاعم، ويُلاحَق فيه المفطرون؟

إن من أفطر بلا عذر فهو مسؤول أمام الله، لا أمام المجتمع. والعبادة التي تُؤدَّى خوفًا من الناس لا قيمة لها عند الله. قال تعالى: {لا إكراه في الدين}، وهذه قاعدة عامة في باب التكليف.

إن منع الناس من الأكل في نهار رمضان، أو إغلاق المطاعم قسرًا، لا يزيد الصائم أجرًا، ولا يُقرب المفطر من التوبة، بل قد يحوّل الدين إلى ساحة صراعٍ اجتماعي بدل أن يكون مساحة هداية ورحمة.

نحو فهمٍ أرحب للشريعة

الشريعة جاءت لتحقيق العدل ورفع الحرج، لا لفرض الوصاية. وجاءت لتجمع الأمة، لا لتفرقها. وجاءت لتخاطب العقل، لا لتلغيه.

فلماذا لا نستفيد من اجتهاد الإسماعيلية في ضبط الأهلة بالحساب القطعي؟

ولماذا لا ننظر في اجتهاد الاثني عشرية في الاحتياط لإتمام الصيام إلى تحقق الليل؟

ولماذا لا نُعيد للصوم معناه الحقيقي: عبادةٌ خالصة لله، لا وسيلة رقابة اجتماعية؟

أيها المسلمون…

الحق لا يُعرف بكثرة الأتباع، بل بقوة الدليل.

والتقليد ليس فضيلة إذا قام الدليل على غيره.

والاجتهاد ليس خروجًا عن الدين، بل هو من صميم حيويته.

فلنجعل هذا الشهر بدايةً لمراجعةٍ شجاعة، نُعلي فيها قيمة النص، ونستعين بالعلم، ونحفظ كرامة الإنسان، ونردّ العبادة إلى أصلها: علاقةٌ صادقة بين العبد وربه.

والله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم.

 اقرأ أيضا: اتحاد القوى الشعبية يهنئ قائد الثورة والشعب اليمني بمناسبة شهر رمضان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى