جدل العلمانية والدولة الدينية: قراءة في مسار الحكم في التاريخ الإسلامي

جدل العلمانية والدولة الدينية: قراءة في مسار الحكم في التاريخ الإسلامي
- حسن الدولة
28فبراير 2026-
لا تزال مسألة الدولة في الإسلام من أكثر القضايا إثارة للجدل في الفكر العربي المعاصر، إذ تتقاطع فيها النصوص الدينية مع وقائع التاريخ، ويتداخل فيها المثال العقدي مع التجربة السياسية. والسؤال الذي يتكرر بإلحاح: هل نظام الحكم في الإسلام شأن تعبدي ثابت، أم أنه اجتهاد بشري خاضع لسنن الاجتماع وقوانين السياسة؟
عند تأمل التجربة التاريخية، يتبين أن ما يُعرف بالخلافة الراشدة لم يدم سوى ثلاثة عقود تقريبًا، وهي المدة التي أشار إليها الحديث المنسوب إلى النبي عليه الصلاة والسلام: (خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يكون الملك). وقد فهم جمهور العلماء أن المقصود بها المرحلة الممتدة من خلافة أبي بكر إلى خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، بينما اعتبر بعضهم عمر بن عبد العزيز نموذجا راشدا من حيث العدل لا من حيث التسلسل الزمني. غير أن التحول الكبير بدأ مع الدولة الأموية، حيث انتقل الحكم من الشورى الاختيارية إلى الملك الوراثي، وهو ما وصفه بعض الفقهاء والمؤرخين بالملك العضوض.
المؤرخ الكبير ابن خلدون قدّم في “المقدمة” تفسيرا بالغ الأهمية لهذا التحول، حين ميّز بين الخلافة باعتبارها نيابة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به، وبين الملك العضوض الذي اسمه معاوية واسسه على العصبية والغلبة. ورأى أن الانتقال إلى الملك لم يكن انحرافا عرضيا، بل نتيجة طبيعية لقوانين العمران البشري. بهذا المعنى، لم يكن التاريخ السياسي الإسلامي استثناء من سنن الاجتماع، بل خضع لها مثل سائر تجارب الأمم.
ومع تصاعد الفتن والحروب الأهلية في القرن الأول الهجري، تبلور في الفقه السني خطاب يغلّب الاستقرار على التغيير، ويقدم درء الفتنة على محاسبة الحاكم. وقد رسخت كتب الحديث، مثل صحيح مسلم وصحيح البخاري، جملة من النصوص التي تدعو إلى السمع والطاعة والصبر على جور الولاة ما لم يظهر كفر بواح. وفي كتاب “الأحكام السلطانية” نظّر الماوردي للإمامة بوصفها ضرورة لحفظ النظام العام، واضعا شروطا نظرية صارمة للإمام، لكنه في الوقت نفسه لم يقدم تصورا عمليا واضحا لعزله إذا انحرف، ما جعل مفهوم الطاعة يتقدم على مفهوم المساءلة.
غير أن هذا التراث لا يحسم بالضرورة أن شكل الدولة ذاته جزء من العقيدة. ففي مطلع القرن العشرين أثار علي عبد الرازق جدلًا واسعا بكتابه الإسلام وأصول الحكم، حين ذهب إلى أن الإسلام رسالة دينية أخلاقية، وأن نظام الحكم الذي نشأ بعد النبي كان اجتهادا سياسيا بشريا لا نصا ملزما. ورغم ما أثاره الكتاب من ردود حادة، فإنه فتح بابا مهما للتفريق بين قداسة الدين ونسبية السياسة.
الواقع أن النصوص التي تتحدث عن مراحل الحكم من خلافة إلى ملك، سواء أخذنا بها جميعا أم ناقشنا أسانيد بعضها، تعكس وعيًا مبكرا بأن السلطة تخضع لقوانين القوة والعصبية والمصالح. وإذا كان مسار التاريخ قد انتقل من المثال الراشد إلى الملك السياسي، فإن ذلك يعزز فكرة أن الحكم شأن دنيوي يتأثر بالواقع أكثر مما يتحدد بالمثال.
في هذا السياق يبرز مفهوم الدولة المدنية أو العلمانية بوصفه إطارا تنظيميا يهدف إلى تحييد السلطة السياسية عن احتكار التأويل الديني، لا إلى محاربة الدين ذاته. فالدولة في هذا التصور جهاز إداري ينظم شؤون الناس وعلاقاتهم، وليست كيانا مكلّفا دينيا يُثاب أو يُعاقب في الآخرة. وهي، من حيث المبدأ، لا تتدخل في معتقدات الأفراد بل تضمن حرية التدين والمساواة أمام القانون. وتجارب دول ذات أغلبية مسلمة، مثل تركيا في مرحلتها الجمهورية أو ماليزيا في نموذجها التعددي، تشير إلى إمكان التعايش بين الهوية الدينية والإطار المدني للدولة.
اللافت أن مقاصد الشريعة، كما بلورها أبو إسحاق الشاطبي، تدور حول حفظ الضرورات الخمس: الدين والنفس والعقل والنسل والمال. وهذه المقاصد يمكن أن تتحقق عبر صيغ سياسية متعددة، ما دام معيارها هو العدل وصون الكرامة الإنسانية. فالقرآن نفسه يقرر قاعدة جامعة: “إن الله يأمر بالعدل والإحسان”. وإذا كان الفقهاء قد قرروا أن تصرف الإمام منوط بالمصلحة، فإن أي نظام يحقق المصلحة العامة ويدرأ المفاسد يظل منسجمًا مع روح الشريعة، حتى لو لم يحمل وصف “الدولة الدينية”.
إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في اسم الدولة بقدر ما يكمن في طبيعتها: هل هي سلطة تخضع للمساءلة وتكفل الحقوق المتساوية، أم سلطة تستمد شرعيتها من تأويل ديني مغلق يمنحها حصانة فوق النقد؟ التاريخ، الإسلامي وغيره، يُظهر أن تسييس المقدس كثيرًا ما يؤدي إلى احتكار الحقيقة وإقصاء المختلف، بينما يتيح الفصل بين المجالين مساحة أوسع للتعدد والحرية.
من هنا، فإن الجدل بين الدولة الدينية والعلمانية لا ينبغي أن يُختزل في ثنائية الإيمان والكفر، بل في سؤال أعمق: أي نظام أقدر على تحقيق العدل وصيانة الإنسان؟ وإذا كان مسار التاريخ الإسلامي ذاته قد شهد انتقالا من الخلافة المثالية إلى الملك السياسي بفعل ضرورات الواقع، فربما يكون من المنطقي النظر إلى الدولة الحديثة بوصفها تطورا آخر في مسار السياسة، لا خروجا على الدين. ويبقى الحكم في النهاية بميزان القيم التي يجسدها النظام على الأرض، لا بالشعارات التي يرفعها.
اقرأ أيضا: عراقتشي: السيد خامنئي والقيادات السياسية والعسكري بخير وردنا هو دفاع النفس




