كتابات فكرية

الكتلة التاريخية في جدل الوطني والقومي والأممي (ملاحظات عامة) 3-3

   ​الكتلة التاريخية في جدل الوطني والقومي والأممي (ملاحظات عامة) 3-3

  • قادري أحمد حيدر

الاحد 18 يناير 2026-

​أولاً: الكتلة التاريخية في مهب التحولات العالمية الجديدة:

​يدخل العالم اليوم طوراً من الترابط والتداخل والاندماج الذي يفرض تأثيراته في اتجاهين متناقضين؛ فمن جهة، تبرز الحالة الاستعمارية الإمبريالية في طبعتها الجديدة، وهي طبعة هجينة تجمع بين ممارسات الاستعمار القديم وأدوات الاستعمار الحديث.

​ومن جهة أخرى، نلمح حالة عالمية تقدمية صاعدة ومضادة للاستعمار، لا تزال في طور التبلور والتشكل، وهي التي تمثل البعد الإيجابي للتوحد الإنساني الذي ننشد ترسيخه لبناء نظام عالمي “متعدد الأقطاب”؛ نظام يكون سنداً لنا في استكمال مهام التحرر والتقدم، ويحقق حلم الإنسانية في بناء حضارة عالمية واحدة تقوم على مبدأ “الاختلاف المؤتلف”.

​في هذا السياق، تتحمل شعوب الجنوب العالمي، وفي طليعتها دول منطقتنا العربية التابعة، تبعات الأزمة العميقة للرأسمالية الغربية، إذ يتم تصدير هذه الأزمات إلينا في صورة استغلال اقتصادي مركب، وحروب عبثية، ونهب منظم للثروات يبدده حكام عرب أدمنوا واستمرأوا التبعية.

​إن ما نراه اليوم من “ظاهرة ترامبية” أو حتى “بايدنية” ليس إلا تعبيراً عن أزمة ديمقراطية ومالية واقتصادية خانقة بدأت ملامحها منذ أزمة 2008م المالية/ العقارية التي تحولت إلى أزمة عالمية شاملة.

​لقد تخلت الرأسمالية في مراكزها الرئيسية عن الرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية ودعم التعليم، مقابل توسيع البطالة وخفض الضرائب على الطبقات الأكثر ثراءً. وقد أدى تركز رأس المال المالي في يد “أوليغارشية” صغيرة (المجمع الصناعي العسكري والنفطي والمالي) إلى فرض منطق القوة على الحق، والفوضى على النظام وعلى القانون. إن ظاهرة “سلام القوة” التي نشهدها اليوم ليست إلا تبريراً وشرعنة لحرب الإبادة الجماعية المستمرة في غزة وفلسطين لأكثر من سنتين متواصلتين، وهي ذات العقلية التي أنتجت قرار ترامب في مجلس الأمن حول ما سُمي بـ “سلام غزة”، الذي شارك في صنعته وإخراجه بعض الحكام العرب المتصهينين.

​ثانياً: التبعية العربية وأفول القطبية الواحدة:

​عند هذه اللحظة، تلتقي الأطماع الأمريكية والأوروبية مع الكيان الصهيوني، وبدعم مباشر من أنظمة “البترودولار” العربية التي ارتضت الخضوع للغرب الاستعماري على حساب مصالح شعوبها. ويظهر هذا الموقف “اللاوطني” بجلاء في التخلي عن القضية الفلسطينية والمقاومة المشروعة. كما يتجلى في صمت الحكام العرب تجاه ما يجري في سوريا ودعمهم لنظام إرهابي (طائفي/ جهادي)، غايته ووظيفته تقسيم الأراضي السورية، وعجزهم عن اتخاذ موقف سياسي ملموس ضد العدوان الصهيوني اليومي على لبنان، وكأن صمتهم إعلان تأييد لما يحدث.

​إن هذا السلوك يصب في مصلحة تمسك القوى النيوليبرالية المتوحشة بالنظام العالمي أحادي القطبية، وهو النظام المسؤول عن إنتاج كافة صراعات العالم.

​واليوم، نرى محركات القوة الإمبريالية (المالية والتكنولوجية) تتراجع أمام المنافسة العالمية الصاعدة، ولم يبقَ لها إلا “القوة العسكرية” لمحاولة تمديد عمر هيمنتها الإمبراطورية عبر فرض “مونرو جديد”. وفي المقابل، يتراجع الدولار وتبرز بدائل لنظام “السويفت”، وما إعلان البرازيل عن تفعيل نظام “جسر بريكس” إلا مؤشر على تآكل الإمبريالية النقدية الأمريكية وبداية أفول إمبراطوريتها بالتدريج.

​إن تهديدات واشنطن لروسيا والصين وفنزويلا، والحديث عن غزو جرينلاند أو ضم كندا، ليس دليلاً على القوة بل هو تعبير وتجسيد عن ضعف داخلي بنيوي يحاول استبدال التفوق العلمي والاقتصادي والمنافسة العولمية بالعنف العسكري، في صورة اختطاف رؤساء الدول، وتهديد البعض الأخر بمثل تلك الأعمال القرصنية، وشن الحروب لنهب ثروات الشعوب الأخرى.

​ثالثاً: نحو كتلة تاريخية وطنية يمنية وعربية:

​هنا تبرز ضرورة تحرك الجنوب العالمي وشعوب منطقتنا للضغط على الحكومات والأحزاب التي تشرنقت حول اوهامها ومصالحها الصغيرة. إن الحديث عن الكتلة التاريخية في اليمن يشتبك عضوياً مع ما يجري في فلسطين ولبنان، وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.

 والسؤال المركزي هنا: هل يمكن تأسيس كتلة تاريخية وطنية بدون رؤية مستقلة وإرادة حرة؟ وهل يمكن ميلادها بدون اصطفاف وطني معقول، يلتقي حول قوائم سياسية وطنية مشتركة؟

​إن إغفالنا للأمن القومي العربي تركه نهباً للأطماع الصهيونية والتركية والإيرانية. ولذلك، يجب إعادة صياغة جدل الوطني والقومي من خلال الموقف من القضية الفلسطينية، ورفع راية الوحدة الاقتصادية العربية، أي التكامل الاقتصادي العربي. ويمنياً، لا يمكن تأسيس هذه الكتلة دون موقف واضح من العدوان والاحتلال الخارجي (السعودي والإماراتي تحديداً)، الذي بدأ ينفجر من داخله لأنه بني وقام على أسس خاطئة؛ جوهره إضعاف اليمن، في صورة ما نراه اليوم من اصطراع بينهما، نتمنى أن يكون صراعاً واختلافاً على قوة اليمن ووحدته الديمقراطية وميلاد دولة يمنية قوية، وهو أمر يخدم جميع بلدان المنطقة، وهو الذي يمكننا من معالجة ونقد ومقاومة السياسات الإيرانية الخاطئة والمدمرة في اليمن والعراق.

​إن أزمة إنتاج الكتلة التاريخية تكمن في حالة التبعثر والتمزق بين المكونات القومية والإسلامية والاشتراكية، وفي تمسك البعض بهويات أيديولوجية ضيقة دون الفصل بين “الأيديولوجي” و”السياسي”. وهنا تبرز أهمية تجربة “اللقاء المشترك” كخطوة متقدمة أزيح فيها “العقدي” لصالح “المصلحي والمجتمعي”. لقد كان ترشيح فيصل بن شملان قمة التطور السياسي الذي حول اللقاء المشترك إلى “قوة حية وروحية” حسب تعبيرات غرامشي.

​رابعاً: القضية الجنوبية وجريمة 1994:

​إن ما يشهده جنوب اليمن اليوم هو ردود أفعال لم تجد إجابات واقعية منذ جريمة حرب 1994م “اللاوطنية”. هذه الحرب هي العمق الاستراتيجي المفسر لكل أزماتنا الحالية في الشمال والجنوب. وبسبب غياب المعالجات السياسية ذات الطابع الوطني، واستبدالها بالمعالجات العسكرية والأمنية، ملأ العنف الفراغ الذي تركته السياسة الواقعية.

​إنني أؤكد أن القضية الجنوبية قضية سياسية ووطنية بامتياز، والحل يجب أن يكون سلمياً ودستورياً، سواء عبر الوحدة الفيدرالية أو تقرير المصير، لأنني أقف ضد الوحدة بالحرب وبالدم، وضد الانفصال بالقوة، أو بالاستقواء بالخارج. إن استمرار الصمت والجمود الحالي سيؤدي حتماً إلى انفجار الموقف في وجه الجميع ما لم نستعد للتغيير السلمي.

​خامساً: الكتلة التاريخية كضرورة لا كخيار أيديولوجي:

​علينا جميعاً أن نتجاوز عقلية التفكير بالسلطة والاستئثار بها حتى قبل أن نصل إلى السلطة، وهي حالة –مع الأسف- قائمة عند الجميع بدرجات متفاوتة، وهي كذلك حالة عربية؛ وتجربة اقتسام السلطة بعد انتفاضة الشباب السلمية فبراير 2011م، و”حكومة الإنقاذ”، هي النموذج الذي علينا أن نضعه في الاعتبار ونحن نفكر في إخراج بلادنا من هذا “المخلاف الصعيب”، حسب تعبير الرئيس والشاعر الشهيد عبد الفتاح إسماعيل.

​وعلى حزب الإصلاح تحديداً، الذي يمتلك قوى عسكرية ويسيطر على بعض وحدات الجيش والأمن، أن يراجع عنفه السياسي السلطوي في تعز تحديداً، والاستفادة من التجربة السابقة في تغليب الأيديولوجي “العقدي” على الهم السياسي الوطني المشترك.

​ولذلك فإنه من المهم إعادة قراءة ظاهرة أو حالة “اللقاء المشترك” كما كانت، بعقل سوسيولوجي فكري سياسي نقدي، في محاولة لإعادة طرحها من جديد بصورة ومضمون جديدين؛ لأننا اليوم في واقع جديد أصعب وأعقد بما لا يقاس مما كانته الحركة السياسية اليمنية في ذلك التاريخ.

​فاليوم الوطن كله على كف إرادة خارجية تتحكم به، وأدوات داخلية هامشية صغيرة تنفذ ما يريده الخارج، وفي غياب كلي لدور حقيقي للأحزاب والنقابات والمجتمع المنتج والفاعل، وفي غياب، والأصح تغييب للشباب وللمرأة اللذين يشكلان أكثر من 60% من قوة المجتمع الحية.

 إن ما يظهر على السطح في جنوب اليمن هي ردود أفعال لم تجد إجابات واقعية لها منذ جريمة حرب 1994م.

​الكتلة التاريخية التي ننشدها ليست قضية أيديولوجية، بل فكرة سياسية وطنية نهضوية تجمع كل التيارات في بوتقة واحدة على أهداف مرحلية جامعة. كتلة تتجاوز ثقافة الإقصاء والتهميش، وتقوم على رؤية تعتبر الجنوب شريكاً لا تابعاً، وترفض عقلية “الضم والإلحاق” من خلال الوهم الأيديولوجي/ السياسي، القبلي العسكري والطائفي، من أن الشمال هو “الأصل” والجنوب هو “الفرع”.

​علينا أن نتجاوز بالفعل هذه العقلية المدمرة التي تمنع ميلاد كتلة تاريخية وطنية تجمع وتوحد الشمال السياسي والجنوب السياسي كطرفين ندين في كل شيء، وهو ما كنا نصر عليه وثبتناه كحزب اشتراكي في وثائق مؤتمر الحوار الوطني الشامل، في فريق القضية الجنوبية، وفريق بناء الدولة.

​وكما أشار د. الطاهر لبيب، فإن الكتلة التاريخية تعني “تنازلاً تاريخياً متبادلاً وتواطؤاً بين قوى متباعدة اضطرتها الظروف للتقارب”. وبحسب محمد عابد الجابري، هي كتلة “تجمع المجتمع حول التحرر من الهيمنة والتوزيع العادل للثروة في إطار قومي شامل”.

​إن قرار ترامب ضد “الإخوان المسلمين” بتهمة الإرهاب في بعض الأقطار العربية، وضد “الجماعة الإسلامية” في لبنان، رغم أخطاء الإخوان المسلمين، في أكثر من قطر عربي، هو محاولة استعمارية لضرب أي اصطفاف وطني معارض في كتلة تاريخية، وخدمة مزدوجة للاستبدادات المحلية العربية، وخدمة استراتيجية لدولة الكيان الصهيوني. وصمت الأحزاب عن هذا القرار يعكس ضعفاً في الوعي السياسي والوطني والحقوقي والقانوني، فمصلحة الاستعمار الجديد هي إغراق بلداننا في دورات عنف وحالة ممتدة من “الحرب واللاحرب” (فرق تسد).

​ختاماً، إن أي تسوية سياسية تدخلها البلاد بدون تشكل كتلة تاريخية وطنية جامعة ستكون “تسوية ناقصة ولا وطنية”. لا معنى معه للحديث عن حوار جنوبي-جنوبي إلا إطالة أمد الأزمة السياسية والوطنية اليمنية، وترحيل تشكل كتلة تاريخية وطنية جامعة على قواعد ومداميك صحيحة.

 فالكتلة التاريخية هي وحدها القادرة على بلورة رؤية كفاحية مشتركة تضمن المصالح الوطنية العليا للجميع في هذه المرحلة التاريخية الصعبة.

​الهوامش:

١- ​الطاهر لبيب: مجلة المستقبل العربي، العدد 26، فبراير 2004، ص 112، بتصرف من الكاتب لا يخل بالمعنى ولا بالسياق.

٢- ​محمد عابد الجابري: مجلة المستقبل العربي، نوفمبر 1982، كذلك بتصرف لا يخل بالفكرة ولا بالمعنى والسياق.

اقرأ أيضا: مجلس سلام ترامب .. احتلال أمريكي لغزة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى