وقفة مع مقال: “عولمة الحروب الشريرة تحكم العالم”

وقفة مع مقال: “عولمة الحروب الشريرة تحكم العالم”
- بقلم: حسن الدولة
الأربعاء 16 سبتمبر 2026-
جاء مقال القاضي عبدالعزيز البغدادي “عولمة الحروب الشريرة تحكم العالم”، المنشور يوم الثلاثاء 15 سبتمبر 2026 في صوت صحيفة الشورى الإلكترونية وعلى صفحته في فيسبوك، في توقيت بالغ الدلالة، إذ جاء بعد أربعة أيام فقط من الذكرى الخامسة والعشرين لأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، تلك الأحداث التي شكلت نقطة تحول كبرى في تاريخ العالم المعاصر، وفتحت الباب أمام ما سمي «الحرب على الإرهاب»، وهي حرب لم تتوقف عند ملاحقة مرتكبي الجريمة، وإنما تحولت إلى مشروع عسكري وسياسي واسع امتد من أفغانستان إلى العراق، ثم إلى ساحات أخرى كثيرة في العالم.
وللتاريخ والإنصاف، فإن ضحايا هجمات 11 سبتمبر وفق السجل الموثق بلغوا 2,977 شخصًا، من المدنيين ورجال الإطفاء والشرطة وأطقم الطائرات وغيرهم، فضلًا عن الخاطفين التسعة عشر. وهذا العدد الكبير من الضحايا يجعل الجريمة مأساة إنسانية كبرى لا يجوز إنكارها أو التقليل من بشاعتها، أياً كان مرتكبوها وأياً كانت دوافعهم. لكن الاعتراف بفداحة الجريمة لا يعني أن نتوقف عن طرح الأسئلة حول ما جرى بعدها، ولا حول الطريقة التي استُثمرت بها تلك المأساة في إعادة تشكيل السياسة الدولية.
لقد أحاطت أحداث 11 سبتمبر منذ يومها الأول أسئلة كثيرة وروايات متناقضة وشائعات واسعة الانتشار، ومن بينها الادعاء الشهير بأن آلاف اليهود أو الإسرائيليين العاملين في مركز التجارة العالمي تلقوا تحذيرًا مسبقًا ولم يذهبوا إلى أعمالهم في ذلك اليوم. وبعد مراجعة ما توفر من معلومات، لا أرى أن من المنهجية العلمية تحويل هذه الرواية إلى حقيقة ثابتة؛ فقد جرى تفنيدها، كما أن وجود يهود بين ضحايا الهجمات موثق. والأهم من ذلك أن مثل هذه الروايات لا ينبغي أن تصرفنا عن السؤال السياسي الأكبر: من استفاد من الجريمة؟ وكيف تحولت المأساة إلى مبرر لحروب وسياسات امتدت آثارها إلى شعوب بأكملها؟
وهنا تحديدًا تكمن أهمية مقال القاضي البغدادي؛ فهو لا يتوقف عند لحظة انهيار البرجين، وإنما يتساءل عما جاء بعدها: كيف استطاعت دولة واحدة أن تجعل من نفسها صاحب الحق في تعريف الإرهاب، وتحديد الإرهابي، ثم إعلان الحرب عليه في أي مكان من العالم؟ وكيف تحولت «الحرب على الإرهاب» من عملية محددة إلى حرب مفتوحة لا يعرف أحد متى تنتهي ولا أين تنتهي؟
لقد أعلنت الولايات المتحدة حربها على أفغانستان بعد أسابيع قليلة من الهجمات، ثم جاءت حرب العراق عام 2003، رغم أن العراق لم يكن هو الدولة التي انطلقت منها هجمات سبتمبر. وهنا بدأت تتسع الهوة بين عنوان «مكافحة الإرهاب» وبين الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة تحت هذا العنوان. فهل كان إسقاط نظام في العراق جزءًا من مكافحة الإرهاب؟ وهل كان احتلال بلد بأكمله هو الطريق إلى القضاء على الإرهاب؟ أم أن الحرب نفسها ساهمت في إنتاج بيئات جديدة للعنف والتطرف، وهو ما ظهر لاحقًا في صعود تنظيمات أكثر دموية واتساعًا؟
وهنا أتوقف عند السؤال الذي نقله القاضي البغدادي عن نيلسون مانديلا حول ضرورة تعريف الإرهاب وتحديد الإرهابي قبل إعلان الحرب عليه. فهذا السؤال ليس ترفًا فكريًا، وإنما هو جوهر القضية. فإذا كان الإرهاب هو استخدام العنف ضد الأبرياء لتحقيق أهداف سياسية، فإن المعيار يجب أن يكون واحدًا على الجميع، أفرادًا وجماعات ودولًا، لا أن يكون الإرهاب جريمة حين يرتكبه الخصم، بينما يصبح «حربًا مشروعة» أو “دفاعا عن النفس” حين ترتكبه دولة حليفة أو قوة كبرى.
المشكلة ليست في محاربة الإرهاب؛ فالإرهاب جريمة تستحق المواجهة، وإنما المشكلة في أن يتحول مفهوم الإرهاب إلى أداة سياسية تُستخدم بحسب المصالح. فالجماعة نفسها يمكن أن تكون إرهابية في خطاب دولة، ثم تصبح طرفًا يمكن التفاوض معه عندما تتغير المصالح، ويمكن أن تنتقل من خانة العدو إلى خانة الحليف، ومن خانة الإرهاب إلى خانة «المعارضة المعتدلة»، وفقًا لحسابات السياسة لا وفقًا لمعيار قانوني ثابت.
أما القول إن الولايات المتحدة صنعت كل التنظيمات الإرهابية أو خططت مباشرة لأحداث 11 سبتمبر نفسها، فلا أرى أن من الحكمة طرحه باعتباره حقيقة مكتملة دون أدلة قاطعة. لكن ذلك لا يعفي الولايات المتحدة من مسؤولية تاريخية ثابتة في توظيف جماعات مسلحة خلال الحرب الباردة، ولا سيما في أفغانستان، ضمن صراعها مع الاتحاد السوفيتي، ولا يعفيها من مسؤولية دراسة النتائج الكارثية التي ترتبت على سياسات دعم القوى المسلحة واستخدامها كأدوات في الصراعات الدولية.
وهنا يصبح السؤال أكثر عمقا: هل نحن أمام دول تحارب الإرهاب حقا، أم أمام نظام دولي يستثمر الخوف من الإرهاب في إدارة الصراعات وإعادة رسم مناطق النفوذ؟ وهل كان العالم يحتاج إلى ربع قرن من الحروب حتى يدرك أن الإرهاب لا يمكن القضاء عليه بالقوة العسكرية وحدها؟ أم أن استمرار الخوف والحرب أصبح في ذاته مصلحة سياسية واقتصادية لبعض القوى الكبرى؟
لقد كشفت السنوات الخمس والعشرون الماضية أن الحروب لا تصنع الديمقراطية، وأن إسقاط الأنظمة بالقوة لا يعني بناء دول ديمقراطية، وأن احتلال البلدان لا يؤدي بالضرورة إلى تحرير شعوبها. الديمقراطية الحقيقية تبدأ من حق الشعب في اختيار حكامه، ومن التداول السلمي للسلطة، ومن استقلال المؤسسات، ومن احترام سيادة الدول، ومن الاحتكام إلى صناديق الاقتراع بدل صناديق الذخيرة.
ومن هنا يبدو السؤال الذي يطرحه القاضي عبدالعزيز البغدادي في خاتمة مقاله بالغ الأهمية: هل يمكن أن تكون دولة ما ديمقراطية في الداخل وشمولية في الخارج؟ وإذا كانت الديمقراطية قيمة عالمية، فلماذا تصبح مبدأً مقدسا في مكان، ثم تتحول إلى أمر ثانوي عندما تتعارض مع المصالح الجيوسياسية في مكان آخر؟ ولماذا تُدعم أنظمة بالقوة أو بالمال أو بالسلاح، بينما تُحاصر شعوب أخرى لأنها اختارت طريقًا لا ينسجم مع مصالح القوى الكبرى؟
إن مأساة 11 سبتمبر ينبغي ألا تتحول إلى ذريعة لنسيان ملايين الضحايا الذين سقطوا بعد ذلك في الحروب التي أُعلنت باسم مكافحة الإرهاب. فالمأساة لا تبرر مأساة أخرى، والجريمة لا تمنح أحدا شيكا مفتوحا لارتكاب جرائم جديدة. وإذا كان العالم قد وقف يومها أمام مشهد البرجين وهما ينهاران، فإنه شهد خلال السنوات التالية انهيار دول ومجتمعات ومدن ومؤسسات، وسقوط ضحايا أبرياء في حروب امتدت آثارها من أفغانستان والعراق إلى مناطق أخرى من العالم.
لهذا أجد مقال القاضي عبدالعزيز البغدادي جديرًا بالوقوف عنده؛ لأنه يعيدنا إلى السؤال الذي يجب ألا يضيع وسط ضجيج الحروب: من يصنع الحرب؟ ومن يستثمرها؟ ومن يدفع ثمنها؟ فالذين يقررون الحرب غالبا لا يدفعون ثمنها الحقيقي، وإنما يدفعه المواطن البسيط، والجندي الذي لا يملك قرارًا، والطفل الذي يفقد والديه، والأسرة التي تفقد بيتها، والوطن الذي يفقد أمنه ومؤسساته ومستقبله.
إن العالم بعد خمسة وعشرين عامًا من 11 سبتمبر يحتاج إلى وقفة عقل لا إلى جولة جديدة من الحروب. يحتاج إلى القيام بتعريف الإرهاب، تعريفا واضحا حسب طلب العميل المناضل نلسون مانديلا، وإلى معيار واحد يطبق على الجميع، وإلى قانون دولي لا يميز بين قوي وضعيف، وإلى معالجة جذور التطرف والاستبداد والفقر والإقصاء، وإلى إعادة الاعتبار للسياسة باعتبارها وسيلة للحوار والتوافق والتداول السلمي للسلطة، لا وسيلة لإدارة الحروب وإطالة أمدها.
مقال القاضي مقال في غاية الأهمية لأنه لا يكتفي بقراءة ما حدث، وإنما يحاول أن يقرأ ما وراء الحدث وما ترتب عليه. وبعد ربع قرن من الحروب التي لم تنهِ الإرهاب، ربما آن الأوان أن نطرح السؤال بصراحة: هل كان العالم يحارب الإرهاب فعلًا، أم أنه كان يحارب نتائج أزمات صنعتها سياسات دولية مختلة؟ وهل آن لنا أن ننتقل من منطق “الحرب على الإرهاب ” إلى منطق أكثر عقلانية وعدلا: محاربة أسباب الإرهاب، وبناء دولة القانون، وتمكين الشعوب من اختيار حكامها، وإغلاق الطريق أمام استثمار الدم والخوف في صناعة السلطة؟
ذلك هو الطريق الوحيد الذي يمكن أن يقود العالم من عولمة الحروب الشريرة إلى عولمة السلام والحرية والعدالة.
اقرأ أيضا: يوميات البحث عن الحرية .. عولمة الحروب الشريرة تحكم العالم




