في الذكرى الـ 58 للاستقلال الوطني 30 نوفمبر تبرز تأملات جوهرية تستدعي المناقشة الفلسفية

في الذكرى الـ 58 للاستقلال الوطني 30 نوفمبر تبرز تأملات جوهرية تستدعي المناقشة الفلسفية
- أمين الجبر
الأحد 30 نوفمبر 2025-
عندما نستحضر الأحداث الوطنية المفصلية في تاريخنا المعاصر، فإننا – بلا شك – نجدد الذاكرة الجماعية إزاءها، ونحفز الهمم نحو استلهام دروسها، لنستمد من الماضي المجيد تلك الحيوية الفكرية التي تبعث في عقولنا القدرة على صناعة الأمل في الوعي الجمعي، بهدف التلاقي مع مستقبل مشرق بعد فترة من الجمود الثقافي والسياسي.
إن الثلاثين من نوفمبر ذكرى وطنية خالدة في وعي الشعب اليمني، أعلن فيها استقلال جنوب الوطن من الاستعمار البريطاني الغاشم الذي امتد قرابة 129 عاماً من الظلم والاستعباد. تلك الذكرى التي اتفق على نقاوتها الثورية وصفائها الوطني مختلف أطياف الطيف السياسي جنوباً وشمالاً، رغم الاختلاف الطفيف في التكتيكات الثورية والرؤى السياسية لدى بعض فرقاء السياسة والأيديولوجيا، نابعاً من طبيعة علاقات تلك القوى بـالمستعمر البريطاني، قرباً وبعداً.
فثمة نزوع ثوري راديكالي اتخذ مساراً كفاحياً مسلحاً ضد الاستعمار البريطاني منذ بداية ثورة 14 أكتوبر 1963م، جسدته عملياً فصائل العمل الثوري/الكفاحي المنضوية تحت راية (الجبهة القومية) ونهجها القومي اليساري. وآخر محافظاً انتهج مساراً سياسياً تفاوضياً إلى جانب الكفاح المسلح بالطبع، مثلته فصائل العمل الثوري/التفاوضي المنضوية تحت (جبهة التحرير) ونهجها القومي اليميني وفق تصنيفات ومصطلحات تلك الحقبة التاريخية.
هذا التباين في الرؤى والخلفيات السياسية/الأيديولوجية انسحب آلياً على طبيعة المواقف المتباينة التي اتخذتها القوى السياسية تجاه موضوع الاستقلال الوطني، والذي استغلته بريطانيا بدهاء ماكر وظفته سياسياً في مواقفها المتناقضة من قضية إنجاز الاستقلال، حيث راهنت على الوقت وعلى إطالة أمد الصراع والتنافس بين فرقاء العمل السياسي، علاوة على القابلية المتأصلة للتنافس والصراع، التي عبرت عنها حالة الاستقطاب السياسي أثناء النضال الثوري وعقب الاستقلال مباشرة.
إن حدث الاستقلال في ذاته يمثل قيمة تاريخية سامية، تكمن أهميته في كونه فعلاً وطنياً خالصاً ضد استعمار خارجي طاغٍ، وحدثاً تاريخياً مفصلياً في حياة شعبنا اليمني، أسس – بشكل أو بآخر – للمابعد الثوري المتجلي في مشروع الدولة الوطنية الحديثة، التي استوعبت بقدر ما استطاعت مفاهيم أكثر حداثة واحتفاءً بالمدنية كالمواطنة والاستقلال والسيادة وغيرها، أياً كانت نسبيتها، والتي صهرت حتماً كل سلبيات العهد السابق (زمن الاستعمار). بل يكفي هذا الحدث أهميته في أنه وحد الهوية الوطنية في جزء من الوطن، وأذاب كل الجهويات المحلية والنزعات القروية في أكثر من سلطنة ومشيخة تاريخية.
رافق هذا الحدث، بطبيعة الحال، تراشقات سياسية وتجاذبات أيديولوجية تمحورت في: التنظير والتخوين والتكهن لما بعد الاستقلال، وصلت في الغالب حد القطيعة وربما الاقتتال الدموي. فثمة جدالات غلب عليها الطابع العاطفي/الانفعالي أبدتها مختلف ألوان الطيف السياسي/الأيديولوجي، بحيث كرست السلبية، واستحضار نظرية المؤامرة في كل طروحاتها وتوقعاتها، بل والجزم بحدوث المؤامرة وإمكانية التشظي لدى بعض التوقعات. ليس بكون ذلك – في اعتقادها – لامس الهوية/العقيدة وعمل على خلخلتها وربما طمسها وحسب، بل بكونه أيضاً شكل مسألة مصيرية ووجودية حينها (للكينونة والأنا) على كافة الصعد ومختلف المجالات، برغم الاتفاق على ضرورة الاستقلال.
ولأن الموضوع برمته كان ذا طابع احتمالي/اهتزازي، وكونه أيضاً لا يزال حينها يتبدى في راهنيته قبل إنجاز الاستقلال: رغبة سياسية آنية، وطموح إعلامي دعائي لدى البعض أكثر منه استراتيجية وحتمية لا مندوحة منها لدى البعض الآخر، بالتالي فإن القراءات المستقبلية إزاءه والاحتمالية المتوخاة من تحققه تأرجحت بين ثلاث قراءات يمكن إيجازها في الآتي:
– ثمة من يرى في حال ما تحقق الاستقلال ستكون الوثبة والانطلاقة النوعية نحو المواكبة والتطور بشروط إنسانوية/عالمية تتجاوز البدونة والأيديولوجيا السائدة، والتي تشكل عائقاً وعاهة مستدامة تجاه تطور المجتمعات العربية عامة والمجتمع اليمني على وجه التحديد (=الفكر اليساري أنموذجاً). وهذا – في رأينا – ربما كان بعيد المنال.
– وهناك اتجاه محافظ يقرأ الموضوع من مدخلات الهوية/العقيدة وما سيشكل ذلك من خطر وجودي عليها، وله أحجياته المنطقية ومبرراته الموضوعية، وإن غلب على بعض قراءاته النفس الراديكالي أو النزوع الشوفيني (=الفكر اليميني أنموذجاً).
– أما الطرف الثالث أو الاتجاه الثالث الذي تناول موضوع الاستقلال، فإن قراءته تتسم بقدر عالٍ من التوافقية، بحيث يغلب عليها طابع البرجماتية/النفعية والانتقائية/الجزئية التي تحقق شرط النهضة والازدهار مع المحافظة على الهوية والخصوصية، بالتالي لا ضير لديهم من الاندماج مع الغير إذا ما حقق الازدهار، ولا خوف في الوقت نفسه على الهوية/العقيدة إذا كانت محصنة وواعية (=الفكر الليبرالي أنموذجاً).
هذه القراءات التحليلية/الاحتمالية الثلاث لواقع ما بعد الاستقلال، برغم توقعاتها الاحتمالية المتباينة، وطبيعة موقفها من الحدث الناجز، إلى جانب معطيات الواقع المستجدة، تجعلنا نتوقف عند ثلاثة سيناريوهات كانت تعمل في الواقع الموضوعي آنئذ:
– السيناريو الأول: تحقق الاستقلال الناجز بشروط وطنية توافقية لدى جميع الأطراف، وهو ما لم يتحقق.
– السيناريو الثاني: حدوث الاستقلال مع تعذر التوافق واستعصاء الوئام بين مختلف الأطراف السياسية وحصول التشظي والاقتتال، وهو ما كان.
– السيناريو الثالث: الحالة المثالية التي حلم بها الجميع وبشر بها، والتي ظلت حبيسة التنظير التبريري ورهينة التجاذبات والاستقطابات الأيديولوجية الوافدة.
لكن مع هذا وذاك، علينا أن ندرك أن موضوع القضاء والقدر، كونها مشيئة إلهية، بقي حاضراً في الصيرورة التاريخية وخارج سياق الاحتمالية والتكهنات التي طرحها الجميع. من هنا، وبالتأكيد، سيبقى لحدث الاستقلال أثره البالغ في وعي الأمة وعلى واقع اليوم وعلى الصراع الدائر في الساحة الوطنية، إذ مما لا شك فيه أن ثقافته وما تركه في الذاكرة الجمعية الوطنية من قيم ومبادئ وطنية كفيل بإمكانية لملمة المشروع الوطني والتخفيف من حدة الصراع الدائر. لعل أهم القيم السياسية والتاريخية التي يمكن لنا أن نستقيها من هذه الذكرى هي الانتصار للقيم والمبادئ، والتي حتماً تفضي في المحصلة إلى الانتصار النهائي المتوج ببناء الدولة المدنية الحديثة. فضلاً عن قيمة الإصرار والصمود في وجه العواصف والمؤامرات من أي طامع أو انتهازي. وتبقى أهم قيمة يمكن أن نستقيها من هذا الحدث هي قيمة الثبات والجلد على المبادئ، والتي من شأنها تجرم المساومة على السيادة الوطنية أو المتاجرة بقيم الدولة المدنية. تلك المبادئ، في اعتقادي، تظل حية وفاعلة في الوجدان الوطني، يمكن بها استلهام ومعالجة الراهن الممزق، وتجسير الواقع الاستقطابي الذي كرسه واقع الحال وأفرزته العقلية المتعصبة.
على أية حال، يبقى يوم 30 نوفمبر من عام 1967م يوماً خالداً في ذاكرة الشعب اليمني قاطبة، ليس بكونه يوماً وطنياً لذكرى استقلال جنوب الوطن من نير الاستعمار البريطاني البغيض وحسب، بل لأنه بداية تكوين مشروع الدولة الوطنية الحديثة في جنوب اليمن، والتي تجاسرت إيجابياً مع مشروع الدولة الوطنية في شمال اليمن حتى أنجزتا الوحدة اليمنية الخالدة في 22 مايو عام 1990م. وفي خضم هذا التباين لقراءة هذا الحدث التاريخي الهام.. يا ترى هل تحققت نبؤه شاعر اليمن الكبير عبدالله البردوني:
“ومن مستعمر غاز إلى مستعمر وطني”؟
أم أن الدرس مستلهم في واقع الحال..
ربما.. وربما..




