الانشغال بالشكل على حساب الجوهر

الانشغال بالشكل على حساب الجوهر
- أمين الجبر
الخميس 12 مارس 2026-
لا تكاد توجد في الواقع دولة دينية بالمعنى الحرفي للكلمة، بقدر ما توجد دول تتدثر بالدين وتستعير لغته الرمزية لتكريس شرعيتها السياسية.
فالدولة في حقيقتها ليست كائنا إيمانيا ولا ذات عقدية، وإنما جهاز مؤسسي لإدارة الشأن العام، ومنظومة قانونية لتنظيم حياة المجتمع وضبط علاقات أفراده، ومن ثم فإن محاولة إلباسها هوية دينية ليست سوى إسقاط رمزي لا يغيّر من طبيعتها الوظيفية شيئا.
ذلك أن الدولة كيان اعتباري محض؛ لا يؤمن ولا يكفر، ولا يتعبد ولا يرتد، هي جملة مؤسسات وقوانين وإجراءات تنظيمية، تعمل في حقل السياسة والإدارة، لا في ميدان العقيدة والاعتقاد. ولهذا لا يستقيم في منطق السياسة الحديث عن دولة إسلامية أو مسيحية أو كافرة، لأن هذه أوصاف تتعلق بإيمان الأفراد لا بطبيعة الدولة كمؤسسة.
إن معيار الحكم على الدول لا يكون بما ترفعه من شعارات دينية، بل بما تحققه من عدالة وكفاءة في إدارة المجتمع. فثمة دولة عادلة وأخرى مستبدة، دولة ناجحة وأخرى فاشلة، دولة تصون الحقوق وتنظم الحياة العامة، وأخرى تقمع الناس وتبدد إمكاناتهم.
وعليه فإن الإصرار على صبغ الدولة بهوية دينية أو أيديولوجية لا يعدو كونه انشغالا بالشكل على حساب الجوهر، وتوظيفا للمقدس في معترك السلطة، وهو في نهاية المطاف ضرب من الجدل العقيم الذي يستبدل سؤال العدالة والكفاءة بسؤال الهوية والشعار، وكأن صلاح الدول يقاس بما ترفعه من لافتات، لا بما تحققه من قيم العدل والنظام والحرية.
اقرأ أيضا: “العصف المأكول”.. يشل شمال فلسطين المحتلة




