الحرب الأمريكية الصهيونية الإيرانية (2-1)

الحرب الأمريكية الصهيونية الإيرانية (2-1)
- قادري أحمد حيدر
الاحد 10 مايو 2026-
الطرح الذي أقدمه لكم، ليس انحيازاً لإيران بقدر ما هو توصيف موضوعي للواقع، وانحياز مبدئي لقيم الحق والقانون الدولي ..
إن العنوان أعلاه، تحت صيغة: “الحرب الأمريكية الصهيونية الإيرانية” ليس سوى توصيف مراوغ، مخاتل، وزائف؛ فهو يجافي الحقيقة والواقع الذي يؤكد أننا لسنا بصدد “حرب” بالمعنى التقليدي، بل أمام عدوان عسكري أمريكي صهيوني استعماري غاشم على إيران، عدوانٍ يضرب عرض الحائط بكل القوانين الدولية والأعراف والقيم الإنسانية.
وصل حد حشد العديد من حاملات الطائرات، والبوارج، وعشرات الآلاف من الجنود لحصار الموانئ الإيرانية، لمنع إيران من حركة تصدير نفطها للعالم، ومن دخول أي شيء إلى إيران، وهو حصار لا إنساني، خارج كل القوانين الدولية، بحجة إغلاق “مضيق هرمز”.
لقد أوقع الرئيس ترامب نفسه والعالم كله في فخ حصار ترك آثاره الاقتصادية السلبية على كل العالم. لقد جاءت هذه الحرب لتقوض مسار المفاوضات السلمية التي استمرت لفترتين؛ وبسبب الهيمنة المطلقة للإعلام الغربي الاستعماري ووسائط التواصل الاجتماعي العالمية، وجدنا أنفسنا أمام احتكار تام للرواية السياسية وتشويه للخبر وتزييف للمعلومة.
ففي ظل هذه الهيمنة، يتم تصوير اختطاف رئيس منتخب من شعبه (كما في الحالة الفنزويلية) ومحاولة محاكمته في الدولة “المُختطِفة” على أنه مجرد احتجاز بسبب “دعم الإرهاب”، أو في أحسن الأحوال خلافات تقنية حول النفط والغاز. ولم تدن أو تعترض دولة عربية واحدة على اختطاف الرئيس الفنزويلي، بل ولم تدن الحرب العدوانية الأمريكية/ الصهيونية على إيران، على الأقل تضامناً مع القانون الدولي الذي يجرم هكذا أعمال، خاصة وأن لها انعكاسات سلبية على أوضاعها الداخلية الخليجية المباشرة.
إن التفكير السياسي الواقعي يقول لنا: كيف تطالب ممن صمتوا على حرب الإبادة الجماعية في غزة/ فلسطين طيلة قرابة سنتين، بمطالبتهم بإدانة العدوان العسكري الأمريكي/ الصهيونية على إيران؟ فمن لم يقف مع إخوته العرب في غزة/ فلسطين، من باب أولى أن لا يقف ضد العدوان على إيران. علماً أن بعض دول الخليج مشاركة فعلياً في العدوان على إيران، بل هي تقدم رسائل مطالبة إلى مجلس الأمن الدولي، لاستصدار قرار تحت البند السابع، لفك مضيق هرمز، وللمرة الثانية، لجعل الحرب على إيران تحت غطاء دولي، بإيعاز من أمريكا، وخدمة لمصالحها المباشرة.
وفي هذا السياق، انزلق الإعلام الخليجي (السعودي والإماراتي)، وبعض الأقلام العربية المرتهنة للإعلام الخليجي، إلى تبني خطاب “ترامب” واليمين المسيحي الصهيوني المتطرف. لقد وصل الأمر ببعضهم إلى التبشير بالعدوان العسكري والترويج ضمنياً لدعوة “ترامب” بمحو الحضارة الإيرانية وتدمير منشآتها الحيوية من محطات كهرباء ومياه وطاقة وآبار نفط، في تحدٍ صارخ لكل المواثيق الدولية. بل وذهب بعضهم، كغسان شربل، إلى دعوة إيران “لتجرع سم التسوية”، وهو تعبير ملطف للاستسلام والذل وهدر السيادة الوطنية لدولة وشعب يمتلكان تاريخاً وحضارة عريقة. وكل جريمة إيران، هو رفضها التبعية للمشيئة الأمريكية، وإصرارها على استقلالية قرارها السياسي الوطني المستقل، والأهم دعمها للقضية الفلسطينية، بعد أن تخلى النظام السياسي العربي المتصهين عن ذلك.
إن هذا الطرح الذي أقدمه لكم، ليس انحيازاً سياسياً لإيران بقدر ما هو توصيف موضوعي للواقع، وانحياز مبدئي لقيم الحق والقانون الدولي الذي يحرقه اليمين المسيحي الإنجيلي الصهيوني اليوم.
هناك أهداف سياسية واقتصادية وأمنية استراتيجية عديدة من العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران:
أولاً:
محاولة إسقاط أو تغيير النظام الإيراني وتفكيكه لإعادة صياغته بما يحقق المصالح الأمريكية الصهيونية تمهيداً لفرض خارطة شرق أوسط جديد “إسرائيل الكبرى”، كما يعلنها صراحة نتنياهو وجميع القادة الصهاينة.. إسرائيل الكبرى التي تمتد لحدود عدة دول عربية تحت قيادة الكيان الصهيوني، وهو ما فشلت إمكانية تنفيذه سياسياً وعسكرياً حتى الآن، بعد أن صارت إيران هي الدولة الوحيدة، المعوق الكبير لتنفيذ مشروع إسرائيل الكبرى.
ثانياً:
استكمال إلغاء دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن (بالفيتو الأمريكي)، وبالمواقف الأمريكية المباشرة، من خلال حصار المؤسسات والمنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة المختلفة، ووقف حصة التمويل الأمريكي المالي عنها، وتحريض إسرائيل على تدمير ما تبقى منها “الأونروا وغيرها”، وخاصة المنظمات الحقوقية والقانونية والإنسانية التي صارت شبه مجمدة وبدون أي فعالية في واقع الممارسة، ووصلت حد فرض أمريكا عقوبات على قضاة المحاكم الجنائية الدولية المختلفة وحصارهم سياسياً وأمنياً لشل حركة هذه المؤسسات والمنظمات القانونية الدولية.
والذي وصل حد تهديد حياة أسرة فرانشيسكا ألبانيز، وهي المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفرض عقوبات أمريكية عليها، لتقديمها تقارير أممية تدين الكيان الصهيوني، بارتكابه جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، موثقة بالصور وبالتواريخ والأرقام.
ثالثاً:
التحرك السياسي والعسكري، والترغيب والترهيب للسيطرة على النفط والغاز والمعادن الثمينة في العالم؛ النفط العربي المستباح، والنفط الفنزويلي، والإيراني… إلخ، لحصار الصين اقتصادياً للحد من إمكانية تطورها في أهم مادة اقتصادية تحتاجها، لتعويق مسار مشروع الحزام والطريق للتنمية العالمية المستدامة.
رابعاً:
حصار وقمع أي تحركات سياسية واجتماعية وقانونية باتجاه ميلاد نظام عالمي متعدد الأقطاب، وليست هذه الحروب والضغوط الأمريكية الموزعة على جميع مناطق العالم سوى واحدة من الأدوات في هذا الاتجاه.
خامساً:
وهو الهدف السياسي الإقليمي والاستراتيجي، المتمثل في تصفية المقاومة والقضية الفلسطينية واللبنانية نهائياً/ وجودياً.
أمريكا والكيان الصهيوني اليوم يعربدان في المنطقة والعالم؛ نموذجها الفاضح والصارخ حرب الإبادة الجماعية في غزة المستمرة لقرابة سنتين ونصف، بعد أن سلم النظام السياسي العربي المتصهين غزة بل وكل فلسطين إلى يد ترامب “مقاول عملية السلام”، ليصنع سلامه العقاري التجاري الخاص به، على طريق تصفية ما تبقى من القضية الفلسطينية.
لم يعد النظام العربي يتحدث عن الإبادة الجماعية المستمرة حتى اللحظة في غزة واحتلال الضفة الغربية والقدس، بعد أن انتقلت الحرب إلى شبه إبادة واحتلال للأراضي اللبنانية يتكرس مع كل يوم يمر بضوء أخضر أمريكي، بعد أن تحولت أمريكا بقدرة قادر إلى وسيط نزيه بين النظام السياسي اللبناني وبين دويلة الكيان الصهيوني، بعد أن وجد ترامب في النظام الرئاسي والحكومي اللبناني أدواته في تمرير وشرعنة التطبيع مع الكيان الصهيوني، ضداً على إرادة أغلبية الشعب اللبناني، وبدون أي غطاء سياسي وطني لبناني، وعربي، في الوقت الذي لم يتوقف الكيان عن الاحتلال للأرض اللبنانية وعن القتل والتدمير والتفجير للمدن والقرى اللبنانية، وتهجير أكثر من مليون ومائتين ألف لبناني، ووضع خطوط حمراء وصفراء وغيرها باسم حماية لبنان من الوصاية الإيرانية ومن “حزب الله”، وصولاً لملاحقة الصحفيين وإعدامهم ميدانياً، كما حدث مع الصحفية أمل خليل؛ الصحفية التقدمية التي لم يستطع كل نظام “المفاوضات المباشرة” حمايتها وإنقاذها، في الوقت الذي يدعي أنه سيسترد الأرض من خلال الضغط الأمريكي، وبالمفاوضات مع الكيان الصهيوني!! وكأنهم لا يعرفون طبيعة وجوهر الكيان الصهيوني التوسعية بلا حدود. فقد نقضوا اتفاق “أوسلو”، وهم اليوم -وبعد أن سلم لهم أبو محمد الجولاني/ أحمد الشرع كل سوريا- مستمرون في احتلال الأراضي السورية، وقتل المواطنين السوريين في كل مكان تصل إليه يدهم العسكرية، حتى صاروا على بعد خمسة عشر كيلو من دمشق.
علماً أن وقف إطلاق النار الهش في لبنان لم يتحقق بقدرة السلطة اللبنانية، أو بإرادة أمريكية طوعية، بل بقوة المفاوضات الإيرانية/ الأمريكية في إسلام آباد. نظام يتخلى عن جميع أوراق القوة التي في يده: اتفاقية الهدنة 1949م، الاتفاقات اللبنانية الشرعية (اتفاق الطائف 1989م)، وقرارات الشرعية الدولية (القرار 1701)، وقرارات القمة العربية 2002م حول السلام مع الكيان الصهيوني، والمفاوضات غير المباشرة “الميكانيزم”، ليذهب تحت ضغوط ترامب للموافقة على جدول أعمال أمريكي/ صهيوني لم تكتب فيه السلطة اللبنانية حرفاً واحداً، يقول أحد بنوده أن من حق الكيان الصهيوني الدفاع عن نفسه، وهي رخصة سياسية وقانونية لاستمرار العدوان الصهيوني على لبنان، وكلها تحت ذريعة رفض الوصاية الإيرانية على القرار السيادي اللبناني.
هي محاولات سياسية جدية لإلحاق لبنان بالمحور الأمريكي الصهيوني السوري الإماراتي، وما يجري ليس سوى محاولة لإضافة لبنان لجوقة التطبيع الإبراهيمي بالتدريج، تمهيداً للعمل المشترك مع أمريكا والكيان الصهيوني لتصفية المقاومة اللبنانية، بذريعة حماية القرار “السياسي السيادي اللبناني” مما يجري في إسلام آباد من مفاوضات بين أمريكا وإيران. مع أن وقف إطلاق النار الهش في لبنان -كما سبقت الإشارة- تم وكان بنسبة 80% بضغوط المفاوضات الجارية في إسلام آباد، ومن خلال مقاومة “حزب الله اللبناني”، بعد أن عجز النظام “السيادي اللبناني” طيلة 15 شهراً برعاية أمريكية وفرنسية عن إيقاف العدوان الصهيوني على لبنان، تم خلالها قتل قرابة 5000 شهيد لبناني، والآلاف من الجرحى، وتدمير المئات من المباني والمنشآت الرسمية والخاصة للناس، بل إن النظام “السيادي اللبناني” لم يرفع حتى شكاوى ورسائل احتجاج قانونية لمجلس الأمن والأمم المتحدة والجهات المعنية بذلك؛ لأنه نظام أعجز من أن يقوم بأي دور سياسي في هذا الاتجاه. بل إن المستشار الأمريكي توم بارك قال: “نحن وفرنسا فشلنا في إقناع إسرائيل بوقف إطلاق النار”، وهما الدولتان الضامنتان للاتفاق.
يقولون إن كل أوراق القوة صارت بيد النظام السياسي اللبناني، وأوراق القوة هذه هي ضغط أمريكا على الكيان الصهيوني بوقف العدوان على لبنان، وهي ليست أكثر من نكتة تثير البكاء والسخرية وتكشف مدى عمق العجز الذي وصل إليه النظام السياسي اللبناني في طبعته الراهنة، وكلها إذا ما استمرت مقدمات لمراكمة شروط سياسية اجتماعية تمهيدية لنشر بذور وأسس حرب أهلية أوسع وأعمق مما كانت في سبعينيات القرن الماضي، وهو مطلب سياسي استراتيجي صهيوني/ امريكي.
اقرأ أيضا للكاتب: مساهمة في قراءة القضية الجنوبية (الجذور، والواقع، والمحتوى) (4-4)

