كتابات فكرية

الحضارة الإسلامية: التأثير والتأثر

 الحضارة الإسلامية: التأثير والتأثر

  • د. رياض الصفواني

الخميس 26 فبراير 2026-

حين نتكلم عن الحضارة كمصطلح ومفهوم، فإننا نعني بذلك حصيلة النشاط الذي تبذله أمة من الأمم أو مجتمع من المجتمعات في كافة نواحي الحياة الإنسانية خلال عمر زمني قد يطول أو يقصر، وفقاً لقوة أو ضعف فاعلية الجهد المبذول ومدى استمراريته أو انقطاعه.

ومن الثابت تاريخياً أن الحضارة الإسلامية نمت وازدهرت في حقبة انزوت فيها الحضارة الغربية وانكمش دورها، نتيجة لسيطرة التفكير الكنسي (اللاهوتي) على المجتمع الغربي ومحاربة العلوم التجريبية تحديداً، بوصفها هرطقة وكفر، يعاقب صاحبها بالحرمان وما يستتبعه من اضطهاد وتنكيل.

وبعد اتصال الغرب بالشرق عن طريق الحملات الصليبية منذ أواخر القرن الحادي عشر الميلادي، تمكن المجتمع الغربي من الاطلاع على تراث الحضارة الإسلامية في شقيه المادي والنظري، فأخذوا يقتبسون الكثير من مظاهر تلك الحضارة ومعالمها، فتدفقت على أوروبا العديد من نتاجات العقل العربي الإسلامي من علوم نظرية وتطبيقية، فعكف الأوروبيون على ترجمتها ونقلها إلى اللاتينية، وأفادوا من مراكز الإشعاع الحضارية التي أنشأها العرب في الأندلس إبان الفتح الإسلامي، ومن خلال قنوات الاتصال البحرية بأوروبا كجزيرة صقلية، التي شكلت همزة الوصل بين المغرب الإسلامي والغرب الأوروبي.

ويتضح أن حاجة المجتمع الغربي لنفض غبار التخلف عن كاهله والأخذ بأسباب النهوض والتطور كانت تحتل أولوية قصوى في اهتماماته، بعد أن لمَس البون الحضاري الكبير بين واقعه وواقع أجداده الإغريق في عصور ما قبل الميلاد، والذين شكلوا بنتاجهم العقلي هُوية أوروبا الحضارية وأبدعوا في تطوير وسائل حياتهم، فكان لإسهاماتهم العلمية والمعرفية أثر في تطوير بنية الفكر العربي الإسلامي في عصور ازدهاره لاحقاً (عصر المأمون العباسي تحديدا)، فظهر أثر علوم الإغريق في تراث المعتزلة العقلي، وعَرف العرب عن المعتزلة علم الكلام وفلسفة الحياة والوجود، ونقلوا عنهم أسس تصورهم للإنسان والطبيعة والكون.

كما تجلى الفكر الإغريقي على جوانب من الفكر العربي الإسلامي في تعاطي الفلاسفة المسلمين مع تراث العقل الإغريقي القديم، فاقترب فكر ابن رشد من فكر “أرسطو”، والتقت فلسفة الفارابي مع فلسفة “أفلاطون” في أسس وركائز نشأة المجتمع الفاضل، مجتمع العدالة والحرية والمساواة التي أخذت بها أوروبا خلال ما عُرف بـ عصر التنوير في القرن الثامن عشر، وأطل الفيلسوف الانجليزي” توينبي” من نافذته في القرن العشرين على تراث ابن خلدون في أواخر القرن الرابع عشر الميلادي، فبرز أثره واضحاً في نظرية نشأة الحضارات والتعاقب الدوري للدول.

واهتم بعض المستشرقين الغربيين ــ لدواعي معرفية ــ بنتاج العرب الفكري والتاريخي، فحققوا ونشروا العديد من تراثهم المخطوط، ومن الأمثلة على ذلك كتاب” تاريخ دمشق” لابن عساكر، الذي ينوف عن العشرين مجلداً، والذي يعد أحد مصادر البحث العلمي في تاريخ العرب الإسلامي، ونماذج كثيرة يضيق المجال بسردها.

وفي الوقت الذي شهد فيه العرب نهضة أوروبا المبنية على حرية التفكير والإبداع، نجد التقهقر والتراجع اللذيْن لحقا بالحضارة العربية الإسلامية، منذ أن لاحت الدعوة إلى إقفال باب الاجتهاد قبل ما يقرب من ثمانية قرون، فحُرم العقل العربي من نعمة التجديد والاجتهاد في ما يعود بالنفع على واقعه ومجتمعه، وغلبت عليه منهجية اجترار نتاج الأولين الفقهي تحديداً، والتقليد لهم، والاقتصار في دراسة تراثهم على الشروح والحواشي، فتعطل دور العقل وتراجعت فاعليته، وكان هذا واحداً من عوامل وبواعث تقهقر العرب الثقافي، وتراجع إسهاماتهم في دورة الكائن البشري الحضارية، فصار العرب في الغالب متلقين سلبيين لنتاج الغرب الحضاري، وأفسح هذا التراجع المجال لتفوق الغرب وهيمنته على مختلف مفاصل الحياة العربية ثقافياً وسياسيا واقتصادياً واجتماعياًً، وأتاح بذلك الفرصة للمفكر الغربي” هنتنجتون” ليجعل من صدى نظريته الشهيرة “صراع الحضارات” شاهد ومثال على تميز العقل الغربي وإبداعه وتفوقه على ما عداه من عقول الشعوب المعاصرة.

وفي غمرة الاعتداد بالأنا الضيقة من المنظور الديني والقومي، وكرد فعل على تسلط العقلية النخبوية الاستعمارية في البلاد العربية منذ القرن التاسع عشر نظَر العديد من الفقهاء وبعض المثقفين العرب إلى فكر الغرب وثقافتهم نظرة تراوحت بين المتوجس الحذِر وبين الرافض الذي يقترب في رفضه من درجة الكراهة والتحريم، في الوقت الذي تبنى فيه بعض قادة الفكر الإسلامي الدعوة إلى التصالح مع الغرب الحضاري في صيغة توفيقية جمعت بين ما أنتجه العقل الغربي من قيم ومظاهر حياة إيجابية وبين قيم العقل العربي في بعده الثقافي والحضاري، فكانت على سبيل المثال الدعوة إلى اقتباس النظرية الديمقراطية الغربية في الفعل النخبوي السياسي كرديف للشورى في الإسلام، وشكّل حق الفرد الغربي في اختيار من يمثله أمام السلطات الحاكمة رديفاً لنظام البيعة والاختيار الطوعي في السياسة الإسلامية، وكان تطبيق مفهوم العدالة الاجتماعية في توزيع الثروة للحد من الفقر والفاقة هو المُعادل الموضوعي لنظام الزكاة ومصارفها الشرعية.

وأبرز من مثَّل هذا التيار التوفيقي: الشيخ محمد عبده والأفغاني والطهطاوي ورشيد رضا، ومن تتلمذ على أيديهم من المثقفين العرب والمسلمين.

وكانت حملة” نابليون بونابرت” الفرنسية على مصر والشام في نهاية القرن الثامن عشر قد أيقظت العرب من سباتهم الحضاري وأدركوا الفارق النوعي والكمي بين مظاهر حضارة الغرب المتقدمة ومظاهر الحياة العربية المتأخرة، فكان لعلماء الحملة من الفرنسيين وما شاهده العرب من أدوات النسخ والطباعة والنشر ونحوها من وسائل العصر الغربية دورها في إدراك الفارق الثقافي بين الغرب والشرق، فأفاد العرب من تلك الأدوات والوسائل في إصلاح منظومة التعليم ونشر الثقافة وتكريس الوعي في المجتمع العربي في مراحل لاحقة، وصارت مصر في عهد محمد علي باشا” على سبيل المثال” الشاهد الأول على احتكاك الشرق بالغرب، وجسر التواصل بين الحضارتين، مع الإقرار بأهمية دور الغرب الثقافي في الحياة العربية الحديثة وأسبقيته في النهوض عليهم، وهُم ــ أي الغرب ــ الذين يدينون بالفضل للعلماء العرب والمسلمين في عصور الازدهار الإسلامية، واقتباس بذور النهضة منهم والبناء عليها، وتوسيع آفاقها.

ختاماً، إن استعادة العرب لدورهم الحضاري يتطلب منهم إعادة إحياء قيم الاجتهاد والتفكير العلمي، والابتعاد عن التقليد والجمود. مع الإقرار بأن الحوار بين الحضارات والثقافات هو السبيل الأمثل لتحقيق التقدم والازدهار.

اقرأ أيضا: يوميات البحث عن الحرية .. مجلس الحرب العالمي وواقعية الخنوع!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى