كتابات فكرية

تهذيب السلوك

تهذيب السلوك

  • أمين الجبر

الاحد 22 فبراير 2026-

الاهداء: إلى الباحث النبيه فارس الكليبي

على الرغم من الأهمية السيكولوجية العميقة للخطاب الوعظي في تهذيب السلوك الديني، وإشباع الوجدان العقدي، وتوفير قدر من الطمأنينة الوجودية، إلا أنه يظل، في حدوده الوظيفية، قاصرا عن الاستجابة إلى الكل الإنساني. فالإنسان ليس كائنا روحيا صرفا، ولا ذاتا عقدية معلقة في الفراغ؛ إنه بنية مركبة تتداخل فيها الحاجات البيولوجية مع الضرورات المادية، وتتفاعل فيها المتطلبات الاجتماعية مع الرهانات السياسية والثقافية. ومن ثم فإن اختزال مشروع البناء المجتمعي في الوعظ وحده، مهما بلغت قيمته الأخلاقية، هو نوع من التجزيء الذي يفضي إلى اختلال في التوازن البنيوي للشخصية وللمجتمع معا.

إن الاقتصار على الخطاب الوعظي في عمليات الأدلجة والتربية والتعليم، مع إهمال بقية المسارات المعرفية والتنموية، ينتج مع الزمن حالة من الإشباع القسري الذي يتحول إلى ملل متأصل وسأم مزمن. فحين يفرض الوعظ بوصفه الأفق الوحيد للفهم والتفسير، تتعطل ملكة السؤال، ويختزل الوعي في التلقي، ويدفع الفرد – تحت وطأة التكرار والإكراه الرمزي – إلى أحد مسارات ثلاثة: إما تقمص ثقافة النفاق حفاظا على الانتماء، أو ممارسة التقية كآلية دفاع نفسي، أو التمرد الصريح الذي قد يصل إلى قطيعة جذرية مع المنظومة بأكملها.

ولعل المفارقة أن الأمة ليست في حاجة إلى مزيد من الخطاب الوعظي بقدر حاجتها إلى خطاب عقلي متنور يعيد ترتيب العلاقة بين الدين والعقل، وبين الإيمان والعمران. فقد ألفت، عبر قرون، صوت الواعظ المكرر، غير أن هذا التراكم الكمي لم يفض إلى تراكم نوعي في شروط النهضة، بل أسهم – في كثير من الأحيان – في تكريس حالة من التخدير الرمزي والتيه الحضاري، حيث يستعاض عن الفعل التاريخي بالخطاب، وعن الإنجاز المؤسسي بالتذكير الأخلاقي.

إن الحاجة الملحة اليوم هي إلى مشروع تنويري شامل، لا يقتصر على المجال الديني، بل يمتد إلى البنية الاجتماعية والسياسية والثقافية، مشروع يعيد الاعتبار للعقل النقدي، ويؤسس لثقافة السؤال، ويحرر الوعي من التبعية للجاهز والمكرر. غير أن هذا الطرح يفتح سؤالا مركزيا تتباين حوله أولويات النخب وأصحاب القرار: ما القاعدة الأمتن للتطور المجتمعي؟ أهي الثقافة أم الإدارة؟ هل نحن بإزاء أزمة وعي ومنظومة قيم، أم أمام أزمة تسيير وحوكمة؟

إذا نظرنا إلى المسألة من زاوية أولى، أمكن القول إن الإدارة ليست إلا تجليا عمليا لثقافة سائدة؛ فالمؤسسات لا تعمل في فراغ، بل تتحرك ضمن منظومة ذهنية تحدد مفهوم المسؤولية، ومعنى الواجب، وحدود الشفافية، وأفق المصلحة العامة. وبهذا المعنى فإن أي خلل في البنية الثقافية سينعكس، بالضرورة، في صورة اختلال إداري، لأن الفساد، أو اللامبالاة، أو العجز، ليست مجرد أعطاب تقنية، بل هي أعراض لاختلال أعمق في النسق القيمي والمعرفي.

غير أن المقاربة المقابلة ترى أن ثقافة حية قد تظل معطلة إن لم تجد إدارة رشيدة تحول الأفكار إلى سياسات، والقيم إلى قوانين، والطموحات إلى خطط تنفيذية. فالإدارة ليست تفصيلا إجرائيا، بل هي العقل العملي الذي ينقل المجتمع من مستوى التنظير إلى مستوى الإنجاز. ومن دونها تبقى الثقافة في كثير من الأحيان وعيا معلقا بلا أثر تاريخي.

وعليه، فإن اختزال الأزمة في أحد البعدين وحده يفضي إلى قراءة ناقصة. فالتطور المجتمعي عملية مركبة، تتأسس على ثقافة عقلانية توجه، وإدارة كفؤة تنفذ. غير أن الأولوية المرحلية قد تميل – في سياقات يغلب عليها الجمود الذهني – إلى إصلاح البنية الثقافية، لأنها الإطار المرجعي الذي يفرز أنماط الإدارة ذاتها.

أما المفاضلة بين الخطاب الوعظي والخطاب التنويري، فليست في جوهرها دعوة إلى إلغاء الأول، بل إلى تحريره من الانغلاق، وإدماجه في أفق أوسع يعترف بتعدد وظائف الخطاب داخل المجتمع. فالوعظ يضبط الضمير، لكن التنوير يحرر العقل؛ والضمير بلا عقل قد ينزلق إلى الامتثال الأعمى، كما أن العقل بلا ضمير قد يتحول إلى براغماتية باردة. والمجتمع المتوازن هو الذي يوفق بين القيم الأخلاقية الحية، والعقل النقدي المنتج، والإدارة الرشيدة الفاعلة.

إن التحدي الحقيقي ليس في اختيار عنصر وإقصاء آخر، بل في إعادة هندسة العلاقة بين هذه العناصر ضمن رؤية حضارية شاملة، تجعل من الإنسان – بكل أبعاده – محورا للتنمية، ومن العقل أداة للتحرير، ومن الإدارة وسيلة للإنجاز، ومن القيم إطارا موجها لا قيدا معطلا.

اقرأ أيضا للكاتب: الدراما.. ذاكرة الانقسام وصوت ما لا يُقال

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى