كتابات فكرية

بين ذكرى الاستقلال وغزاة اليوم

   بين ذكرى الاستقلال وغزاة اليوم

زياد صالح النهمي

في الثلاثين من نوفمبر 1967، دوّى صوت الحرية في عدن معلنًا نهاية أطول احتلال عرفته اليمن الحديث. أكثر من 129 عامًا من السيطرة البريطانية انتهت بجلاء آخر جندي بريطاني، بعد أن وحّد اليمنيون صفوفهم وتجاوزوا خلافاتهم تحت راية الكفاح المسلح. لم تنجح سياسة “فرّق تسد” في شق الصف الوطني، إذ التقت الفصائل الثورية، من جبهة التحرير والجبهة القومية إلى التنظيم الشعبي والرابطة والقاعدة الطلابية، عند هدف واحد لا غير هو تحرير الأرض واستعادة السيادة اليمنية، كان ذلك اليوم لحظة فارقة، جسّد فيها اليمنيون معنى الإرادة الوطنية، وأثبتوا أن وحدة الهدف قادرة على دحر أعتى قوة استعمارية.

لكن هذه الذكرى المجيدة تحل علينا اليوم في ظل واقع يفرض نفسه بوجوه استعمارية جديدة، فالمحافظات الجنوبية ترزح تحت نفوذ قوى إقليمية تنهب الثروات وتسيطر على الممرات المائية والحقول النفطية، متدثرة بلباس عربي خليجي، ومستندة إلى أدوات داخلية ارتهنت لمصالح الغزاة، إنها استعمارية بملامح مختلفة، لكنها لا تقل خطورة عن الاحتلال القديم، لأنها تستهدف جوهر السيادة الوطنية وتعيد إنتاج التبعية بأشكال جديدة.

وفي المشهد الأوسع، يطلّ الكيان الصهيوني بمشروعه الاستعماري الخبيث ، بعد أن أخفق في ردع صنعاء عن مساندة الشعب الفلسطيني، محاولًا إشعال الفتن وتغذية الصراعات عبر أدواته في دول التطبيع، وعلى رأسها السعودية والإمارات، كما لاحظنا في خلايا التجسس الأخيرة ، هذه القوى تموّل وتدعم جماعات يمنية فقدت استقلال قرارها، لتصبح مجرد صدى لخطاب المحتل ، وأدوات قذره تعمل لخدمته، مبررة جرائمه ومشرعنة وجوده، في محاولة لإضعاف القوات المسلحة اليمنية وتجريدها من القدرة على القيام بدورها القومي في مواجهة المشروع الصهيوني.

هنا يبرز السؤال الجوهري الذي يجب أن يشغل كل يمني: هل نستطيع اليوم أن نستعيد روح نوفمبر، وأن نتجاوز خلافاتنا الداخلية، لنوجّه سلاحنا نحو العدو الحقيقي؟ أم أننا سنظل نرفع أسلحتنا في وجه بعضنا بعضًا، فيما يواصل الغزاة الجدد نهب الأرض والثروة؟

إن ذكرى الاستقلال ليست مجرد محطة تاريخية للاحتفاء، بل هي دعوة متجددة لاستعادة الوعي الوطني، وإدراك أن وحدة الصف هي الشرط الأول للحرية والسيادة. فكما أجبر اليمنيون بالأمس بريطانيا على الرحيل، فإنهم قادرون اليوم، إذا ما توحدوا، على مواجهة كل أشكال الاحتلال الجديد، وصون دورهم القومي في الدفاع عن قضايا الأمة، وفي مقدمتها فلسطين.

اقرأ أيضا: الملايين من أبناء الشعب اليمني سيتوافدون إلى ميدان السبعين عصر يوم غدٍ بمناسبة الـ 30 من نوفمبر المجيد استجابة لدعوة قائد الثورة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى