الدكتور أمين الجبر يتساءل .. ما الهوية؟

الدكتور أمين الجبر يتساءل .. ما الهوية؟
الاثنين 19 يناير 2026-
الهوية هي البنية السيكولوجية والاجتماعية التي تعكس ثقافة الأمة في أبعادها العقدية، والفلكلورية، والأيديولوجية، وهي الكينونة المتجلية في تمظهرات ثقافية متعددة، راكمتها عوامل تاريخية واجتماعية وسياسية متشابكة على امتداد الزمن.
إنها حصيلة تراكمية لكل ما هو خاص ومائز، ومجمل ما يُشكّل الخصوصية الوطنية الخالصة، بما يجعلها تعبيرًا عن تاريخ الأمة وحاضرها وتطلعاتها، وعن ثقافتها ووطنيتها وتنوع مكوناتها، حتى وإن تعددت هذه المكونات بفعل تجزئة الدولة الواحدة.
تكتسب الهوية أهميتها من كونها الإطار الجامع الذي تنصهر فيه الخصوصيات، وبؤرة الجذب لمكونات الوطنية كافة، بل إنها البوصلة التي يهتدي بها الوعي الجمعي، ومصدر تشكّل الشعور بالانتماء والاعتداد بالذات الجمعية. فلا يوجد شعب، مهما بلغ من البساطة أو البدائية، بلا هوية أو انتماء، إذ إن الهوية في جوهرها هي الانتماء ذاته.
وعندما يضعف الشعور بالانتماء، يتراجع الإحساس بالهوية، ويقل الاعتداد بها، ويتبدل مفهومها تبعًا لما توفره من عزة وكرامة. وعلى العكس، يشتد حضور الهوية ويتعزز التمسك بها كلما ارتبطت في الوعي الجمعي بمعاني الزهو والفخر والكرامة الوطنية.
الهوية ليست قالبًا جامدًا أو طوطمية تقليدية متكلسة، بل هي منظومة مرنة قابلة للتجدد والتكيّف وفق شروط اللحظة الزمكانية. ومن ثمّ فهي لا تخشى التأثر أو المثاقفة مع المستجدات، ولا تتناقض مع التطور، لأنها متجذرة في الوعي الجمعي للأمة، ومتراكمة عبر آماد تاريخية طويلة، دون أن تتوقف عند زمن بعينه. إنها كائن حي ينمو ذاتيًا، ويتفاعل مع محيطه، ينتقي منه ما يلائمه، ويستوعب عناصر التطور التي تضمن له الاستمرار والحيوية.
وعليه، فإن الحفاظ على الهوية الوطنية لا يتحقق بالتخشب أو الارتهان للماضي، بل بالتجدد الواعي، واستيعاب متطلبات اللحظة التاريخية بكل تحولاتها. أما العجز عن فهم سنن التطور، فسوف يجعل الزمن يتجاوزنا حتمًا، مهما ادّعينا تشبثًا بالهوية.
فالهوية ليست زيًا شعبيًا، ولا مجرد موروث فلكلوري، ولا نمطًا حياتيًا ثابتًا، بل هي العزة والكرامة، وهي الانتماء بمعناه الأعمق والأشمل.
اقرأ أيضا: الكتلة التاريخية في جدل الوطني والقومي والأممي (ملاحظات عامة) 3-3


