كتابات فكرية

يوميات البحث عن الحرية .. بين دولة حكم الفرد ودولة حكم القانون

يوميات البحث عن الحرية .. بين دولة حكم الفرد ودولة حكم القانون

عبد العزيز البغدادي

الاثنين 27 يوليو 2026-

واقع الحال في اليمن، أننا نعيش حالة تفكك دولة الوحدة التي أجهض الحُلم ببنائها ورغم بؤس الأحوال التي عشناها فيما مضى من قرون مظلمة ضحى في سبيل إزاحة كابوسها مئات الآلاف من الشهداء، وفي العقود الاربعة الماضية كادت طموحات المستبدين الجدد أن تودي بتلك التضحيات، بل ولبسوا ثوبا أخطر من الثوب القديم.

 وما نعيشه اليوم من ولاآت متعددة لدول إقليمية يشكل حلقة من حلقات مسلسل سيناريو الارتهان لدول وقوى هي الأخرى لا تملك قرارها أي أننا أصبحنا كما يقول المثل الصنعاني : (خدام خدام الجرافي ) أو حسب البردوني :

(أمير النفط نحن يداك نحن أحد أنيابك

ونحن القادة العطشى   الى فضلات أكوابك

لقد جئنا نجر الشعب في أعتاب أعتابك

 ومسؤولون في صنعاء وفراشون في بابك

 ألا يا سيد الاذناب   إنا خير أذنابك

  ومع شديد الأسف لقد آل بنا الحال إلى واقع أشد بؤساً وأكثر مرارة، ومما يزيد المرارة أن الكثير منا لا يدرك أو لا يريد أن يدرك الأسباب الحقيقية التي تقف بالمرصاد وراء استمرار التفكك الذي تعيشه اليمن.

ومن أغرب الغرائب أن كل الجماعات التي وضعت أيديها على أجزاء من اليمن إما بالقوة والانقلاب او بالاحتيال أو بادعاء الشرعية جميعهم يتجاهل أن الشرعية في الدول التي لها دستور أو تدعي أنها ديمقراطية تنتهي حينما تحصل بها اضطرابات أو نزاع على السلطة خاصة إذا مضى أكثر من عام دون أن يحسم الخلاف والصراع بين أطرافه وبأي شكل.

 ولا تستعاد الشرعية الدستورية في كل الأحوال إلا بانتخابات جديدة تحسم الخلاف لصالح السلطة الجديدة، أي أنه لاشرعية إطلاقا للسيطرة على السلطة بالقوة او بالحيلة والخداع أو بالاستقواء بطرف خارجي خاصة من الدول التي لها تأريخ معروف في استهداف اليمن ونهب أراضيه.

 ومع ذلك نراها مستمرة في إصرارها على التنكيل باليمن والحيلولة دون السماح لشعبه ببناء دولته الحرة الديمقراطية، ولأن اليمنيين قد أسسوا في 26 سبتمبر 1962 نظاما جمهوريا وضعه في بوابة بناء دولته الديمقراطية فإن من المستحيل التنازل عن هذا الهدف الذي حققه اليمنيون عبر عقود بل قرون من النضال.

واليمنيون أكدوا ويؤكدوا باستمرار، بالأفعال وليس بالأقوال على رغبتهم في بناء علاقة إخاء وحسن جوار حتى مع من له ماضٍ معاد ومليء بالمآسي التي سببها استمرار تدخله في شئونهم الداخلية وانتهاك سيادة بلدهم.

 ومن أمثلة الحيل والخداع تجويع واستغلال تجويع الناس، وتجهيلهم أو استغلال جهلهم والدفع بهم الى محارق الموت، والتسبب في استمرار الازمات الاقتصادية والسياسية وانعدام العدالة والامن بقصد الحيلولة دون اتخاذ أي خطوات أو قرارات تعزز مفهوم الديمقراطية وتدعم استمرار سياسة الاستخفاف بعقول البسطاء والاعتداء على ما حققته الثورة التي جاءت لإنقاذ كل اليمنيين ودون أي تمييز حتى في مواجهة من مارسوا التمييز والعنصرية في عصور التمييز والعنصرية، وهذا هو السلوك وحده الذي يمكن من خلاله إنهاء الصراع على السلطة.

ونتائج هذه الحيل الاضرار بالشعب والوطن بكل تنوعاته ومكوناته الاجتماعية والسياسية وهدم أسس بناء الدولة الدستورية، ولا يسلم من آثارها السلبية حتى من يتبع هذه السياسات ممن يضن نفسه حاذقا.

والادهى والامَرّ أن الأطراف المسيطرة على المنطقة التي بسطت نفوذها للاستيلاء عليها في أنحاء اليمن يتحدث كل منهم منفردا عن بناء الدولة أو إعادة بنائها وكأنه يسيطر على كامل اليمن، وفي يد كل منهم وفي ضميره معول هدم لا تقوى على تحمل آثاره أعظم الدول ما بالك بدولة هشة فتكت بها عقود وقبل ذلك قرون من الصراعات المذهبية على السلطة من قبل أناس يسمون أنفسهم أو يسميهم الجهلة قادة في حين أن كلما يتقنونه هو التسابق على سفك الدماء في سبيل الاستيلاء على السلطة والتمسك بها بأي ثمن.

الاولوية إذا يجب أن تكون لاستعادة الدولة أولا، والوقوف في وجه أي تدخل دولي أو إقليمي. مالم يكن بغرض تشجيع اليمنيين ودعمهم لاستعادة الدولة وانتخاب سلطة شرعية جديدة تعبر عن إرادة جميع أبناء اليمن وهذا ليس حلما خيالياً لان تنفيذه ببساطة يبدأ بانتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة وهذا أبسط ما تقوم به الامم المتحدة لو كانت حريصة على الامن والسلام الدوليين وعلى تطبيق ميثاق الامم المتحدة.

 وهذا التدخل سيكون تدخلا مقبولا وكريما وشرعياً أما التدخل الداعم لهذا الطرف او ذاك أو لكل الاطراف أحيانا كما أشارت إلى ذلك صحيفة القبس الكويتية فهذا التدخل ليس سوى جريمة منكرة بحق الجوار والإخاء والإنسانية.

أن استعادة الدولة لا يكون من خلال تخيل بناؤها وفق رؤية فرد حاكم أو متحكم وإنما وفق نظرية بناء دولة المؤسسات.

والفرق واضح بين رؤية الفرد الحاكم المستبد لبناء الدولة وبين رؤية بناء دولة المؤسسات أو دولة القانون – دولة المواطنة المتساوية.

دولة الحاكم الفرد المستبد يحددها هو كما لو كانت ملكه ويفصلها ويبنيها على هواه ووفق مشيئته وعلى مقاسه، ولهذا سرعان ما يهدمها من يخلفه أو يأت بعده ويعيد بناؤها كذلك حسب هواه ووفق رغباته وميولاته الشخصية أي يتعامل معها كملكية شخصية، وهذه هي الدول الملكية والامبراطوريات ودول الخلفاء والائمة والسلاطين التي مضى عصرها وانتهى زمنها أو هذا ما يفترض.

ومع ذلك فإننا نحن اليمانيون نعاهد الله والجوار والعالم بأننا نرغب في علاقة حسن جوار وفي المقدمة مع المملكة العربية السعودية وعمان  ولانسع إلى التدخل في بناء دول الجوار وفق إرادتنا وميولنا كما يفعل بعض الجوار أو غير الجوار أو أي دولة أو تكتل إقليمي أو دولي.

إن وجود دولة المؤسسات أو دولة الدستور وسيادة القانون يرتبط بإرادة الشعوب وثقافتها وطموحها في التغيير  والدول ذات الانظمة الملكية الذكية استفادت من الجمهوريات فأسست على سبيل المثال تجربة الملكيات الدستورية التي سعت وتسعى الى تضمين أنظمتها نهجا ديمقراطيا تتخلص خلاله من سلبيات النظم الملكية الديكتاتورية ، واتجهت نحو  التغيير الجذري في نمط التفكير حول مفهوم الدولة القانونية التي تقوم فيها على أركان رئيسية ثلاثة هي : الشعب – الإقليم- السلطة وبذلك مهدت الطريق نحوا التغيير السلمي لأنظمة الحكم الملكية المستبدة بديلا عن التغيير عن طريق العنف والثورة المسلحة ، والعنف الذي لا رؤية ولا سقف له لا يولد سوى المزيد من العنف والفوضى .

وبموجب نظرية الدولة القانونية أصبح الشعب هو الركن الثابت وهو صاحب الحق في السلطة والثروة والسيادة أي أن بقية الأركان ملك الشعب وليس ملك السلطة.

 ووفق هذا المفهوم فإن الشعب هو مصدر الشرعية الدستورية والقانونية فهو من يختار السلطة السياسية والتنفيذية عن طريق الانتخاب ويحدد طريقة ومدة ولاية السلطة السياسية في الدستور، وبقية السلطات الادارية وغيرها عن طريق الانتخاب أيضا ووفقا للقوانين التي تنشأ بموجبها.

أي أن دولة المؤسسات دولة راسخة متينة البنيان إلا أن بعض الممارسات والتدخلات الداخلية والخارجية أدت إلى تشويه المفاهيم لتبدوا الأمور عكس ما يجب أن تكون عليه.

وهدف هذه الممارسات في الظاهر خدمة الانظمة الملكية والسلاطينية التي جرى دعمها من قبل الدول الاستعمارية التي حولت استعمارها من الاسلوب المباشر القديم إلى الاستعمار الجديد وهي ممارسات أدت ولا تزال تؤدي إلى عكس ما تريده هذه الانظمة للحيلولة دون تحقيق طموحات الشعوب.

كما قامت بتدعيم الفوضى داخل الانظمة الجمهورية وأفرغتها من محتواها الذي يفترض أن يقوم على التداول السلمي للسلطة وعدم جواز أن يجدد انتخاب رئيس الجمهورية لأكثر من فترتين انتخابيتين كما هو في الولايات المتحدة والالتزام بضوابط للترشح للرئاسة منعا لوصول من لا يتوفر فيه صفات الرئاسة اللائقة بهذا المنصب بحيث يستحيل أن يقبل وصول شخص غير مؤهل ناهيك عن مختل عقليا أو أخلاقيا إلى موقع الرئيس.

وهدف من يسعى للإخلال بهذه المبادئ والمعايير والقيم هو أن تبدوا الانظمة الملكية والتقليدية التي أشرنا إليها بصورة عامة افضل من الانظمة الجمهورية التي جرى تغذية الاضطرابات بها واختراقها عن طريق بعض العملاء والدفع بهم إلى الصفوف الأولى في مواقع إصدار القرار ليستمرا في نخر بنيان الدولة من الداخل.

الولاء لمن لا يحابي ولا يدعي

 لمن لا يحب الكراسي

 ممهورة بالدماء

من لا يعشق الجهل

أو يتشفى بتجهيل أبناء شعبه

 ومن اودعوه الامانة حكما

 أسلموه الرقاب

وحده الله من يستحق الولاء

لا غير

 هكذا قالت جميع الرسالات

والأنبياء

والمعادون للشرك والمشركين

اقرأ أيضا:اليمن.. بين استنزاف الحرب وأفق السلام

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى