حربٌ إقليمية بدماء يمنية

حربٌ إقليمية بدماء يمنية
- حسن الدولة
الخميس 8 أكتوبر 2026-
الحرب الدائرة اليوم في اليمن ليست حربا يمكن أن يصنع فيها السلاح نصرا نهائيا، ولا معركة يستطيع فيها طرف، مهما بلغت قوته، أن يلغي طرفا آخر من وطن هو ملك لجميع أبنائه. إنها، في حقيقتها، حرب عبثية بامتياز؛ حربٌ إقليمية تُدار بأجندات متصارعة، ولكن بدماء يمنية، ويدفع ثمنها اليمنيون من أرواحهم وبيوتهم ومستقبل أبنائهم ونسيجهم الاجتماعي.
قد ينتصر هذا الطرف في جولة، وقد يتقدم ذاك في جبهة، وقد تتغير خرائط السيطرة وموازين القوة، لكن شيئا واحدا لن يتغير ؛ لا أحد يستطيع أن يعيش في اليمن وحده، ولا يستطيع أن يبني وطنا بإلغاء نصف شعبه أو تخوينه أو تكفيره أو استئصاله. وحتى لو امتدت هذه الحرب مئات السنين، فإن نهايتها لن تكون إلا بالعودة إلى الحقيقة التي كان ينبغي أن ندركها منذ اليوم الأول وهي أن اليمن بلد الجميع، وليس ملكا لجماعة، ولا مذهب، ولا سلالة، ولا حزب، ولا مشروع إقليمي.
والمؤلم أن الحرب لم تعد تقتل الإنسان اليمني فحسب، بل أخذت تقتل المعنى الذي يجمع اليمنيين. فقد تمزق النسيج الاجتماعي، واتسعت هوة الكراهية، وأصبح كل طرف يعيد صياغة وعي أتباعه على أساس أن حربه مقدسة، وأن خصمه ليس شريكا في الوطن وإنما عدو للدين والوطن معا؛ فهذا يصور معركته على أنها مواجهة مع “مرتزقة العدوان السعودي الصهيوني”، وذاك يقدمها باعتبارها حربا ضد “العدوان المجوسي الإيراني”. وبين هذا الخطاب وذاك، يصبح اليمني وقودًا لحرب أكبر منه، ويُطلب منه أن يقتل أخاه لأنه أُقنع بأن قتله عبادة أو دفاع عن المقدسات.
وهنا يجب أن نتوقف جميعًا، لا سيما أولئك الذين يحملون السلاح باسم الدين أو الوطن: أي دين هذا الذي يجعل قتل اليمني اليمني فضيلة؟ وأي وطن يُدافع عنه بتدمير أبنائه؟ وأي قضية يمكن أن تنتصر إذا كان ثمن انتصارها تمزيق المجتمع وتحويل أبناء الوطن إلى أعداء أبديين؟
إن قتل الأسرى، أو الاعتداء على من ألقى سلاحه واستسلم، أو دهس من أصبح عاجزا عن القتال، التي شاهدناها خلال الأيام الماضية، ليست بطولة عسكرية ولا نصرا دينيا ولا انتقاما مشروعا؛ إنها سقوط أخلاقي وإنساني مدوٍّ، وجريمة لا يبررها شعار ولا عقيدة ولا ثأر. بل إن مثل هذه الأفعال تضع مرتكبها، أيّا كان الطرف الذي ينتمي إليه، في مواجهة أبسط قواعد الدين والإنسانية وحتى أحكام القوانين التي يضعها البشر لتنظيم الحرب. فالخصم الذي يستسلم لا يعود هدفا مشروعا للقتل، بل يصبح إنسانا له حرمة الدم والكرامة.
ولعل أخطر ما فعلته هذه الحرب أنها نجحت في تحويل الخلاف السياسي إلى خصومة مذهبية، والخلاف على السلطة إلى صراع على الدين، والخلاف بين اليمنيين إلى حرب وجود يتوهم فيها كل طرف أن بقاءه مشروط بفناء الآخر. ومن هنا يبدأ الانحدار الحقيقي؛ لأن السياسة يمكن أن تتغير، والسلطة يمكن أن تتداول، والبرامج يمكن أن تتنافس، أما حين يتحول الخصم السياسي إلى كافر أو خائن أو عميل أو عدو للدين، فإن باب الحوار يُغلق، ويصبح قتل الإنسان أسهل من إقناعه.
والحقيقة التي ينبغي أن يسمعها الجميع، بلا استثناء، هي أن الخطاب المذهبي والخطاب السلالي، حين يُستخدمان لاحتكار الوطن أو السلطة أو الحق السياسي، إنما يصطدمان بجوهر الدين وبفكرة المواطنة معا. الدين لله، والوطن لجميع أبنائه، والسلطة شأن عام لا ميراث عائلي ولا امتياز مذهبي ولا حق إلهي تدعيه جماعة لنفسها.
لقد آن الأوان أن يتوقف اليمنيون عن النظر إلى بعضهم من خلال المرايا التي صنعتها لهم الأطراف الإقليمية. ليس كل من اختلف معك عميلا، أو مرتزقا ، وليس كل من قاتلك عدوا للدين، وليس كل من وقف في الجانب الآخر من الجبهة عدوا للوطن. قد يكون خصمك مخطئا، وقد يكون معتديا، وقد تكون له حساباته ومصالحه، لكن ذلك لا يمنحك حق تحويله إلى عدو أبدي، ولا يمنحك رخصة لقتل وطن كامل من أجل هزيمته.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن كلفة الحرب أكبر من أي نصر يمكن أن تمنحه البنادق، وأن كلفة السلام، مهما بدت ثقيلة، تظل أقل بكثير من كلفة الاستمرار في القتل. والسلام المطلوب ليس صفقة بين المتنفذين لتقاسم المناصب والنفوذ، ولا هدنة مؤقتة يستغلها كل طرف لإعادة ترتيب صفوفه لجولة جديدة، وإنما سلام يؤسس لانتقال حقيقي من منطق الغلبة إلى منطق الشراكة، ومن سلطة السلاح إلى سلطة القانون، ومن دولة الجماعة والطائفة والحزب إلى دولة مدنية يتساوى فيها اليمنيون جميعًا.
فيا من تحملون السلاح من أجل اليمن: اسألوا أنفسكم إلى أين تقودكم هذه الحرب؟ ومن الذي سيبقى بعد أن ينتهي الرصاص؟ ستعودون في النهاية إلى مدنكم وقراكم، وستجدون أن الذين قاتلتموهم هم جيرانكم، وأقاربكم، وأبناء وطنكم، وأن الأرض التي ظننتم أنكم تحررونها من خصومكم ليست إلا اليمن؛ يمنكم ويمنهم معا.
لا أحد يستطيع أن يقتلع الآخر من اليمن. ولا أحد يستطيع أن يبني دولة على جماجم خصومه. ولا أحد يستطيع أن يفرض مذهبه الديني أو عقيدته السياسية إلى الأبد بقوة المدفع. أما الدولة التي يمكن أن تبقى، فهي الدولة التي يتساوى فيها الجميع أمام القانون، ويتنافسون فيها على الحكم بالصندوق، ويحتكمون عند الاختلاف إلى المؤسسات لا إلى البنادق.
عودوا إلى رشدكم قبل أن يصبح الوطن كله أسيرا لذاكرة الدم. أوقفوا هذه الحرب قبل أن تورثوا أبناءكم كراهية لا يعرفون كيف بدأت ولا لماذا استمرت.
اليمن أكبر من أطراف الحرب، وأبقى من مشاريع الإقليم، وأوسع من المذاهب والسلالات والأحزاب. ومن لم يدرك هذه الحقيقة اليوم، فسيدركها غدا، ولكن بعد أن يكون قد دفع اليمن ثمنا لا يستحقه.
الدين لله، والوطن لجميع أبنائه، والسلطة حق يقرره اليمنيون جميعا، لا السلاح ولا السلالة ولا المذهب ولا الخارج.
ومن أعجبه هذا الكلام فليأخذه كما هو، ومن لم يعجبه فلا ضرورة لأن نجعله يعجبه؛ فبعض الحقائق لا تتغير بمقدار قبولنا لها أو رفضنا إياها، وحقيقة اليمن الأبدية أن لا أحد يستطيع أن يعيش فيه وحده.
اقرأ أيضا:طوفان الأقصى: العقلانية والاستراتيجية وحُكم التاريخ


