من رسالة إلى مقال عن مخاطر الفرز العرقي وأصل كلمة “سيد”

من رسالة إلى مقال عن مخاطر الفرز العرقي وأصل كلمة “سيد”
- حسن الدولة
السبت 9 مايو 2026-
أرسل إلى الصديق الدكتور شايف علي جار الله الفيديو المرفق ربطا بهذا المقال فكتبت له الرسالة التالية:
شكرًا أخي الدكتور على إرسال هذا الفيديو للمفكر العلامة المحقق الزيدي المجتهد الأستاذ زيد بن علي الوزير، صاحب واحد من أنضج المشاريع الفكرية والسياسية في اليمن المعاصر، ومؤلف كتاب «الفردية»، ومن أوائل المفكرين اليمنيين الذين نادوا منذ تسعينيات القرن الماضي بالدولة الاتحادية المدنية، وأصدروا مؤلفات تؤصل لهذا التصور، إلى جانب كتبه المهمة مثل: “في البدء كان الحكم مدنيًا”، و”عندما يسود الجفاف – مأساة التمذهب”، وغيرها من المؤلفات الفكرية والسياسية التي يصعب حصرها في هذا المقام.
ويأتي هذا الفيديو ليضيء جانبًا مهما يتعلق بجذور لفظة “سيد: وعادة تقبيل الركب في المجتمع اليمني، وهو موضوع يستدعي قبل الخوض فيه الوقوف عند مفهوم العنصرية وتعريفها تعريفا دقيقا.
فالعنصرية هي مذهب يقوم على التفرقة بين البشر بحسب أصولهم أو ألوانهم أو أنسابهم أو انتماءاتهم، وهي اعتقاد بوجود فروق جوهرية موروثة في طبائع الناس وقدراتهم، تنسب إلى جماعة أو عرق معين، بما يبرر التمييز بينهم اجتماعيا أو قانونيا. وإذا كانت العنصرية في العالم ترتكز على اللون أو القومية أو اللغة أو الطبقة أو الثقافة، فإن صورها في اليمن تتجلى في دعاوى التميز العرقي والسلالي، كالتفاخر بالأنساب والطعن في الآخرين، سواء تحت عناوين القرشية أو العلوية أو البطنين أو الأقيال أو القحطانية، وهذا مزين وهذا دوران وهذا صاحب مهنة وضيعة أو غيرها من المسميات التي تقوم في جوهرها على التعالي العرقي.
ولا يخفى ما تتركه العنصرية من آثار مدمرة على الفرد والمجتمع؛ فهي تولد الحقد والكراهية، وتفكك الروابط الاجتماعية، وتخلق أجواء من الخوف والاحتقان وعدم الاستقرار، بل وقد تصبح شرارة لصراعات وحروب تتعصب فيها كل جماعة لأفكارها وانتماءاتها. وأخطر أنواع العنصرية تلك التي تستند إلى نصوص مختلقة أو تأويلات لا أصل لها، فتضفي على التمييز غطاء دينيا يوهم الناس بأنه حق مشروع، وهو ما لم يأذن به الله تعالى.
وفي هذا السياق، يوضح الأستاذ زيد الوزير أن لفظة “سيد” لفظة يمنية قديمة سابقة للإسلام، وكانت تُطلق على كبير القوم أو وجيههم، شأنها شأن استعمال العرب لكلمة “السيد” لمن ساد قومه. وقد أشار إلى ما رُوي عن دخول الإمام الهادي إلى اليمن، وأن أحد أقيال اليمن خاطبه بقوله: «لقد صرت اليوم سيدًا»، فأجابه الهادي: :معاذ الله، لا سيد إلا الله”، لأنه لم يكن يعلم أن اليمنيين يطلقون لفظ “سيد: على كبير القوم ووجيههم.
كما ورد في الروايات القديمة أن هند بنت عتبة، لما اتهمها زوجها فاكه بن المغيرة بالزنا، ذهبت مع أبيها إلى كاهن في اليمن، فقال لها: إنك ستلدين رجلًا يسود قومه، فقالت: : “لا كان إن لم يكن سيد العرب”، ثم تزوجت بأبي سفيان.
وروى الطبري عن الحسن بن علي عليهما السلام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ادعوا لي سيد العرب: يعني عليا، فقالت عائشة: ألست سيد العرب يا رسول الله؟ فقال: “أنا سيد ولد آدم، وعلي سيد العرب”.
وفي شعر الإمام المجتهد ابن الأمير، في رده على بني العنسي أهل برط، قوله:
أنا هاشمي فاطمي ونسبتي
إلى حسن سبط الرسول محمد
إلى أن يقول:
ووالدي المولى الأمير ابن حمزة
عماد الهدى حتى علا كل مقعد
ثم يقول:
أولئك آبائي إذا كنت جاهلًا
ونحن بنوهم سيدًا بعد سيد
ومن خلال هذه الشواهد يتضح أن لفظة “سيد” لم تكن حكرا على سلالة أو عرق بعينه، وإنما كانت وصفا اجتماعيا يطلق على من يسود قومه بمكانته أو علمه أو وجاهته. وفي بعض المناطق اليمنية الشمالية كان المعلم يُخاطب بـ”سيدنا” بفتح السين، كما كان الجد يسمى “سيد” بكسر السين، وهو استعمال اجتماعي متجذر في الثقافة المحلية.
أما عادة تقبيل الركب أو الأقدام، كما يوضح الأستاذ زيد في هذا الفيديو، فقد كانت في المجتمع اليمني صورة من صور توقير الكبير واحترامه، لا علاقة لها بالتمييز العرقي أو السلالي. وأذكر أننا، أنا وإخوتي، كنا لا نتناول الإفطار حتى نقبل ركبة والدنا ـ طيب الله ثراه ـ كما كان طلبة العلم يقبلون أقدام مشايخهم احترامًا لهم دون نظر إلى نسب أو انتماء.
ومع ذلك، فإن هذه الممارسات أصبحت اليوم مستهجنة ولا تتناسب مع روح العصر، ولا يمكن الدفاع عنها أو الدعوة إليها، فهي من العادات التي تجاوزها الزمن. وكذلك لفظة «سيد» إذا أُخذت بمعناها اليمني الاجتماعي، فهي لا تختلف كثيرًا عن الألقاب الاجتماعية المستخدمة في مختلف الشعوب للدلالة على الاحترام والتقدير، ولا يجوز بحال أن تتحول إلى أداة للتمييز العرقي أو السلالي المقيت.
ومن هنا، فإن الغاية من إعادة نشر هذا الفيديو هي توضيح أن لفظة “سيد” في أصلها اليمني لا تعني امتيازا عرقيا ولا تمنح تفوقا لسلالة على أخرى، وإنما ترتبط بمكانة الشخص نفسه، كما هو الحال في ألقاب مثل الشيخ أو المعلم أو الفقيه، دون أن يمتد ذلك إلى ذريته أو يتحول إلى أساس للتمايز الاجتماعي.
وقد حسم القرآن الكريم قضية التفاضل بين الناس بقوله تعالى:
{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.
كما وردت نصوص كثيرة تنهى عن التعالي والتمييز بين البشر، ومن ذلك ما نُقل عن الإمام علي كرم الله وجهه أنه قال:
:أعجبُ، ولِمَ لا أعجبُ، من امرئٍ يتعالى على ابن جنسه! فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لو أعطى الله هذا الحق لأحدٍ من عباده لخصَّ به رسله وأنبياءه”.
وقال عليه السلام أيضًا:
“إن أولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جاؤوا به”، ثم تلا قوله تعالى:
{إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا}،
ثم قال:
“إن وليَّ محمدٍ من أطاع الله وإن بعدت لحمته، وإن عدوَّ محمدٍ من عصى الله وإن قربت قرابته”.
ومن المهم كذلك الإشارة إلى أن ما يُقال عن :
“البطنين” في جانب منه جاء بوصفه رد فعل تاريخيا على حديث “الإمامة في قريش:، وهو حديث طعن كثير من العلماء في متنه وسنده. وقد انقسم المسلمون حول فهمه منذ وقت مبكر؛ فأنكره الخوارج وقالوا إن الإمامة حق لمن تتوفر فيه شروطها من عامة المسلمين، بينما رأى الهاشميون أن قريشا احتجت بالشجرة ونسيت الثمرة، ثم تطورت هذه الآراء لاحقًا إلى اتجاهات متعددة داخل البيت الهاشمي نفسه.
فمنهم من جعل الإمامة في بني هاشم وبني عبد المطلب، ومنهم من خصها بذرية الإمام علي، ثم انقسم العلويون؛ فمنهم من جعلها عامة في ذرية علي من فاطمة وغيرها، ومنهم من حصرها في ذرية الحسنين، وهم الزيدية، بينما قصرتها الإسماعيلية والإمامية على ذرية الحسين وحده.
وهي في النهاية اجتهادات ودعاوى بشرية لا يصح أن تتحول إلى أساس للتفاضل بين الناس أو لاحتكار الدين أو السلطة، لأن ميزان التفاضل الحقيقي الذي أقره الإسلام هو التقوى والعمل الصالح، لا النسب ولا السلالة.
اقرأ أيضا:العلم.. ومحاولة تديينه



