غرور القوة العسكرية الأمريكية في مواجهة الجغرافيا الإيرانية

غرور القوة العسكرية الأمريكية في مواجهة الجغرافيا الإيرانية
بقلم: د. بكيل محمد الكليبي
الاثنين 13 أبريل 2026-
تعلمنا النواميس الإلاهية والإنسانية الكثير من الدروس والعبر، في التعاطي الموضوعي مع العدو أين كان بعين ممتلئة بالحذر، والاحترام في نفس الوقت، وعدم الاستهتار بالخصم مهما بلغت من القوة والتفوق، حتى وإن امتلكت من القوة اضعاف ما يمتلكه عدوك، لإن الغرور والتباهي، على العدو في أرض المعركة، ليس من المنطق في شيء، أكثر من كونه فخ يحرمك من تتبع جوانب القوة والضعف لدى الخصم وامكانية رصدها، بهدف تدارك الوقوع في مصيدة عدوك بدون قصد، فمن المسلم به أن الاستهتار بالعدو من شأنه أن يكون مدخل، من المحتمل أن يقود إلى نصر مؤزر عليك، كما أن الشعور بالتفوق الكبير يقود إلى التعالي والغرور.
بينما الأمور في المعركة تحتاج للتخطيط والوقت، وما دون ذلك يكون مجرد قراءة سطحية بسيطة، لا تعني بالضرورة، فهم الخصم من جهة، ومن جهة أخرى، الجهل وعدم فهم طبيعة المعركة نفسها، وأن الاستناد إلى القوة كعامل حاسم وأن كانت كذلك في ميدان المعركة ليس إلا غرور القوة الذي يحول دون التفكير الدقيق بمدى الادوات التي يمتلكها العدو في الميدان، باعتبار أن الميدان مسيطر عليه، وهذا الفخ في تقديري أوقع الولايات المتحدة الأمريكية، واسرائيل في شراك المصيدة الإيرانية، بالرغم من أن الأمريكيين كان لهم مخطط دقيق للمعركة مع إيران.
لكنهم أي الامريكان حسب معطيات الحرب لم يمتلكوا أفق واضح للخروج منها، بسبب تضخم أناء القوة والركون لبعض المعطيات الميدانية، التي منحتهم الكفة الطولاء، وهذا الأمر لا يمكن التنبؤ بنجاحه، نتيجة وجود معطيات جديدة تدخل على الفاعل الميداني، لاحتمالية دخول عامل أخر، يشكل مفاجئة يعيق الولايات المتحدة الأمريكية، من تحقيق انتصار ساحق بأقل كلفة، وبأقصر زمن، من خلال الركون للقوة وأن كان أمر القوة بديهي وحاسم، لكن المستجد أن هناك افتقار موضوعي في استقراء طبيعة المعركة مع إيران، نتيجة الوقوع في فخ مضلل، من شأنه رفع كلفة الحرب، على الرغم من انعدام أي مدخل للمقارنة بين حجم القوة للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، مع إيران، لوجود فارق كبير في موازين القوة، لصالح الأول.
لكن الضخامة الكبيرة في حجم القوة، في هذه المعركة مع إيران، لا يمكن النظر إليها كعامل حاسم في ميدان المعركة، لاسيما أن أستمر الفعل العسكري المرتبط بالضربات الجوية، مالم يترجم لفعل على الأرض لتأكيد التفوق، ومع ذلك فأن امتلاك إيران لقوة الجغرافيا، منحها موازنة في معادلة القوة الأمريكية، وكان للمحدد الجغرافي قوله الفاعل في ميدان المعركة، ما منح إيران القدرة على الصمود أكثر بوجه الضربات الأمريكية، إلى جانب مجموعة من المحددات السياسية، والطبيعية، وحتى الديمغرافية، التي أحسن الإيرانيين استخدامها، في مواجهة أكبر حملة جوية عليها، ونجحوا بشكل واسع في امتصاص الضربات أولاً، ثم الرد عليها في مختلف الاتجاهات ثانياً.
وليس هذا وحسب، بل أن استمرار الرد بمقدار متفاوت من الضربات التي حملت معادلة، متزنة في استهداف المشاريع والبنى التحتية، الأمريكية في المنطقة التي جرى استهدافها، وهذا في طياته حول المعركة من مجرد ضربات متبادلة، إلى رسائل لها دلالات عميقة يمكن معرفتها من خلال قراءة طبيعة الرد الإيراني، على الضربات الأمريكية والاسرائيلية، بأسلوب جديد يختلف في تكتيكاته عن الاساليب التي فهمها العدو في حرب ١٢ يوماً السابقة.
وكان من شأن ذلك تخريب الاعتقاد أن الحرب بالنسبة للجانب الأمريكي، ومعها إسرائيل، مجرد عملية خاطفة، بالإمكان حسمها سريعاً، وما جرى كان عكس الاعتقاد وعكس الرغبة، وهنا يبرز سؤال جوهري ما جدوى دخول الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في هذه الحرب مع إيران دون امتلاك أفق واضح للخروج منها.
أن إعادة القراءة للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي أخذت تسير في منحى عنيف، بعد مرور حوالي ٤٠ يوماً منها، يوحي بان الولايات المتحدة الأمريكية، وقعت في شباك التضليل الإسرائيلي بسهولة الحرب وسرعة حسمها، فتدحرجت كرة الثلج نحو مسارات واتجاهات مختلفة، لم يعمل الجانبين حساب لها قبل الدخول في المعركة، وكان أهم عامل هو عامل الجغرافيا، الذي شكل قوة دفاع على الارض لصالح إيران، التي نجحت في استغلال ورقة مضيق هرمز، ومنحها فرصة لرفع كلفة الحرب، ليس على الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، بل على مستوى العالم، وجعل موضوع استقرار المنطقة مرتبط بمصالح العالم، الذي يحتاج لتدفق الطاقة.
هذه الورقة بالتحديد مكنت إيران، من قطع أي انتصار خاطف للجانب الأمريكي عليها، وجعلت من الصعب التكهن بنتائج المعركة، التي دخلت عليها العديد من التعقيدات الجيوسياسية، والجيواقتصادية، التي أخذت تتحكم بطبيعة المعركة، وتصعب عملية التنبؤ بمألات الأحداث وفق معطيات الزمن، كما كان مخطط له، فما بدا أنه تحكم وسيطرة مطلقة للولايات المتحدة الأمريكية، وإسرائيل، على المجال الجوي الإيراني، ليس إلا إدعاء يهدف إلى تطمين الناخب الأمريكي، وتهدئه مؤقته لأسواق النفط.
وهذا يقود إلى سؤال أشكالي هل فعلاً هناك تحكم وسيطرة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل؟ إن كان كذلك لماذا التفاوض إذن طالما وأنت المتحكم بمجريات المعركة، وإن نجح الطرف الأول في التحكم بإيران لماذا لا زالت الأخيرة تكابر إلى الآن بعد كل هذا الدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية في إيران.
لكن الواضح أن تطورات المعركة من خلال متابعة مجرياتها نجد أن الإيرانيين رغم التضحيات الجسيمة التي دفعوها من القيادات العليا، والبنى التحتية، أصبحوا أكثر قدرة على الثبات والصمود في الحرب، من أجل تحقيق الأهداف والسير رغم التضحيات نحو الانتصار المكلف باعتبار أن المعركة بالنسبة لهم مسألة حياة أو موت، وعليه لم يرمي الإيرانيين بكل أوراقهم في الميدان، رغبه منهم في حرمان العدو الأمريكي، والإسرائيلي، من قطف انتصار خاطف وسريع، ويعول الإيرانيين في هذا المسار، على بقاء الحرب فترة أطول، بهف استنزاف الخصم وتحقيق العديد من النقاط عليه، مثل زيادة تعميق خسائره كل يوم، وهذا الأمر يبين أن الإيرانيين استوعبوا الدرس من حرب ١٢ اليوم في يونيو الماضي، وأصبحوا أكثر فهماً لطبيعة المعركة المصيرية، وإلى أين يرغبوا بالوصول بها، والمعيار هنا ليس فارق القوة الكبير الذي يرجح كفة الأمريكيين والإسرائيليين، بل الاستنزاف ورفع فاتورة الحرب على مستوى العالم، بأحداث أزمة عالمية في موضوع تدفق الطاقة، إلى جانب ضرب مصداقية العدو بالمفاجئات التي لا يتوقعها، وزيادة الاعباء على القيادة الأمريكية، وجعلها في موقف محرج، لاسيما مع ادعاء الانتصار والسيطرة على الاجواء، وضرب نسبة كبيرة من الصواريخ والمسيرات الإيرانية، لكن هذا الادعاء له ما يبدده، إذ لاتزال إيران مستمرة في اطلاق الصواريخ والمسيرات، إلى جانب اسقاط طائرات أمريكية داخل الاجواء الإيرانية، وظهور مثل هذه الحوادث كفيلة بهز الموقف الأمريكي، وضرب مصداقيته، وتظل المعركة مرشحة للانزلاق نحو مسارات أكثر خطورة تهدد استقرار الاقليم برمته في مقبل الأيام، إذ ما اتخذ قرار يزيد من سخونتها في الايام المقبلة، نتيجة المتغيرات السياسية في موقف طرفي الحرب، خلال عملية المفاوضات الجارية، وهذا ويزيد من تعقيدات الأمور بشكل أكبر، والتوجه نحو أفاق أكثر قتامة تهدد مستقبل المنطقة.




