كتابات فكرية

يوميات البحث عن الحرية .. أهمية الديمقراطية ومبدأ سيادة القانون في تحقيق السلام

 يوميات البحث عن الحرية .. أهمية الديمقراطية ومبدأ سيادة القانون في تحقيق السلام

  • عبد العزيز البغدادي

الاثنين 5 أكتوبر 2026-

دولة القانون نقيض لدولة الفرد والأنظمة غير الواعية، والفرد المقصود الذي يناقض حكمه حكم القانون هو الفرد المستبد، وليس الفرد الذي يعي أهمية بناء قراراته على استجماع الآراء الصائبة من مصادر الحكمة ومنابعها.

ومعيار الصواب والخطأ في حالة الحكم الفردي المطلق مرتبط بعقلية ونفسية وثقافة الحاكم الفرد مطلق الصلاحيات.

ولهذا يضع الحكم الوراثي الفردي الدولة التي يحكمها في موضع الخطر الدائم، طالما كانت الوراثة هي من يغذي الحكم بالورثة ذوي الخصائص والمزايا المتعددة، حُسنًا وقبحًا، صلاحًا وفسادًا.

وهذا هو منبع الخطأ الدائم الأقرب إلى القضاء والقدر، الذي يناقض الحرية والعقلانية والحق في اختيار الحكام.

ولهذا، وكحل ترقيعي مؤقت، كما توصف بعض الآراء الفقهية من قبل بعض الفلاسفة وبعض الفقهاء المتفلسفين الذين تشغلهم هذه القضية المهمة؛ يرى هؤلاء أن على البلدان التي تهيمن على نخبتها الحاكمة، وممن لهم قول وفعل، وصولة وجولة لدى الحكام والمحكومين في تحديد اتجاه التعامل مع ركام التراث واختلاف الآراء حول المسائل الحساسة، عليهم أن يحثوا الخطى نحو علمنة الدولة وعقلنة التراث.

أي إخضاع الدولة للمعايير العلمية، وإخضاع التراث للمعايير العقلية.

والمقصود بالتراث هنا التراث الفقهي الذي هيمنت وتهيمن عليه الخلافات والاختلافات المستمرة منذ 14 قرنًا أو يزيد.

والمشكلة لا تكمن في مبدأ الخلاف والاختلاف، وإنما يبدو عمق المشكلة في أن كل من يصل إلى السلطة سرعان ما يبادر إلى استخدام كل او بعض عناصر قوتها المادية والمعنوية في الاستحواذ عليها، وتطبيق معتقده أو مذهبه أو رأيه الفقهي أو السياسي، ليكون عماد فلسفة الحكم ومحور تسيير مؤسسات وسلطات الدولة في تعميم الخاص وتخصيص العام على كل الشعب وكأنه قطيع مستمتعا بذلك بكل اريحية غير مدرك انه وورثته من الخاسرين عاجلا ام آجلا.

وهكذا يرانا العالم، ولا نرى أنفسنا، غارقين في دوامة الصراع على السلطة والتنافس من أجل الاستحواذ عليها، وهكذا تحول الوطن في نظر من يستبيحون دماء أبنائه إلى مجرد حلبة صراع يتناوب في الصعود إليها أصحاب العضلات، في ظل غياب شبه تام لأصحاب العقول.

وإذا وجد من يمتلك بعض العقل والحكمة، فلا مكان له بين ذوي العقول الغائبة أو المغيبة أو الضالة!

وبذا يسود شعار: لا صوت يعلو على صوت المعركة، وتتشرعن في نظر من يطبقه إدارة الوطن بالحروب والشعارات الفارغة!

وأصبح وجود أي عاقل كعدمه.

هذا هو المنهج السائد المهيمن، الذي أتاح لكل طامح أو طامع في الحكم ركوب الموجة واعتلاء صهوة الكرامة التي أضاعها لصوص الحكم باسم الدين، أو بأي اسم، في وطننا وفي كثير من الأوطان التي تتشابه ظروفها مع ظروفه، وهي غالبية المنطقة، إن لم تكن جميعها.

وهكذا تبقى دوامة الموت سائرة باتجاه المجهول المعلوم!

وكل طرف من أطراف الصراع يضحك على الآخر، مدعيًا امتلاك الحكمة والحقيقة، وأن خصمه هو الضال البعيد عن الحق والصواب!

وواقع حال الجميع عبّر عنه أحد أبرز ثوار 1948، الشاعر علي ناصر القردعي، في قوله:

(كلن يبا تجزع العوجى على الثاني

وانتو سوى تحت هج اعوج تجرونه).

دولة سيادة القانون لا بد لها من سلطة على درجة من الوعي والحكمة أو الفلسفة، تمكنها من رؤية الحق حقًا وتدفعها للسعي نحو اتباعه، ورؤية الباطل باطلًا والسعي لاجتنابه، والاعتراف بالخطأ والباطل بكل شجاعة ومسؤولية.

اليمن يا سادة لا يمكن أن تبقى تحت حكم الباطل والتعامي عن رؤية الأخطاء التي تقود إلى الباطل ببساطة، لأن في أبنائها من يملك القدرة على رؤية الحق حقًا والباطل باطلًا، والتمييز بينهما، والسير باتجاه اتباع طريق الحق واجتناب طريق الباطل، دون حاجة إلى فقيه أو ولي يكون له بمثابة العبد.

إن احترام مبدأ سيادة القانون على الجميع ومن أجل الجميع هو العنوان العام لهذه الرؤية.

والسيطرة على السلطة بالقوة لا شرعية لها ما بقي الليل والنهار، وأيًا كان المسيطر.

ولا يجوز مطلقًا وأبدًا ادعاء الحق الإلهي في الحكم في هذا العصر الذي يسود فيه العلم، رغم كل المغالطات والمعايير المزدوجة في الهيمنة على العالم، ولكنها حالة مؤقتة وستزول عاجلًا أم آجلًا رضي من رضي وكره من كره.

وادعاء الحق الإلهي سبب صراع مستمر في المنطقة التي تدعى بالعالم الإسلامي منذ 1400 عام، أو يطلق عليها اليوم الشرق الأوسط الجديد، في نظر من يصنع التحولات في ظل غياب الأحرار من ذوي العقول. ألا يكفي 1400 عام من التيه والضياع والاختلافات الفاقدة للوعي والإحساس بالمسؤولية؟!.

لا بد من التفكير الجاد في إنهاء دوامة الصراع وإعادة الأمل لليمنيين في بناء دولة يمنية حديثة، حرة، ديمقراطية موحدة بالاختيار الحر وليس بتعميدها بالدم كما اعتقد أصحاب الاعتقاد الفاسد الذي دفع الشعب ثمنه.

من اسس هذا الاختيار احترام مبادئ ثورة 26 سبتمبر 1962 احترامًا حقيقيًا، مبنيًا على الإخلاص والصدق مع الناس وتلمس أحوالهم ومعاناتهم، بعيدًا عن التعالي والتجافي وسوء المعاملة، لأن الدولة إنما ملك للشعب ولمستقبل الأجيال وليست للحكام والمدعين!.

ومن الضروري أن تكون الدولة اليمنية قائمة على العدالة والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، واحترام حقوق الدول المجاورة، وإقامة علاقات معها مبنية على التعاون والمصالح المشتركة والوفاء بالعهود؛ لأن الحديث عن بناء الدولة في ظل طموح بعض ذوي الرغبات غير المشروعة في الحكم عدوان صارخ على حرية الإنسان وكرامته وعلى جوهر العدالة.

عمر الإنسان، يا سادة، قصير، ولهذا يجب أن يحياه في صفاء ومحبة وبناء خلاق ينتج السعادة ويجعلها متاحة للجميع دون تمييز أو عنصرية من أي شكل من الأشكال؛ هذا هو محور العدالة عامة، والعدالة الانتقالية جزء منها حينما يحين وقتها وتتهيأ ظروفها، كما حدث في كثير من الدول التي استفادت من التجارب وحولت تحدي عدم الاستقرار والنزاعات والحروب والمعاناة إلى فرصة لبناء دول حديثة قائمة على التسامح واحترام مبدأ سيادة القانون على الجميع ومن أجل الجميع.

قلت لكم ولهم:

راية الحق تعلو هناك

على جبل النور لا النار

ليس شجاعٌ

من يهدر الدم

من يعيث في الأرض الفساد

الدماء الزكية

ليست هباء لذا أو لذاك

دفاع عن الوطن الحر تزهو الزهور

تزهر الأرض بالمعجزات.

اقرأ أيضا:القيم في معادلة القوة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى