كتابات فكرية

الدين بين شعاري الموت والحياة

  الدين بين شعاري الموت والحياة

  • حسن الدولة

الجمعة 13 مارس 2026-

ونحن نعيش العشر الأواخر من الشهر الفضيل، ينبغي أن نقف مع أنفسنا وقفة صدق ومراجعة. فهي أيام الصفاء الروحي، وأيام تطهير القلوب، حيث يتجه الإنسان إلى خالقه طالباً المغفرة والرحمة والعتق من النار. وفي مثل هذه الأيام المباركة يجب أن نطهر نفوسنا ونزكيها من أدران العصبيات المقيتة؛ عصبياتٍ سلالية كانت أم مذهبية أم جهوية، لأن هذه العصبيات لا تبني مجتمعاً ولا تصنع إنساناً، بل تمزق الأوطان وتزرع الأحقاد في القلوب.

وفي هذه الأيام الفضيلة، ونحن نتلو كتاب الله الكريم ونتدبر آياته، يجب أن نقف عند بعض آياته التي تدعو إلى الحياة، وتنبذ ثقافة الموت، وتذكر الإنسان بالغاية الكبرى من وجوده في هذه الأرض: وهي إعمارها بالخير والعلم والعدل.

قال سبحانه وتعالى:

﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون﴾.

هكذا يأمرنا الله أن نستجيب له وحده، لأنه الهادي إلى سواء السبيل، ولأنه وحده يعلم ما يحيي القلوب والعقول والضمائر. لقد جعل الله الحياة دار ابتلاء، وجعل العلم وسيلة لإعمار الأرض، وناط بالإنسان مهمة الاستخلاف فيها. ولم يخلقنا لنكون دعاة موتٍ أو أنصار فناء، بل خلقنا لنعيش في هذه الأرض ونُحييها بالعلم والعمل والخير. ولذلك جاءت الدعوة الإلهية واضحة: أن تكون الاستجابة لله وللرسول حين يدعوان إلى ما يحيي الإنسان، لا إلى ما يميته جسداً أو روحاً أو عقلاً.

إن هذه الآية تضع معياراً دقيقاً في فهم الدين: فلا طاعة لمخلوق كائناً من كان، مهما علا مقامه في الدين أو المجتمع، إلا إذا كانت دعوته تقود إلى الحياة الكريمة الحرة. فالرسالة النبوية لم تأت لتغلق أبواب الدنيا، بل لتفتحها على أفق أوسع من الرحمة والعلم والعمران. قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾.

الحياة في حقيقتها تقدم لنا الورود. قد تأتي العواصف والثلوج فتغطي هذه الورود وتدفنها تحت طبقات البرد، لكنها لا تستطيع أن تنتزع من قلب البذور عشقها الأزلي للأرض والضوء. فحين يأتي الربيع، تنهض الأرض من قبور الشتاء، وتلبس حلتها السندسية المزركشة بالزهور والورود. تلك هي سنة الحياة: قد يغلب الموت لحظة، لكنه لا ينتصر على الحياة أبداً.

والوردة ليست مجرد نبات جميل، بل هي رمز الإنسانية البهجة، وغصن السلام والمحبة. هي التعبير الطبيعي عن الفطرة التي خُلق الإنسان عليها؛ فطرة البناء لا الهدم، والعطاء لا الفناء. أما حين تتحول العاطفة إلى قسوة، والتقاليد إلى قيود، فإنها تتحول إلى شعارات موت تعرقل موكب الإنسانية وتمنعها من الوصول إلى السعادة التي أرادها الله لعباده.

لقد مرّت البشرية عبر تاريخها بلحظات كثيرة حاول فيها دعاة الموت أن يفرضوا رؤيتهم على الناس، لكن الحضارة لم يبنها هؤلاء، بل بناها العلماء والمعلمون والمصلحون. فالأمم التي ازدهرت إنما ازدهرت بالعلم، وبالعمل، وبإيمانها بقيمة الإنسان والحياة.

إن الجيل الذي يزداد وعيه اليوم بشعارات الموت، قادر على أن ينهض من جديد رافعاً شعار الحياة والعلم والعطاء. فالحياة مناهج تسير عليها الأجيال لترتقي إلى سلم الحضارة. وبالعلم يضحك الإنسان للحياة، وبالحرية تزدهر روحه، وبالمحبة تزدهر المجتمعات.

والمرشدون الحقيقيون في كل عصر هم المعلمون والمصلحون، الذين يبلغون منابع الإلهام ويحثون الأجيال على بلوغها. فهم ورثة الأنبياء الذين قادوا الإنسانية نحو نور العلم وطموح الحكمة ولذة المعرفة في كشف أسرار الكون وتوجيه قواها نحو مستقبل كريم.

أما التعبئة على حب الموت وتحويله إلى ثقافة يومية تُغرس في عقول الأجيال، فهي تعبئة خاطئة في جوهرها؛ لأنها تشبه ثقافة قابيل الذي قتل أخاه هابيل. لقد سجل القرآن أول جريمة قتل في التاريخ ليحذر الإنسان من طريقها. فعندما هدد قابيل أخاه قال هابيل:

﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيكَ لِأَقتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ العَالَمِينَ﴾.

ولهذا جاء التحذير الإلهي الشديد:

﴿من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً﴾.

فما أقبح القتل وانتزاع الحياة من جسد إنسان أو حيوان دون ذنب، وما أقبح أن يتباهى إنسان بقتل أخيه الإنسان، وهو بذلك يهدم أعظم قيمة منحها الله للوجود: قيمة الحياة.

إن ثقافة الموت لا تبني أمة، بل تدمرها. أما ثقافة الحياة فهي التي تعلم الأجيال حب الحياة وخدمتها، وإعمار الأرض، وأداء مهمة الاستخلاف التي خلق الله الإنسان من أجلها. أما الذين يظنون أن أقبح ما يفعلونه هو خير ما يفعلون، فقد وصفهم القرآن بقوله:

﴿هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً﴾.

إن شعار الحياة لا يعني الاستسلام للظلم، بل يعني التمسك بالقيم الإنسانية العليا من عدل ورحمة وكرامة.

فلنعمل بثقافة هابيل التي ترفض القتل وتدعو إلى الخير، ولنرفض ثقافة قابيل التي تجعل من الدم طريقاً زائفاً للخلاص. فالدين في جوهره رسالة حياة، والعلم طريق الحضارة، والإنسان خُلق ليبني لا ليهدم.

وحين تنتصر ثقافة الحياة، ستنهض الإنسانية كما تنهض الأرض بعد الشتاء، وستتفتح في بساتينها ورود السلام والمعرفة، ويعود الإنسان إلى المعنى الحقيقي لقول الله تعالى:

﴿استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾.

اقرأ أيضا: وهم السقوط… وحقيقة الصمود

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى