كتابات فكرية

يحيى العرشي ومطالبته للسعودية أن تعمل بوصية الملك عبدالعزيز

يحيى العرشي ومطالبته للسعودية أن تعمل بوصية الملك عبدالعزيز

  • حسن الدولة

الأحد 8 فبراير 2025-

الأستاذ يحيى بن حسين العرشي اسمٌ لا يختلف عليه اثنان من حيث التجربة السياسية والدبلوماسية، ولا من حيث حرصه المعلن على اليمن ووحدته واستقراره. ومقاله الأخير، الذي دعا فيه المملكة العربية السعودية إلى “إعادة قراءة وصية الملك عبد العزيز”، يندرج في هذا الإطار الوطني الصادق، والساعي، كما يبدو، إلى تصحيح مسار العلاقة اليمنية-السعودية بما يخدم مصلحة البلدين.

غير أن المدخل الذي اختاره الأستاذ يحيى يثير إشكالية أساسية، تتمثل في عدم تحديده بوضوح أي وصية يقصد. فالوصية المتداولة والشائعة في الوعي السياسي والتاريخي هي مقولة الملك عبد العزيز: «خيركم وشركم من اليمن»، وهي مقولة تحتمل أكثر من قراءة، لكنها تاريخياً لم تُترجم إلى سياسات تحفظ لليمن خيره، ولا تجنبه شر التدخلات.

بل إن الوقائع تشير، وبعيداً عن العاطفة، إلى أن أبناء الملك عبد العزيز لم يكتفوا بكسب «الخير» من اليمن، بل توسعت الدولة السعودية الحديثة على حساب اليمن الطبيعي والتاريخي، من نجد والحجاز، وصولاً إلى اقتطاع جيزان ونجران وعسير، ثم استبعاد اليمن من الربع الخالي كاملاً. ولا تزال النظرة الجيوسياسية السعودية – كما يرى كثير من الباحثين – تمتد إلى ما تبقى من ذلك المجال الجغرافي. وهذه حقائق تاريخية لا ينفيها حسن النية، ولا الرغبة في تحسين العلاقات.

ومن هذا المنطلق، فإن مطالبة السعودية اليوم بالعودة إلى «وصية» غير محددة المعالم، دون مراجعة نقدية صريحة لمسار السياسات السابقة، تبدو أقرب إلى رهان أخلاقي منها إلى تحليل سياسي واقعي.

وإذا انتقلنا إلى الشأن اليمني الداخلي، فإن المقال – على أهميته – تغافل عن الأسباب العميقة التي قادت إلى الأزمة الوطنية، وبخاصة القضية الجنوبية. فقد جرى الحديث عن الوحدة بوصفها حقيقة تاريخية مطلقة، في حين تم تجاهل الكيفية التي أُنجزت بها وحدة 22 مايو 1990م، والتي لم تكن نتاج عقد وطني متوازن، ولا ثمرة توافق مؤسسي داخل دولة الجنوب.

فالوحدة جاءت في مناخ عاطفي، وقرار مفاجئ اتخذه علي سالم البيض دون العودة إلى المكتب السياسي للحزب الاشتراكي اليمني، في وقت كان الخلاف الحقيقي محصوراً بين خياري الوحدة الفيدرالية أو الكونفيدرالية، لا رفض الوحدة من حيث المبدأ. غير أن هذا الخلاف حُسم باتجاه وحدة اندماجية كاملة، دون ضمانات دستورية أو سياسية تحمي الشراكة.

وما إن مضى عام واحد، حتى بدأت اغتيالات الكوادر الجنوبية في صنعاء وغيرها، دون مساءلة أو محاسبة، ثم جاءت حرب صيف 1994م، التي أنهت فعلياً أي معنى للشراكة، وحوّلت الوحدة إلى معادلة غلبة لا توافق. وتبع ذلك مسار طويل من الإقصاء، ونهب الأراضي والثروات، وتفكيك المؤسسات الجنوبية، وصولاً إلى حرب 2015م.

  في هذا السياق، يصبح من الصعب التعامل مع الحراك الجنوبي بوصفه مجرد نتيجة لتدخلات خارجية أو ارتزاق سياسي. فهذه الحركة – مهما اختلفنا معها – هي نتاج تراكمي لفشل الدولة اليمنية في إدارة الوحدة، لا رفضاً لليمن، ولا تنكراً لهويته.

إن الوحدة، كما يعلم الأستاذ يحيى، ليست قيمة مجردة، بل عقد سياسي وأخلاقي، متى ما انهار مضمونه، يصبح الدفاع عنه خطابياً غير كافٍ. والمطالبة اليوم بدور سعودي إيجابي لا يمكن أن تنجح ما لم تُبنَ على قراءة واقعية تعترف بأخطاء الداخل، تماماً كما تنتقد أخطاء الخارج.

ويُضاف إلى ذلك أن أخطر ما جرى بعد حرب صيف 1994م لم يكن الحرب ذاتها فحسب، بل الإهمال المنهجي لمعالجة آثارها السلبية، وفي مقدمتها قضية المسرّحين قسراً من الخدمة المدنية والعسكرية الجنوبية. فقد تحولت هذه القضية، التي كان يمكن احتواؤها بقرارات إدارية عادلة وتسويات قانونية منصفة، إلى جرح مفتوح في الوعي الجمعي الجنوبي. ومع تجاهل معالجة أوضاع المرتبات والحقوق الوظيفية، واستمرار الإقصاء، ظل سقف المطالب يرتفع تدريجياً، من مطالب حقوقية ومعيشية، إلى مطالب سياسية، حتى بلغ ذروته بالمطالبة بفك الارتباط.

لم يكن هذا التحول قفزة في الفراغ، ولا مؤامرة خارجية صرفة، بل نتيجة طبيعية لفشل الدولة في إدارة ما بعد الحرب، وغياب أي مشروع وطني جاد لإعادة بناء الشراكة.

وفي هذا السياق، يصبح الحديث العاطفي عن الوحدة، بمعزل عن هذه الوقائع، حديثاً رومانسياً لا يمت للواقع بصلة. فالوحدة التي لا تُعالج اختلالاتها، ولا يُعاد تعريفها على أسس عادلة، تتحول من مشروع حياة – كما وصفها الأستاذ لطفي فؤاد نعمان – إلى شعار مستهلك، يُستدعى عند الأزمات، دون أن يُترجم إلى سياسات تحمي الإنسان وكرامته.

صحيح أن الوحدة تمثل حصناً لليمنيين، وأن الانفصال يحمل في طياته مخاطر التفكك والحروب والاستقطاب، لكن هذا الطرح يفقد قوته إن لم يُقرّ في الوقت ذاته بأن حماية الوحدة لا تكون بإنكار المظالم، ولا بتخوين المحتجين، ولا بتقديس واقع مختل. فالوحدة حياة اليمنيين فقط عندما تكون إطاراً للتعدد، وعقداً سياسياً قابلاً للإصلاح، لا سيفاً مسلطاً باسم «الثابت الوطني”.

إن أخطر ما يهدد اليمن اليوم ليس النقاش حول شكل الدولة، بل استمرار “فقر الوعي” حين يُختزل هذا النقاش في ثنائية وحدة أو انفصال، دون الغوص في جذور الأزمة: كيف نُدير التنوع؟ كيف نضمن الشراكة؟ وكيف نمنع إعادة إنتاج الحروب تحت لافتات كبرى؟

وعليه، فإن الطريق إلى وحدة قابلة للحياة لا يمر عبر الخطاب، بل عبر الاعتراف، والمصالحة، والعدالة، وإعادة بناء الثقة. عندها فقط تصبح الوحدة فعلاً حياة لليمنيين، لا مجرد نداء أخلاقي جميل، يُرفع في الوقت الخطأ، وبالأدوات الخطأ.

اقرأ أيضا: حِكَم الفلاسفة: دروس في الاستلهام والتأمل (ديستويفسكي أنموذجاً)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى