كتابات فكرية

الوحدة اليمنية بين رأيين .. قراءة قانونية–سياسية في الانفصال، وتقرير المصير والحل الاتحادي

الوحدة اليمنية بين رأيين .. قراءة قانونية–سياسية في الانفصال، وتقرير المصير والحل الاتحادي

  • حسن حمود الدولة

الاحد 11 يناير 2026-

تلقيت خلال الفترة الماضية رأيين قانونيين وسياسيين مهمين بشأن ما جرى ويجري في اليمن، وبصورة خاصة حول القضية الجنوبية، ومشروع الانفصال، ودور المجلس الانتقالي الجنوبي.

الرأي الأول للأستاذ الكاتب والمحلل السياسي عبدالناصر المودع، الذي قدّم مقاربة دستورية صارمة تعتبر الانفصال جريمة سياسية مكتملة الأركان بحق الدولة، لا حقًا مشروعًا لأي جماعة، مهما كانت المظالم التي تدّعيها.

أما الرأي الثاني، فهو للقاضي الدكتور محمد جعفر قاسم، رجل القضاء المتقاعد، الذي تناول مفهوم تقرير المصير من زاوية قانونية تاريخية أوسع، مستعرضًا تطوراته في القانون الدولي، ومشيرًا إلى حالات انفصال شهدها العالم في سياقات استثنائية.

ورغم التباين الظاهري بين الرأيين، فإن كليهما يلتقيان عند نقطة جوهرية غالبًا ما يتم تجاهلها في الخطاب السياسي الشعبوي:

الانفصال ليس وصفة جاهزة لعلاج المظالم، ولا يمكن استدعاء القانون الدولي خارج شروطه وسياقاته الصارمة.

أولًا: الانفصال بين الخطاب العاطفي والواقع القانوني

يُحاجج الأستاذ عبدالناصر المودع بأن الانفصال، في جوهره، فعل تخريبي شامل، لأنه يؤدي إلى تدمير الدولة، ويفتح أبواب الحروب الأهلية، ويستدعي التدخلات الخارجية، ويصادر حق بقية الشعب في العيش داخل كيان سياسي موحد.

ويؤكد أن الظلم—حتى لو ثبت وقوعه—لا يُعالج بتمزيق الدولة، بل بإصلاحها، وأن التجربة اليمنية نفسها تقدّم الدليل الأوضح على فشل المشروع الانفصالي في تحقيق أي مكاسب حقيقية لسكان المحافظات الجنوبية، باستثناء شبكات المنتفعين من الفوضى.

في المقابل، يقدّم القاضي الدكتور محمد جعفر قاسم قراءة فقهية لمبدأ تقرير المصير، موضحًا أنه مفهوم نشأ أساسًا في سياق إنهاء الاستعمار، وأن بعض حالات الانفصال التاريخية وقعت ضمن ترتيبات دستورية خاصة (كما في الاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا)، أو في ظل ظروف استثنائية جدًا لم تحظَ حتى اليوم بإجماع دولي كامل، كما في حالة كوسوفو.

غير أن هذا الطرح، رغم قيمته الأكاديمية، لا يفضي تلقائيًا إلى شرعنة الانفصال في حالة اليمن، وهي دولة مستقلة، وعضو في الأمم المتحدة، وذات دستور واضح يجرّم التشطير، ويجعل السيادة ملكًا للشعب اليمني كله، لا لأقاليم أو جماعات بعينها.

ثانيًا: من يملك حق تقرير مصير الدولة؟

السؤال الذي يُغفل عمدًا في الخطاب الانفصالي هو: من هو “الشعب” الذي يملك حق تقرير المصير؟

وفق القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، الشعب المقصود هو مجموع سكان الدولة، أو شعب خاضع للاستعمار الأجنبي، وليس جماعة جغرافية أو سياسية داخل دولة قائمة.

ولو فُتح هذا الباب على مصراعيه، لتحول العالم إلى شظايا متناحرة، وهو ما يفسر الحذر الشديد للمجتمع الدولي من أي سابقة انفصالية. ولهذا لم يعترف العالم بانفصال كوسوفو اعترافًا كاملًا، ولم تُقبل عضويتها في الأمم المتحدة حتى اليوم.

أما في الحالة اليمنية، فإن التشطير ذاته كان نتاجًا لاتفاقيات استعمارية (اتفاقية 1914 بين العثمانيين والبريطانيين)، وليس خيارًا وطنيًا حرًا. بينما جاءت وحدة 22 مايو 1990 تتويجًا لنضال وطني طويل، أعاد الاعتبار لوحدة التاريخ والجغرافيا والهوية.

ثالثًا: المجلس الانتقالي… بين الوهم والنفوذ الواقعي

ما جرى مؤخرًا من تراجع عسكري للمجلس الانتقالي الجنوبي، ومغادرة رئيسه عيدروس الزبيدي إلى أرض الصومال ثم إلى أبو ظبي، لا يعني نهاية دوره السياسي.

فالواقع على الأرض يؤكد أن للانتقالي حضورًا وأنصارًا، وأن هناك حراكًا جنوبيًا وتظاهرات حاشدة—بمواقف متباينة—تعكس أن المشهد الجنوبي أكثر تعقيدًا من اختزاله في فصيل واحد، أو إعلان نصر مبكر عليه.

الأيام حبلى بالمفاجآت، والانتقالي—رغم ما تلقاه من ضربات—لا يزال جزءًا من المعادلة، سواء كأداة إقليمية، أو كفاعل محلي يستثمر في المظلومية والخطاب الهوياتي.

لكن الخطأ القاتل الذي تقع فيه بعض القوى المناهضة للانتقالي، هو استخدامها ذات السردية الانفصالية (شعب الجنوب، القضية الجنوبية المستقلة عن الدولة)، وكأن الصراع خلاف على “من يمثل الانفصال”، لا صراع ضد الانفصال ذاته.

رابعًا: الفيدرالية… الحل الممكن والواقعي

بين الطرح الذي يجرّم الانفصال مطلقًا، والطرح الذي يوسّع مفهوم تقرير المصير، يبرز حل ثالث أكثر واقعية وعدالة، وأقل كلفة على اليمنيين جميعًا:

الدولة الاتحادية (الفيدرالية).

الفيدرالية ليست تشطيرًا، ولا إنكارًا للمظالم، بل إطار دستوري يعالجها داخل الدولة الواحدة، عبر:

تمكين كل محافظة أو إقليم من إدارة شؤونه المحلية.

إدارة الموارد محليًا، مع توريد نسبة متفق عليها إلى الدولة الاتحادية.

وجود حكومة اتحادية مركزية تختص بالسيادة: الدفاع، الجيش، الأمن القومي، السياسة الخارجية، والعملة.

توزيع عادل للسلطة والثروة، وإنهاء مركزية الفساد والاستبداد.

بهذا المعنى، تتحقق كرامة المحافظات دون كسر ظهر الدولة، ويُغلق الباب أمام مشاريع التفكيك، دون إعادة إنتاج الظلم الذي غذّى تلك المشاريع.

الخلاصة بأن اليمن لا يحتاج إلى سرديات جديدة لتمزيقه، بل إلى عقد وطني حديث يعترف بالتنوع، ويعالج المظالم، ويحمي الدولة في آن واحد.

الانفصال ليس حلًا، لكنه أيضًا ليس ذريعة لإنكار الأخطاء التاريخية.

والفيدرالية ليست تنازلًا عن الوحدة، بل صيغة متقدمة لحمايتها.

بين رأي القاضي ورأي الكاتب، يظل الفيصل هو إرادة الشعب اليمني كله، عبر دستور عادل، ودولة مدنية اتحادية، تكون فيها الوحدة خيارًا واعيًا، لا قيدًا مفروضًا، ولا شعارًا أجوف.

اقرأ أيضا: الكتلة التاريخية في جدل الوطني والقومي والأممي (ملاحظات عامة) ١- ٣

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى