حرب الممرات المائية: تفكيك هيمنة القوة

حرب الممرات المائية: تفكيك هيمنة القوة
- بقلم: د. بكيل محمد الكليبي
الخميس 9 أبريل 2026-
بينت الحرب الأمريكية الإيرانية الأهمية الجيوسياسية للوطن العربي، وممراته المائية الحيوية، التي يمتلكها وتُشكل شريان الاقتصاد العالمي، وأبرزت هذه الحرب الاطماع التي سعت ورائها القوى الأوروبية، مثل بريطانيا وفرنسا، مبكراً للسيطرة على المنطقة العربية واستغلال ثرواتها، وترجمت ذلك على شكل اتفاقيات مثل سايكس بيكو ووعد بلفور، وتقسيم الحدود السياسية لتعزيز الفرقة والتحكم بالمنطقة، وهذا يقود إلى سؤال جوهري: لماذا كل هذا الاهتمام البريطاني الفرنسي في ترسيم خريطة المنطقة؟ وما هي مصلحة البلاد العربية في البقاء مجزئة كفعل استعماري لازال الوطن العربي يعاني منه إلى اليوم.
أن الإجابة تكمن في امتلاك بريطانيا وفرنسا مخططاً استعماري للتفرد بالمنطقة العربية، واستغلال ثرواتها والتحكم بممراتها، في حين السؤال الملح هل كانت هذه القوى الأوروبية قادرة على التدخل في البلاد العربية؟ واستغلال مواردها، إن بقت البلاد العربية كتلة واحدة مستقلة تستغل مواردها، وتستثمر ممراتها المائية الحيوية التي تشكل رئة الاقتصاد العالمي، كما شاهدنا في مضيق هرمز اليوم.
أظهرت حرب الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على إيران أهمية البلاد العربية، كرقعة جيواستراتيجية تتحكم بالممرات المائية الحيوية، كما تُبرز القيمة الفعلية للممرات المائية، التي حاول الغرب مبكراً حرمان المنطقة من استغلال هذا الموقع، كما هو الحال الذي برز بإعلان السيادة الإيرانية على مضيق هرمز، كردة فعل موازية للحرب الأمريكية عليها، فكان هذا الإجراء بمثابة ضربة خطيرة في مسار الإبقاء على ما تبقى من قانون دولي، ينظم عملية المرور البحرية في الممرات المائية الدولية، ومنها مضيق هرمز الذي جعلت منه إيران ورقة رابحة، في صراعها الوجودي مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.
ورغم حجم الهجمة الهائلة على إيران التي حولت الحرب إلى فخ للولايات المتحدة الأمريكية، التي شنت الحرب على إيران دون مسوغ قانوني، أو حتى انسجام ضمني مع القانون الدولي، لتبرير الحرب، فما جدوى تجاهل القانون الدولي هنا، في حين يتم استذكار ردة الفعل الإيرانية تجاه مضيق هرمز، هل الأمر مرتبط فقط ليطبقه الضعيف، لكن في حالة إيران، قامت أكبر قوة في العالم بخرق القانون الدولي بالاعتداء عليها، وبما أن المجال مفتوح لخرق القوانين الدولية، فمن حق إيران استخدام هذا الباب لصالحها لتحقيق مستوى كبير من التوازن والتحكم بمجريات المعركة مع الولايات المتحدة الأمريكية، من خلال إعلان إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة العالمية، وإعلان السيادة عليه.
وهذا الفعل الإيراني يصنف اعتداء على القانون الدولي الذي ينظم الملاحة في الممرات المائية، لا يختلف في إجراءاته ومضمونه عن اختراق الولايات المتحدة الأمريكية، للقانون الدولي، بشن الحرب على إيران، بعيدا عن شرعية الأمم المتحدة، المخولة باتخاذ هذا الأمر، ومع ذلك يظل الاجراء الإيراني، كردة فعل لا كانتهاك كما هو حال الجانب الأمريكي للقانون الدولي، فإغلاق مضيق هرمز، من قبل إيران جاء كردة فعل موازية في قوتها وتأثيرها، لرفع كلفة الحرب لدى الجانب الأمريكي واستنزافه، من جهة، ومن جهة أخرى، جعل الاعتداء على إيران مشكلة تهم العالم، وتأثر على مصالحه الاقتصادية.
وهنا يمكن القول أن هرمز، كان أهم ورقة رابحة نجحت إيران، في استغلالها أمام جبروت القوة والغطرسة الأمريكية، التي حاولت إظهار عدمية تأثير هذه الورقة في مجريات الحرب، لكن التلكؤ الأمريكي، وتخبط التصريحات لرئيس ترامب، أكدت أهمية هذه الورقة وفاعليتها في التأثير على الحرب، لاسيما مع زيادة الضغوط السياسية على الجانب الأمريكي، الذي سبب هذه المشكلة بل وخلقها، إذ تعالت الأصوات المعارضة للحرب والتي اتهمت الجانب الأمريكي صرحتاً بالتسبب فيها، باعتبار أن مضيق هرمز كان مفتوحاً أمام الملاحة الدولية، ولم يكن هناك أي يد تذكر لإيران عليه، كونه ممر دولي عام، تنطبق عليه شروط قانون الملاحة الدولي في ممرات العالم، قبل أن تجر الولايات المتحدة الأمريكية المنطقة إلى حرب، لا يمتلك أي طرف التكهن بنهايتها بعيداً عن عيون الدبلوماسيين.



