كتابات فكرية

حِكَم الفلاسفة: دروس في الاستلهام والتأمل (ديستويفسكي أنموذجاً)

 حِكَم الفلاسفة: دروس في الاستلهام والتأمل (ديستويفسكي أنموذجاً)

        د. رياض الصفواني

السبت 7 فبراير 2026-

 الفلاسفة الحكماء، هم رواد في بحر الحياة، انغمسوا في أعماقها، وعايشوا تجاربها المريرة والحلوة. فجاءت حكمهم كجواهر ثمينة، تراكمت عبر الزمن، وتجاوزت حدود الزمان والمكان، لتصبح مرجعاً للباحثين عن الحكمة، يستلهمونها ويستشهدون بها في مواجهة قضاياهم، وهي تحقق لهم نوعاً من الرضا والتوازن الداخلي. وهذا ما يجعل لكثير من حِكَم وأقوال ديستويفسكي – على سبيل المثال – قبولاً ورضا برغم اختلاف الأزمنة والثقافات والبيئات المجتمعية.

فمن هو ديستويفسكي؟

 وفقاً لموقع weekpedia يُعَد “فيودور ديستويفسكي” ١٨٢١ – ١٨٨١م أحد أشهر الفلاسفة والأدباء الروس والعالميين، وأكثرهم تأثيراً في الأدب الكلاسيكي على وجه الخصوص. اشتهر بتحليلاته العميقة للنفس البشرية، وتناولت كتاباته قضايا فلسفية ودينية واجتماعية وسياسية معقدة، وأشهر كتبه: “الجريمة والعقاب”، “الشك والإيمان”، “المعاناة”، “الإخوة كارامازوف”.

عانى ديستويفسكي كثيراً في حياته، فقد عاش مرارة الفقر والحرمان، والخذلان، واضطُر إلى التسول لبعض الوقت من أجل أن يوفر أدنى مقومات العيش. حُكم عليه بالإعدام عام ١٨٤٩م بتهمة انتمائه إلى رابطة “بيتراشيفسكي”، وهي مجموعة سرِّية تناقش الكتب الممنوعة التي تنتقد النظام القيصري الحاكم في روسيا. لكن الحكم خُفف في اللحظات الأخيرة قبل التنفيذ إلى النفي إلى سيبيريا لمدة عشرة أعوام، قضى أربعة منها في الأعمال الشاقة، وستة أعوام في الخدمة العسكرية القسرية في المنفى. فتركت معاناته أثراً عميقاً في كتاباته، أثَّرت بدورها في العديد من الكتّاب الروس وغيرهم، فجاءت كتاباتهم مستوحاة من كتاباته ومُجايلة لها، كما تأثّر بها الكثير ممن عاش تجارب مشابهة لتجارب ديستويفسكي من مجتمعات مختلفة.

 صاغ ديستويفسكي الكثير من الحكَم والمقولات والنصائح، التي مثَّلت خلاصة تجاربه القاسية، وعصارة فكره.

ومن أقوال ديستويفسكي المهمة نختار النماذج التالية:

– “‏لم أصادف أبداً شخصاً مهذباً وإنساناً لأقصى حد إلا رأيته معذباً بالألم والمعاناة والحساسية النفسية، دائماً يأتيني فضول أن ألقي نظرة على كواليس هذا الجمال! فاكتشفت أن أغلبهم هذّب الوجع أرواحهم”.

– “لاحظتُ أن أكثر من يعاني هم من تربَّى جيداً، تربيتهم وضعت لهم حدوداً وأدباً وشرفاً يحترمونه، لا يستطيعون معها تجاوز مبادئهم، بينما الآخرون لا حدود لهم، يسبحون في بحر الوقاحة بلا ضمير ولا حدود ولا رادع.”

– “من يضحي بحريته في سبيل لقمة العيش، لن ينعم مع مرور الوقت لا بالحرية ولا بلقمة العيش. أُفضّل الحرية المحفوفة بالمخاطر، على السلام المُكبَّل بالعبودية!”.

– “إنني أفضِّل أن أكون بلا مال أو مأوى على أن أكون بلا كرامة أو كبرياء.”

– “إن مأساة معظم الطيبين هي عدم حضور الذهن و جاهزية الرد لحظة التعرض للهجوم. يلعب الآخرون دائما على نقطة الضعف هذه ويفوزون فوزاً غير شرعي بمعارك قصيرة، حاسمة، موجعة.”

– “‏من شَدَّ على يدك حين أفلتها الجميع، اشُدّد عليه بقلبك وروحك.”

– “الإنسان لا يولد مقهوراً، بل يُشكَّل تدريجياً داخل منظومة تعلمه قبول القهر، ثم تُقنعه أنه اختياره.”

– ‏”الفقر يفقد الإنسان هيبته واحترامه. الفقر يجعل الحياة لا تُطاق”.

– “الأمر ليس بكثرتهم حولك، إنما بمن يأتيك دون أن تناديه، ومن يربِّت على كتفك دون أن تخبره بأنك مثقل!.”

– “الصامت في المجالس يتحدث في مجالس أخرى، والغائب عنك حاضر مع سواك، كالشمس حين تغرب على ديارك لتشرق على ديار أخرى، لذلك لا يوجد شخص غامض أو صامت أو غائب، إنما هي منازل ومفاضلات”.

– “إن في مخيلة كل إنسان، حياة أخرى جميلة قد صنعها لنفسه، ولكنه لا يعرف الطريق إليها أبداً.”

-” لا أحد في هذه الدنيا يساوي أن تتعذب وحدك بسببه ومن أجله، لا أحد صدقني، فليس لك إلا نفسك، إلا جسمك، إلا عقلك ،إلا راحتك، فأنت ضروري جداً لنفسك، أنت ضروري لبقائك ولست ضرورياً لأي أحد آخر”.

– وإذا كان لنا من وقفة قصيرة لتحليل مقولات ديستويفسكي فلنختم بمقولته التالية: “لن يكون لك رأي، حتى يكون لك رغيفك الخاص. وما دون ذلك فهو مجرد صدى لرأي من يُطعمك”. هذا القول يُبرز حقيقة مهمة، وهي أن الاستقلال المادي أساس للحرية والعيش الكريم، فعندما تكون مستقلاً مادياً، يمكنك أن تتخذ قراراتك وتعبر عن آرائك دون أن تكون مقيداً بالاحتياجات المادية. ويشير أيضاً إلى أن الوظيفة يمكن أن تكون شكلاً من أشكال العبودية، إذ يصبح الشخص مقيداً باحتياجاته المادية ويجب عليه أن يتبع أوامر من يعطيه راتبه. والبعض يبالغ فيجعلها عبودية مطلقة، حيث يفقد الشخص حريته وكرامته في سبيل الحصول على رغيفه الخاص. وهنا تكمن أهمية وقيمة أن تكون مستقلاً مادياً من خلال مشروعك الخاص إن استطعت إليه سبيلا!. فالاستقلال المادي هو التحدي الذي يواجه الكثير من أهل الأنَفَة والكبرياء وعزة النفس في زمن السقوط في وحل الارتزاق والعمالة وبيع القلم والموقف.

مما سبق، نجد أن حِكَم الفلاسفة وأقوالهم مثل ديستويفسكي، هي دروس في الاستلهام والتأمل بعد وضعها تحت مجهر النقد والتمحيص، لاستبعاد المبالغة والتعميم، وقياس مدى مواءمتها مع الواقع، حيث يمكننا أن نستلهم منهم العبرة والفائدة، ونطبقها في حياتنا اليومية. فالفلاسفة الحكماء، هم أهل خبرة وتجارب، وأقوالهم هي خلاصة تجاربهم وعصارة فكرهم.

اقرأ أيضا: العدالة الاجتماعية الدينية: لا نهاية لوسائل تحقيقها.. مناقشة مقال الأستاذ جلال الحلالي وغربة المكان

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى