الإسلام وحرية الإنسان: الدين في الفضاء الفردي والسياسة في الفضاء العام

الإسلام وحرية الإنسان: الدين في الفضاء الفردي والسياسة في الفضاء العام
- حسن الدولة
السبت 30 أغسطس 2025_
لقد درجت بعض القراءات المعاصرة على الخلط بين ما هو ديني محض، وما هو سياسي دنيوي، حتى غدا الدين أداة للسلطة، والسياسة مطية باسم الدين، وهذا خلاف صريح لمقاصد القرآن وروح التشريع الإلهي، التي قامت على الحرية والاختيار، وعلى تكريم الإنسان في فردانيته واستقلال ضميره.
فالدين – في جوهره – يعمل في الفضاء الفردي، أي في العلاقة الخاصة بين العبد وربه، وهي علاقة قائمة على الحرية المطلقة في الإيمان والاعتقاد، ولا سلطان فيها لبشر على بشر، ولا وساطة بين الخالق والمخلوق. وهذا ما أكده القرآن الكريم في غير موضع، حين قال تعالى لنبيه الكريم: “لست عليهم بمسيطر”، وقال في موضع آخر: “أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين”، مؤكداً أن الإيمان لا يكون بالإكراه، وأن الهداية شأن فردي خالص لا يُفرض ولا يُحتكر.
إن مقاصد القرآن السامية تؤكد أن الإنسان مسؤول فرداً أمام الله، وأن الحساب أخروي لا دنيوي، ولهذا كانت أحكام الدين المتعلقة بالإيمان والعبادة مؤجلة إلى يوم الدين، بينما السياسة تنتمي إلى الفضاء العام، وهي أحكام دنيوية، تُعالج شؤون الناس، وتُدار بالتشاور والمصلحة والتوافق، ولا علاقة لها بثواب الآخرة أو عقابها.
ولقد تجلت هذه الرؤية في سلوك النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، حين بايع الصحابة على الحكم باعتباره تدبيراً دنيوياً لا اصطفاءً إلهياً، ولم يدّعِ لنفسه سلطة روحية أو كهنوتية، بل كان يُؤكّد على بشريته، ويُعامل الناس على قاعدة: “أنتم أعلم بشؤون دنياكم”.
ولهذا فإن الإسلام يرفض “الثيوقراطية” – وهي الحكم باسم الله – رفضاً قاطعاً، لأنها تقوم على احتكار الحقيقة وتفويض السلطة الدينية لفئة تدّعي التحدث باسم الإله، وهو ما يناقض تماماً رسالة الإسلام التي حرّرت الإنسان من الكهانة والوساطة، ورفضت أن تكون هناك سلطة دينية تُسيّر حياة الناس باسم الرب، بل جعلت المرجعية في الشأن العام هي الشورى والمصلحة، لا التأويل الديني السلطوي.
فلا وجود في الإسلام لكهنة أو رجال دين يُفوّضون الناس أو يمنحونهم صكوك الغفران، ولا وجود لنظام حكم ديني يُلزم الناس باتباع رأي فئة تحتكر تفسير النصوص. بل إن المرجعية العليا في السياسة هي الناس، يُبايعون من يرضون عنه، ويعزلونه إذا ظلم أو انحرف، لأن السلطة في الإسلام تعاقد دنيوي، لا تفويض إلهي.
وعليه:
فإن الفصل بين الدين والسياسة ليس موقفاً علمانياً بالضرورة، وإنما هو استلهام عميق لمقاصد القرآن وفهم راشد للتمييز بين مجالين مختلفين:
أحدهما روحي فردي، تُناط أحكامه بالله يوم القيامة، والآخر اجتماعي دنيوي، تُناط أحكامه بالبشر في حياتهم المشتركة.
إن من شأن هذا الفهم أن يُعيد للإسلام روحه الأولى: دين الرحمة والحرية والمسؤولية الفردية، لا دين السيطرة والإكراه والحكم باسم الرب، وهذا هو الإسلام الذي نحتاج أن نرجع إليه، لا الإسلام الذي صاغته قوى التاريخ والسياسة والتأويل المغلق.
اقرأ أيضا للكاتب:العودة إلى طاولة الحوار ضرورة وطنية لا تقبل التأجيل
