تعليق على مداخلة البروفيسور حبيب عبدالرب سروري حول المواطنة المتساوية

تعليق على مداخلة البروفيسور حبيب عبدالرب سروري حول المواطنة المتساوية
- الدكتور حسن الدولة
الاثنين 23 مارس 2026-
تعليقًا على مداخلة الأستاذ البروفيسور حبيب عبدالرب سروري الموسومة: “نحو المواطنة المتساوية وحرية الضمير في اليمن”، والتي ألقاها في ندوة “يمن المواطنة المتساوية وحرية الضمير” التي نظمها “مجلس الأقليات في اليمن” بتاريخ 22 مارس 2026، بداية يطيب لي ان انتهز هذه الفرصة فأتقدم بالشكر الجزيل للبروفيسور حبيب عبدالرب سروري على هذه المداخلة العميقة، وأؤكد على ما ذهب إليه من أن هذه المداخلة – رغم أنها لا تتجاوز بضعة فقرات – هي بحق مما يغني عن قراءة مجلدات كاملة. فقد استطاع البروفيسور حبيب، بعمق لافت، أن يلامس أهم إشكالات العصر، ليس في اليمن فحسب، بل في العالمين العربي والإسلامي عمومًا؛ إشكالات متشابكة تتعلق بجوهر الإنسان: حريته، وكرامته، وحقه في الاختيار.
وسأحاول في تعليقي الموجز أن أقدم قراءة دينية – من داخل النص الإسلامي نفسه – تدعم ما ذهب إليه، وأؤكد على أن مشروع المواطنة المتساوية وحرية الضمير ليس مشروعًا دخيلًا على ثقافتنا، بل هو أقرب إلى جوهر الرسالة المحمدية مما يظنه البعض.
سأتوقف عند نقطة جوهرية أشار إليها البروفيسور حبيب، وهي التفريق بين حرية الاعتقاد وحرية الضمير، فالحديث هنا ليس مجرد مناقشة فقهية تقليدية، بل هو نقلة نوعية تتصل بفهمنا للعلاقة بين الإنسان وخالقه، وبين الفرد والمجتمع.
فحرية الاعتقاد، كما كفلها القرآن الكريم، تمثل الحد الأدنى من حرية الإنسان في اختيار ما يؤمن به، حتى أصبح من المقرر في تراثنا أن “شرع من قبلنا شرع لنا”، وتفرعت قواعد فقهية لاحقة أُسيء توظيفها، مثل قاعدة: “من أبدى لنا صفحته أقمنا عليه الحد”، مستندين إلى أحاديث لم يثبت صحتها من جهة السند أو المتن، وعلى رأسها حديث: “من بدل دينه فاقتلوه”.
وهذا الحديث، كما هو معلوم عند عدد من علماء النقد، مقدوح في سنده ومتنه؛ فمن جهة السند، راويه هو عكرمة مولى عبدالله بن عباس، وقد طُعن فيه، بل إن سفيان الثوري كان يحذّر غلامه قائلاً: “إياك أن تكذب عليّ كما كذب عكرمة على مولاه ابن عباس”، كما أشار علماء الجرح والتعديل إلى أن عكرمة كان يأخذ الجوائز – العطايا – من الأمراء، مما يضعف الثقة في روايته. أما من جهة المتن، فإن دلالة الحديث تصطدم مع جوهر الرسالة الإسلامية نفسها؛ إذ كيف يُعقل أن يُقتل من يغيّر دينه، في حين أن الرسالات السماوية جاءت أساسًا لتحرير الإنسان من الأديان الموروثة إلى الإيمان القائم على الاختيار الحر؟ بل إن هذا الفهم يفضي إلى تناقضات صارخة، منها: أنه لو أسلم يهودي، فإن من حق قومه قتله وفق ذات المنطق! وهذا ما يتنافى مع روح الدين ومقاصده.
أما القرآن الكريم، فقد حسم المسألة بوضوح، فجعل عقوبة الردة أخروية لا دنيوية، كما في قوله تعالى: (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) [البقرة: 217]. بل وأكثر من ذلك، أقرّ إمكانية التكرار في الإيمان والكفر: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ) [النساء: 137]، فكيف يُتصور وقوع هذا التكرار لو كان حكم القتل قائمًا؟ بل إن القرآن ذهب إلى أبعد من ذلك، حين ربط الهداية والمحبة الإلهية بحرية الاختيار: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) [المائدة: 54]، وقوله: (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) [الكهف: 29].
وهنا تتجلى عظمة مفهوم حرية الضمير كما طرحه البروفيسور حبيب، إذ لا يكتفي بحرية الاختيار الظاهري، بل يؤكد أن الله وحده هو الذي يحتكر معرفة الضلال والهداية، وأنه لم يمنح أي إنسان سلطة دينية على غيره، مهما بلغ من العلم أو المكانة. فالإنسان “ليس عليه بمسيطر”، ولا “بجبار”، ولا “بوكِيل”، كما جاء في القرآن الكريم. ومن هنا، فإن كل ادعاء بالوصاية على ضمائر الناس هو خروج عن جوهر الدين، الذي أراد أن يكون “الدين كله لله”، لا أداة بيد بشر يفرضون بها سلطتهم.
وإذا نظرنا إلى الجدل الكلامي القديم، نجد أن المسلمين انقسموا إلى فريقين: فريق قال بالجبر، وأن الإنسان مسيّر في أفعاله، وفريق قال بالاختيار، وأن الإنسان مسؤول عن أفعاله. وبتأمل هذين الرأيين، نجد أن كليهما يقود إلى نفي مشروعية قتل المرتد: فإن كان الإنسان مجبرًا، فكيف يُعاقب على ما أُجبر عليه؟ وإن كان مختارًا، فكيف يُسلب حريته التي وهبها الله له؟ وهكذا يسقط هذا الحكم من أساسه عند الفريقين معًا.
أما ما أشار إليه البروفيسور حبيب بشأن المهمّشين (الأخدام) ، فهو جرح إنساني عميق يتناقض مع أصل الخلقة، إذ إن الله خلق الناس (مِن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ)، فلا هذا اختار أن يولد مهمشًا، ولا ذاك اختار نسبه أو طبقته. وإن أي تمييز على هذا الأساس هو خروج صريح عن الفطرة قبل أن يكون خروجًا عن الدين.
وينطبق الأمر ذاته على قضية المرأة، التي لا تختلف في أصل الخلقة والكرامة عن الرجل، إذ لا فرق بينهما إلا بالتقوى والعمل. وما يُفرض عليها من قيود اجتماعية وثقافية لا يستند في كثير منه إلى الدين، بل إلى تراكمات فقهية متأثرة ببيئات بدوية وثقافات تاريخية. فالحجاب، بصورته المفروضة اليوم، ليس بالضرورة تعبيرًا عن جوهر الدين، وشعر المرأة ليس عورة كما يزعم بعض الفقهاء، بل إن هذه القضايا تحتاج إلى إعادة قراءة في ضوء النص القرآني ومقاصده.
لقد كنت أودّ أن أتناول كل ما جاء في هذه المداخلة من زاوية دينية تفصيلية، وأن أفنّد حجج الكهنوتيين الظلاميين واحدة تلو الأخرى، لما في طرح البروفيسور حبيب من ثراء يستحق النقاش الموسّع، غير أنني أكتفي بهذا القدر، تاركًا لمداخلته القيّمة أن تقوم ببقية هذه المهمة، بما تحمله من وضوح فكري وجرأة معرفية في مواجهة أخطر إشكالات عصرنا.
والله الموفق،،،
اقرأ أيضا:يوميات البحث عن الحرية .. مسرحية الهروب من المسؤولية





