جار الله عمر: قراءة في تجربته السياسية والحزبية من خلال كتاب “الصراع على السلطة والثروة في اليمن”

جار الله عمر: قراءة في تجربته السياسية والحزبية من خلال كتاب “الصراع على السلطة والثروة في اليمن”
د. رياض الصفواني
السبت 11 أبريل 2026-
ستتناول هذه القراءة محورين رئيسيين:
١ – نبذة تعريفية عن جار الله عمر . ٢ – عرض لأهم ما حواه كتاب مذكرات جار الله عمر عن الصراع على السلطة والثروة في اليمن.
أولاً: نبذة تعريفية
هو جار الله محمد مسعد عمر الكُهالي. ولد في قرية الكهال بمديرية النادرة في محافظة إب، عام ١٩٤٢م.
تلقى تعليمه الأولي في كُتَّاب القرية والمدرسة الشمسية بذمار ثم المدرسة العلمية بصنعاء. وعُرف بنشاطه السياسي وميوله اليسارية منذ وقت مبكر. وقد شارك في التظاهرات الطلابية التي سبقت قيام ثورة ٢٦ سبتمبر ١٩٦٢م بصنعاء، ثم في التظاهرات المؤيدة للثورة بعد قيامها، وانخرط في الدفاع عن صنعاء أثناء حصار السبعين. وكان قبل ذلك قد التحق بكلية الشرطة عام ١٩٦٣م وعُين عضواً في هيئة التدريس بالكلية. وقبلها بسنتين التحق بصفوف حركة القوميين العرب.
يعد جار الله عمر من مؤسسي الحزب الديمقراطي الثوري اليمني، الاسم السابق للحزب الاشتراكي الحالي، وشغل عضوية اللجنة المركزية للحزب في عام ١٩٦٨م في عدن. اعتُقل لمدة ثلاث سنوات إثر أحداث أغسطس الدامية التي شهدتها العاصمة صنعاء عام ١٩٦٨م. وبعد خروجه من المعتقل غادر إلى عدن عام ١٩٧١م.
انتُخب عضواً في المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الثوري اليمني عام ١٩٧٢م. ويُعد من مؤسسي الحزب الاشتراكي اليمني في مؤتمره التأسيسي ١٤ أكتوبر ١٩٧٨م. ومهندس فكرة اللقاء المشترك.
شغل منصب عضو في المكتب السياسي للحزب الاشتراكي، وكان مسؤولاً أول عن نشاط الحزب في الشطر الشمالي آنذاك تحت مسمى حزب الوحدة الشعبية اليمني. وكان من قياديي الجبهة الوطنية الديمقراطية ١٩٧٥ – ١٩٩٠م.
دعا جار الله إلى تبني تجربة التعددية السياسية والحزبية في الشطر الجنوبي سابقاً. وبعد قيام دولة الوحدة ١٩٩٠م عُين عضواً في المجلس الاستشاري. وعضواً في المكتب السياسي للحزب الاشتراكي وسكرتير الدائرة السياسية والعلاقات الخارجية للحزب عام ١٩٩٠م.
تولى وزارة الثقافة والسياحة عام ١٩٩٣م. ويعد من المساهمين الأساسيين في صياغة وثيقة العهد والاتفاق عام ١٩٩٤م، وأحد الموقعين عليها في عمَّان.
وقد ساهم في إعادة بناء الحزب الاشتراكي اليمني بعد حرب صيف ١٩٩٤م من خلال موقعه كعضو في المكتب السياسي ومسؤولاً عن الدائرة السياسية للحزب. وانتُخب أميناً عاماً مساعداً للحزب في دورته الثانية عام ٢٠٠٠م.
اغتيل جار الله في ٢٨ ديسمبر ٢٠٠٢م في العاصمة صنعاء.
ثانياً: أهم ما حواه كتاب “الصراع على السلطة والثروة في اليمن”
الكتاب عبارة عن سلسلة من المقابلات أجرتها الأكاديمية الأمريكية “ليزا ودين” مع جار الله عمر بين عامي ١٩٩٩ – ٢٠٠٢م. حررها وقدمها فواز طرابلسي.
يمكن وصف الكتاب أنه وثيقة تاريخية، تعرض لتجربة جار الله عمر السياسية والأيديولوجية والحزبية بقدر كبير من الإحاطة والجرأة والصراحة، وهو ما يكسبه قيمة غير عادية مقارنة بمذكرات عديدة غلب عليها الشخصنة والأنا الفردية في صناعة الأحداث المعاصرة. ويكتسب الكتاب أهميته من الدور الذي اضطلع به جار الله عمر بوصفه شخصية مخضرمة ذات وزن وثِقَل، عاشت حقبتين تاريخيتين مختلفتين، وشهدت نظامين سياسيين متناقضين سياسياً وأيديولوجياً، ثم نظام دولة الوحدة والتعددية السياسية والحزبية.
الكتاب من ناحية أخرى يوثِّق لثورة ٢٦ سبتمبر ١٩٦٢م والحرب بين الجمهوريين والملكيين، والصراع داخل الصف الجمهوري، وصراع أجنحة الحكم في الجنوب. كما يوثق لتجربة الجبهة الوطنية في شمال اليمن، التي تشكلت بصورة سرية بدعم من النظام في الجنوب، لمعارضة النظام في الشمال، ومحاولة إسقاطه منذ مطلع السبعينيات وحتى نهاية الثمانينيات، ويُذكر في ثنايا الكتاب كيف تعامل نظام صنعاء مع قيادات وأعضاء الجبهة الذين وصفهم بالمخربين بالبطش والقمع والاعتقالات وحصار القرى في المناطق الوسطى من اليمن.
وبشيء من المقارنة بين هذا الكتاب وبعض المذكرات المهمة التي وقفتُ عليها مثل: كتاب خمسون عاماً في الرمال المتحركة لمحسن العيني، ومذكرات الرئيس عبدالرحمن الإرياني، وأحمد محمد نعمان، وعبدالرحمن البيضاني، وجدتُ بعض الاختلاف عن تلك المذكرات، فبين ثنايا السطور نقرأ مراجعة نقدية لتجربة جار الله عمر السياسية والحزبية، وتقييم لتجربة السلطة والمعارضة في الشمال والجنوب، ثم تجربة السلطة والتعددية الحزبية في دولة الوحدة، كما نقرأ رصداً لأخطاء وتجاوزات كل الأطراف السياسية والحزبية، وموقف جار الله عمر الناقد لتلك الأخطاء والتجاوزات ومحاولاته تقديم الحلول والمعالجات، عن طريق التفاوض بين السلطة والمعارضة، بدلاً من اللجوء إلى العنف، الذي قاد إلى انقلاب ٥ نوفمبر ١٩٦٧م، وما أفرزه من مآسي أفضت إلى أحداث ٢٣ و ٢٤ أغسطس ١٩٦٨م الدامية، التي وصفها بأنها “مأساة جمهورية تدل على أن العنف عندما يسود المجتمع يتحول إلى قانون يستخدمه طرف ضد طرف، ثم يستخدمه الطرف ضد بعضه”، وقبلها الاعدامات التي تمت عقب الثورة مباشرة لشخصيات في النظام الملكي، واصفاً تلك الممارسات بأنها “من أخطاء الثورات التي تجرف في طريقها كل شيء!”.
كذلك انتقد أخطاء المصريين في اليمن مع إشادته – في الوقت نفسه – بدعمهم للثورة والنظام الجمهوري. ولم يغفل الإشارة إلى البعدين الجغرافي والمذهبي، ودورهما في تأجيج الصراع السياسي والاقتتال بين أعضاء الصف الجمهوري من القوى التقليدية (قوى ٥ نوفمبر ٦٧م) والقوى الجديدة (الشهيد عبدالرقيب عبدالوهاب وزملائه من الضباط العسكريين الذين نهضوا بدور أساسي في فك حصار السبعين والدفاع عن صنعاء)، واختتم بالقول إن المصالحة كانت هي الخيار الأفضل في حل الصراع بين بقايا الملكيين والثوار الجمهوريين، فالعنف لا يقود إلا إلى العنف.
ثم تحدث جار الله عن أزمة الرفاق في الجنوب وصراعهم على السلطة، بدءًا بالخلاف بين الرئيس سالم ربيِّع علي (سالمين) وعبدالفتاح إسماعيل وصولاً إلى تصفية سالمين، استغلالاً لواقعة اغتيال الرئيس إبراهيم الحمدي في ١١ أكتوبر ١٩٧٧م، والذي وصفه بأنه رجل دولة، حاول تطبيق النظام والقانون، ودخل في خلاف مع القوى التقليدية والمشيخية، ومع النظام السعودي، وتقارب مع النظام في الجنوب، ثم واقعة مقتل الغشمي ثأراً لمقتل الحمدي، مبدياً أسفه الشديد لانحدار الأمور إلى ذلك المنزلق الخطير، والذي تسبب في حالة من الأسى والندم لاحقاً بين خصوم سالمين وغيرهم من الرفاق، وأعضاء الجبهة الوطنية من الشماليين والجنوبيين. مشيرا إلى ما كان يكنه من إعتزاز وتقدير وإعجاب بكل من سالمين الذي وصفه بأنه رجل دولة شجاع، وصاحب قرار، ولديه كاريزما وشعبية جماهيرية طاغية، وعبدالفتاح إسماعيل الذي كان سياسياً واقعياً ومثقفاً كبيراً .
وتطرق إلى انقلاب الناصريين عام ١٩٧٨م، وحرب ٧٢ ، ١٩٧٩م بين الشمال والجنوب، ولقاء الكويت ٧٢م وطرابلس ٧٩م، والخطوات الأولية لوضع لبنات الوحدة.
ثم تحدث بإسهاب عن أحداث ١٣ يناير ١٩٨٦م، وذكر أن د. علي محمد زيد كتب إليه رسالة من باريس عبَّر فيها عن احتجاجه وأسفه لما حدث، وقال إن تلك الأحداث قد أوصلت التجربة الاشتراكية والتجربة اليسارية في عدن إلى نهايتها. ولأن العاطفة ولغة المنتصر الذي لا يستطيع أن يرى بوضوح ما الذي سيأتي بعد لحظة الانتصار وفق تعبيره، فقد دافع جار الله يومها عن تجربة نظام ما بعد يناير ٨٦م بحماس، وقال إنها انتصرت وستنتصر في المستقبل، وأن الطرف المنتصر غير مسؤول عما حدث، وقال إنه بمرور الوقت بدأ أعضاء الحزب يدركون الآثار العميقة للحرب، التي أدت إلى إضعاف الحزب، وأن الناس أخذوا يبتعدون عنه، ويقر أن الجميع مسؤولون عن الحرب.
وفي مقارنته بين حرب يناير ٨٦ وحرب ١٩٩٤م يذكر جار الله أنها حروب داخلية على السلطة، جرت تحت شعارات كبيرة ومقدسة (من أجل الثورة، والجمهورية، والوحدة والديمقراطية)، ثم يصل إلى حقيقة مفادها أن المنتصر فيها مهزوم وإن توهم غير ذلك. وبيَّن موقفه من حرب ٩٤م بأنه كان يرفض الحرب والانفصال معاً، وأن موقفه هذا عرّضَه لتهمة التخوين من قبل رفاقه في الحزب وفي السلطة أيضاً.
وقد سجّل مفارقة عجيبة في سياق مطالبة رفاقه من قادة وأعضاء التنظيمات القومية واليسارية له بتأييد النظام في الجنوب ومعارضة النظام في الشمال، وقال “كيف يمكن لشخص ان يؤيد حكم الحزب الواحد في جنوب اليمن بل وأن يشارك في قيادته، وهو في الوقت نفسه يعارض سياسياً حكم الحزب الواحد في شمال اليمن ويسعى عسكرياً لإسقاطه”.
وأكد في أكثر من موضع في المذكرات أن العنف كان المتصدر للمشهد السياسي في اليمن شمالاً وجنوباً، وأنه لم يكن هناك طريق لتبادل السلطة سلمياً، وأن الديمقراطية هي الحل لمشاكل اليمن وأزماته السياسية.
ختامًا، يعد كتاب مذكرات جار الله عمر وثيقة تاريخية مهمة، تسلط الضوء على تعقيدات الصراع السياسي في اليمن، وتقدم رؤى نقدية حول تجربة اليمن السياسية والاجتماعية. إنها شهادة قيمة من شخصية وطنية عاشت لحظات فارقة في تاريخ اليمن، وتقدم دروسًا وعبرًا للمستقبل.
اقرأ أيضا: الشهيد جار الله عمر في مذكراته.. وفي ذاكرتي (١-٣)



