الدكتور أمين الجبر يكتب عن .. الرئيس الكارثة

الدكتور أمين الجبر يكتب عن .. الرئيس الكارثة
الدكتور أمين الجبر يكتب عن .. الرئيس الكارثة
- أمين الجبر
الخميس 9 أبريل 2026-
ربما ينطبق مصطلح المازوخية، بكل ما يحمله من دلالات، على سلوك دونالد ترمب ، ليس فقط لأنه يوغل في اشعال الحرائق على امتداد الخارطة العالمية، ويدفع بها نحو ما يتخيله فوضى خلاقة، بل لأنه يظهر اندفاعا لافتا في التهديد بالقتل والتدمير لكل من يتوهم أنه يقف في وجه سياساته المتهورة وغير المنضبطة، متوعدا خصومه بالسحق والابادة، وبأساليب تقترب من الوحشية المنفلتة من كل قيد.
هوسه الطاغي، ونزعته الحادة، كما تبدو في مواقفه قبل تصريحاته، تدفع إلى التساؤل الجاد: هل نحن أمام رئيس يفتقر إلى الاتزان، أم أمام نموذج متطرف في توظيف القوة والتهديد بوصفهما اداتي حكم؟ في الحالتين، نحن بإزاء سلوك سياسي يضرب عرض الحائط بالأعراف والقوانين الدولية، ويعيد تعريفها وفق منطق القوة المجردة، حيث لا مكان لشيء خارج هيمنة الدولة الاقوى وتقنياتها العسكرية والتكنولوجية.
الاكثر اثارة للقلق هو ذلك التناقض الصارخ في خطاباته، والازدواجية الحادة في مواقفه، بحيث يبدو وكأنه ينقض نفسه بنفسه في اللحظة ذاتها، الامر الذي يجعل من الصعب على اي محلل جاد ان يبني قراءة مستقرة لمسارات قراراته. هذا النمط من الاداء لا يعكس فقط ارتباكا في الخطاب، بل يكشف خللا عميقا في منهجية اتخاذ القرار، ويضع العالم امام حالة من اللايقين السياسي غير المسبوق.
المفارقة الاكثر ادهاشا ليست في هذا السلوك ذاته، بل في كونه يصدر عن رئيس يقود دولة بحجم الولايات المتحدة، التي طالما قدمت نفسها باعتبارها رائدة الديمقراطية ومؤسسية الادارة الرشيدة. وهنا يبرز السؤال المحير: كيف يمكن لمنظومة سياسية بهذا الثقل ان تفرز قيادة بهذه الدرجة من التناقض والاندفاع؟ وهل ما تزال قيم الديمقراطية هناك قادرة على ضبط ايقاع السلطة ام انها باتت على المحك؟
لقد كشف تراجعه المفاجئ عن تهديداته المروعة، بما فيها التلويح بمحو حضارات بأكملها، عن طبيعة اسلوبه التفاوضي القائم على التصعيد الاقصى ثم الانكفاء المفاجئ. وهو اسلوب، وان بدا للبعض مناورة تكتيكية، الا انه ينطوي على مخاطر جسيمة، اذ يضع مصداقية الدولة نفسها على المحك، ويفتح الباب امام الخصوم لاختبار حدود هذا الخطاب واستغلال تناقضاته.
كما ان تكرار هذا النهج يشي بان ثمة خللا بنيويا في تصور القوة، حيث تتحول من اداة لتحقيق الاستقرار الى وسيلة لإنتاج الازمات، ومن عنصر ردع الى عامل اضطراب، خاصة في بيئة دولية متوترة اصلا، تتقاطع فيها مصالح قوى كبرى مثل الصين وروسيا، التي تراقب مثل هذا السلوك وتعيد بناء حساباتها على اساسه.
ان الخطورة الحقيقية لا تكمن في تصريحات عابرة، بل في تراكم نمط سياسي قائم على المبالغة، والتصعيد، ثم التراجع، بما يحول القيادة الى حالة من عدم الاستقرار المزمن. وعندما تصبح السياسة الخارجية رهينة هذا التذبذب، فان العالم بأسره يدفع ثمنه، سواء في امنه او اقتصاده او توازناته الاستراتيجية.
انها تجربة تكشف بوضوح ان الخلل في القيادة، مهما كانت الدولة قوية، قادر على ارباك النظام الدولي برمته، وان تحويل السياسة الى ساحة استعراض شخصي لا يؤدي الا الى تقويض الهيبة، واهتزاز الثقة، وفتح ابواب ازمات لا يمكن التنبؤ بمآلاتها.




