أضواء من كتاب “على مشارف القرن الخامس عشر للمفكر إبراهيم الوزير” الحلقة (23)


أضواء من كتاب “على مشارف القرن الخامس عشر للمفكر إبراهيم الوزير” الحلقة (23)
سلبيات الحركة الإسلامية المعاصرة
بقلم :عزيز بن طارش سعدان
السبت22مارس2025
{قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ} (سورة آل عمران – آية ١٦٥)
والحب والإيثار.. والمنهج الإسلامي – عملياً – يعطي الدليل والتجربة الإسلامية الراشدة في مجال التطبيق الواقعي أكبر برهان على ذلك إذا كان ذلك كله قد تحقق فكراً، إلا أن الوعي السياسي والتطبيقات العملية لهذا الوعي كان ينقص الحركات الإسلامية المعاصرة» فسيقت إلى معارك بين قوى الجاهلية المختلفة المتصارعة لتكون هي الضحية التي لا ناقة لها في المعركة ولا جمل، كما حدث في مصر والباكستان.. وفيما سوى ذلك من بلدان المسلمين.
(و) محاولة فرض الفهم الواحد فيما يحتمل تعدد الأفهام: ذلك أن الخلاف في الرأي لم يكن خاضعاً لقاعدة «الاجتهاد في الرأي» والحرية في الخلاف ضمن ما ليس من الأصول القطعية «النص والدلالة»، وضمن احترام الآراء المختلفة فيما سوى ذلك فيما هو قطعي النص ظني الدلالة أو ظنيهما معاً، أو ما هو في مجال الرأي فذلك مجال اجتهاد بالنسبة للأفراد المجتهدين ومجال تنفيذ عام، بالنسبة لما تسفر عنه أغلبية شورى المؤمنين، ولا حرج على من رأى سوى ذلك فالجميع يظلهم الحب في الله واحترام الاجتهاد المخالف.
(ز) بتخطي أسلوب العمل في المجتمع المكي – أي المجتمع الجاهلي الذي كانت عليه «مكة»، والذي عاد اليوم إلى الأرض بعد أن نقضت عرى الإسلام عروة عروة، وأصبح القابض على دينه «كالقابض على الجمر» (۲۱) بتخطيه – أي أسلوب العمل في المجتمع الجاهلي المكي – إلى أسلوب العمل في المجتمع الإسلامي الذي قد تحقق في المدينة، والذي يجب أن يعاد إلى الأرض نوراً ورحمة للعالم كله، بتخطيه قبل الإعداد الكامل له كان ذلك بمثابة البناء الفوقي» بلا عمد وبمثابة القفز إلى نتائج بلا مقدمات»
يوجد اليوم «مسلمون مؤمنون حقاً وصدقاً، ولن تخلو الأرض منهم على مادة العمل لبناء دولة الإسلام وسلطانه على الأرض وهم على الحق ظاهرين، وهذه الدولة لا توجد اليوم على الأرض، وواجب إعادة إخراجها للناس.. يقع على عاتق طائفة الحق هذه خاصة فواجب كل مسلم يعي معنى إسلامه أن يجاهد ويضحي لكي تعود، ولكي يتجدد بعودتها دين هذه الأمة، ويعود بها منهج الإسلام نقياً صافياً كما كان في عهد الرسول.. إن واجب هذه الفئة تحقيق ما حققته الفئة المسلمة الأولى، والمؤمنون الأول.
ذلك الواجب الأول لكل مؤمن ومؤمنة على وجه الأرض وهو ما تحقق في المجتمع المكي (انتهى) الاقتباس .. إن الحب والإثارة، كما قال مفكرنا الكريم، ولعله يعني التدقيق في برنامَج الحركات الإسلامية التي يتطلع لها كل مسلم. ولكن لابد من الاتحاد لأن الاتحاد قوة، وإن لم نوفر الاتحاد، فأين المنجى من حروب الطغاة التي لا تزل تطارد الذين يهمهم شعوبهم، لأن المرجع لهم هو شعوبهم، بدلًا من الشتات من أجل بناء أوطانهم وفقًا لما توصلت له النهضة الأوروبية أو غيرها من دول العالم الذي حققت النهضة وكانت سباقة في إنجازاتها. ولا بد أن تكون شعوب العالم العربي والإسلامي مثل تلك الحضارة المعاصرة، أي في مجالات التصنيع والبناء والتكنولوجيا الحديثة وليس غيرها. ولكن أولًا، لابد من توفير الأمن والأمان، لأن الأمن يؤدي إلى التنمية المستدامة. إن الحرية لابد أن يكون لها ثمن من ثمن الجهد والنضال، ليس من أجل الحركات الإسلامية التي هي الآن منقسمة إلى أجزاء مقطعة لا كيانات لها. وكنا نريد أن تكون المظلة لكل الحركات الإسلامية الصحوة الإسلامية التي لها حضور في الدول العربية والإسلامية.
إن إصلاح حاضرنا من خلال منطق العصر هو الإحياء الحقيقي للعناصر المجيدة والزاهية في تراثنا، حتى لو لم يكن من الممكن التعرف على هذه العناصر في ثقافتنا الحالية. ولا بد أن يؤدي امتلاء الحاضر بالمعنى وبالمضمون والهدف إلى نَظْرَة أكثر عمقًا إلى التراث. أما فراغ الحاضر وعجزه فهو الذي يؤدي إلى تشويه ثقتنا، وأكثر موضوعيةً في فكرتنا عن الماضي، إما بالمدح الزائد وإما بالذم المفرط. وبعد، فإن الأكثرين يدعون إلى عصر نهضة، موازية لعصر النهضة الأوروبية، في العالم العربي والإسلامي، وأنا لست ضد هذا الرأي، لأن الأكثرية من الصراعات التي كانت تدور في عصر النهضة الأوروبية بنيت على عقلية العصور الوسطى والعقلية البادئة في التحرر، تدور في حياتنا المعاصرة. كما يظهر فيها ذلك التعايش الغريب المستقر، بيننا وبين دولنا التي تنهج المنهج العلماني، وهم متبعون في ذلك الغرب أو الشرق. والحركات الإسلامية هي متوافقة مع العقيدة الإسلامية، والأوروبيون وغيرهم عانوا مشاكلها. ومع كل ذلك، فقد كانت نظرتهم إلى تراثهم، في عصر نهضتهم، نظرةً ناضجة، لا تخجل من الاعتراف بالاختلاف الجذري بينها وبين فهمهم الفكري لحاضرهم الجديد، وكانت بذلك عاملًا حاسمًا في القضاء السريع على التخلف.
فهل نقبل نحن أن تكون نظرتنا إلى التراث في عصر نهضتنا الحالي، أقل نضوجًا وأشد تخلفًا؟ وفي ضوء هذا التحديد لسمات العَلمانية في مرحلتها المبكرة الأولى، نستطيع أن نلمح، عن طريق المقارنة والتضاد، السمات المميزة للعلمانية المعاصرة، أي المتأخرة؛ ذلك لأن السياق التاريخي الذي ظهرت فيه هذه العَلمانية المتأخرة كان مختلفًا جدًا. مرت بلادنا بتجارب متعددة فيمًا بين المرحلتين، شهدت فيها انتصارات وعانت هزائم ونكسات على المستوى السياسي والعسكري والاقتصادي والثقافي. وما عاناه الأوروبيون، لاسيما في القرن السادس عشر. والعشرين، لا بد أن يكون مختلفًا، ثم أن سلوك أولئك الذين يجدون أمامهم أمثلةً سابقةً شقّت الطريق أمام العالم، ينبغي أن نسلك الطريق نفسها مع التمسك بديننا الإسلامي، نأخذ ما هو جيد وندع ما هو غثاء. ولنا في الدعوة في بداية النبوة في مكة أكبر دليل، لننهج حتى نرتقي إلى أبعاد ذات جدوى في العمل الإسلامي حتى نحقق النهضة التي تنعم بنظام إسلامي ذا بعد اقتصادي، ولا نكون شديدي العدوانية على من يعادينا. ولا بد من المَدّ أو الجر، لأن اللين يكون أفضل من الشدة في معظم حياتنا.
ومن الطبيعي أن يزداد شمول الحركة الإسلامية ويتسع إطارها، من مجرد دعوة تستهدف تقوية الدور الذي يلعبه الدين في حياة الأفراد، إلى المناداة بتوجيه المؤسسات ذاتها وليس الأفراد فحسب، يجب على المجتمع الاتجاه إلى الدين وإخضاع كافة أنظمته لأحكام الشريعة. وهكذا اتجهت شعارات الحركة نحو المزيد من الطموح، فإذا بها تُنادي بصبغ الدولة، سياسيًا، بالصبغة الإسلامية، وهو هدف يقتضي، بطبيعة الحال، إعادة بناء التشريع على نمط «الشريعة» الإسلامية. ومن المفيد أن نطلق إلى ميادين المؤسسات الاقتصادية بالصبغة الإسلامية، وفق بُعد اقتصادي ووضع خِطَّة مستقبلية لمائة عام في كل المجالات الاقتصادية والسياسية حتى نتربع على كرسي النجاة. ونحن الآن نهدف إلى نهضة حديثة تكون في سلوكنا وفي حركاتنا اليومية، فتُنشئ البنوك أو المصارف الإسلامية، وشركات توظيف الأموال العملاقة، ثم تنتقل بعد ذلك إلى المؤسسات الفكرية والثقافية، فتُغرق الأسواق بطوفان من الكتب والنشرات والمجلات، يستهدف صب عقول جيل كامل في قوالبها الخاصة، بل وتفرض رقابتها بالقوة على الأنشطة الفنية.
إننا في الحركة الإسلامية المعاصرة نؤمن بالشيء الإيجابي والفعلي في كافة جوانب الحياة ونشجع مؤسسات المجتمع المدني الذي لها تأثير حاسم على المفهوم الإسلامي. يتبع في الحلقة القادمة >>
اقرأ أيضا:أضواء من كتاب “على مشارف القرن الخامس عشر للمفكر إبراهيم الوزير” الحلقة (22)
