كتابات فكرية

يوميات البحث عن الحرية .. خطر إهدار الدماء وتعطيل الطاقات

 ​يوميات البحث عن الحرية .. خطر إهدار الدماء وتعطيل الطاقات

  • عبد العزيز البغدادي

الاثنين 26 أكتوبر 2026-

​أخطر ما في الأصوليين المكَفِّرين الذين يقفزون إلى السلطة باستخدام القوة اعتمادهم على جهل العامة في محاربة علم الخاصة، وهذا الفعل الخطير أو الأكثر خطورة يؤدي إلى إعاقة وعي المجتمعات واستغلال الجهل لتكريس حكم الطغيان والاستبداد وممارسة برامج التجهيل الممنهج.

​لهذا تخسر الشعوب والمجتمعات جواهر خاصتها في المهد، أي في بداية بزوغ عقول وإبداعات ذوي الخصائص المتفردة والمواهب من الأحرار القادرين على التأثير الإيجابي في حياة مجتمعاتهم.

​والأصوليون أنواع تتعدى المنتمين إلى الأديان والمذاهب المختلفة لتشمل جميع الأفكار والأيديولوجيات المتطرفة، أي أن مصدر التطرف ينسب الى السماء أو إلى الأرض حسب دعاوى المتطرفين.

​وأغلب ضحايا هذه الأنواع تتمحور أعمارهم بين الطفولة والشباب، وهذا يعكس الحالة الشريرة لمن يصطاد عقولهم لوعيه بخطورة ما يصنع إن لم يكن تابعاً لسلطة شريرة خارج الوطن.

​هذه الفئات العمرية يكمن في أعماقها عمق وجوهر وقلب الطاقة والقدرة لأي مجتمع، فهي المادة التي تصنع منها وتتجلى من خلالها الكفاءات الوطنية المفترض ظهورها، وتتشكل منها بنية الأوطان القوية المقتدرة القادرة على الإسهام الحضاري والإنساني.

 ومن خلالها يتم إفساح المجال للتفاهم بين البشر والافلات من جنون من يتحكمون بالمسار الإنساني عن طريق سلب حرية هذه الطاقات وتحويل المجتمعات إلى سادة وعبيد بالوراثة باسم الدين أو تحت أي مسمى خرافي وهمي شمولي، أي خارج القدرة الفعلية الطبيعية للإنسان الخلاق.

​في هذا العمر الذهبي الذي تتجلى فيه المواهب وتعبر عن وجودها وتتلألأ الشجاعة والإقدام والقدرات الذهنية من خلال فعلها؛ فإما أن يستقبلها نظام مسؤول يرعاها ويوجهها في الاتجاه الصحيح لخدمة المجتمع، أو نظاماً فاجراً مستبداً يديرها بالخزعبلات ويبعدها عن مجرى التفكير العلمي السليم.

​ومن الأمثلة على آلية توجيه وتشجيع التفكير الخرافي اعتماده على ما يسمى علم الأنساب الذي يساوي ما يمكن تسميته بعلم الخرافة والوهم، والذي يشمل كل برامج تعطيل طاقات المجتمعات بإشغالها عن العلم المفيد القائم على الإبداع والابتكار بما يسمى علوم الاتباع للروايات  والسند عن فلان ابن فلان وعلان ابن زعطان، وقال وكيل، وتكرار أكذوبة:  أجمع الفقهاء وهم في الحقيقة مختلفون عبر التاريخ على كل صغيرة وكبيرة، ولا يوجد دليل علمي أو شبه علمي على اتفاقهم واجتماعهم على أي مسألة، وأنى لهم ذلك وهم مختلفون منذ 1400 عام حول بداية الصيام وعيد الفطر وكيف يعالجون الاختلاف في هذه المسألة البسيطة الواضحة!

​إن استخدام عبارة: أجمع الفقهاء، ومتفق عليه هدفها توجيه القارئ إلى اتباع رأي من الآراء السقيمة العقيمة، وهذا توجه سياسي يستخدم الدين وكل مقدس مطية لخدمة الاستبداد وأزلام الحكم والتحكم في عقول الناس وتوجيههم نحو الضياع!

​هكذا تهدر الكفاءات الوطنية بما يؤدي إليه هذا المنهج من جر للمجتمع إلى التعصب، والتعصب يقود إلى الفتنة، وإهدار الأرواح والدماء والأموال كإهدار اليمنيين دماء بعضهم بالوكالة عمن يمثلون الاقتتال الطائفي وتحويل بلاد الإيمان والحكمة إلى ساحة حرب لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية!

​وقد أصبح من الواضح أن هذا الإهدار عملاً موجهاً ممنهجاً بفعل المسكونين بَهَمِّ الاستيلاء على السلطة إما بالقوة أو بالاحتيال والأكاذيب والتضليل الإعلامي الذي تديره وتسيره قوى إقليمية ودولية تتجلى خطورتها اليوم بما يسمى بالنظام العالمي الجديد المحكوم بالنفاق، والذي يبدو أنه قد وصل إلى درجة من الخطورة تفوق الحرب الباردة القديمة، إذ صارت فيه وخلاله البلدان الأضعف تقبع في عمق مأساة تخسر في ظلها أبناءها؛ وهل يوجد خسران أبلغ وأشد قسوة من خسران الإنسان؟!

​أما الدول التي أنتجت سلطات مسؤولة عن طريق الديمقراطية الحقيقية وليست الدعائية والاعلامية والفارغة من المضامين التي تدل على حقيقة معانيها ودلالاتها؛ هذه الدول تسير عكس اتجاه الدول التي يجثم على شعوبها الضياع المعتمدة على علم الخرافة كما أشرنا.

​الدول المعتمدة على العلم تدرك أهمية الخروج من مأزق الخرافات والانشغال بأوهام الأمجاد التاريخية والادعاءات الفارغة من أي محتوى مثل “كنا سادة العالم وقد غزونا كل أنحائه” وعلمنا العالم.

​دول العلم تحترم العلم وتركز كل طاقتها وإمكانياتها وثرواتها المتاحة والمستخرجة للاستفادة منه وبناء الحاضر وتهيئة الطريق نحو بناء مستقبل أكثر إشراقاً.

​وهناك دول لا تملك ثروات في باطن الأرض أو ظاهرها، ولذلك فقد بحثت في جوهر الإنسان لتكتشف أنه أغلى ثروة، ولهذا ركزت على الاستمرار في هذا الطريق وعاشت وتعيش شامخة بهذا الكنز الذي يمشي على الأرض ويتجدد باستمرار ويحمل وطنه إلى المعالي أينما كان، ولذلك فهو قادر على الخروج من أي محنة لامتلاكه الثقة بشعبه ووجوده كاثمن ثروة!

​شمس القلوب

قلب التحدي الذي لا يُحدّ،

يدرك طريق الفجر،

يبصره بوضوح لا يُضاهى،

لا يعزله عن الإدراك زمان ولا مكان.

الملوك لهم أعيُن لا ترى،

بيضاء فارغة،

وقلوب لا ترى الشمس!

اقرأ أيضا للكاتب:يوميات البحث عن الحرية .. رسائل في فلسفة القانون والسياسة

اقرأ أيضا:  التسامح.. أسُّ السلام والتعايش

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى