اليمن والقرن الافريقي: جذور الروابط وتكامل الجيوسياسيا

اليمن والقرن الافريقي: جذور الروابط وتكامل الجيوسياسيا
- أمين الجبر
الخميس 26 فبراير 2026-
تعود جذور العلاقة بين اليمن ومنطقة القرن الافريقي الى ازمنة سحيقة تسبق التاريخ المدون، حيث تشير بعض الطروحات الجيولوجية والانثروبولوجية الى ان ضفتي البحر الاحمر كانتا في مراحل جيولوجية بعيدة جزءا من كتلة ارضية متصلة قبل تشكل الاخدود الافريقي العظيم وانفتاح البحر الاحمر. وفي هذا السياق برزت مملكة اكسوم بوصفها واحدة من اهم الكيانات الحضارية التي جسدت التفاعل العميق بين جنوب الجزيرة العربية والهضبة الحبشية، الى الحد الذي دفع بعض الباحثين الى التساؤل حول طبيعة مركزها الحضاري، اهو افريقي خالص ام امتداد حضاري متداخل مع جنوب الجزيرة العربية.
هذه الوحدة الجيبوليتيكية الافتراضية اسهمت في تشكيل فضاء حضاري متقارب السمات، ظل أثره ممتدا في البنية الاثنية والثقافية لسكان الضفتين عبر العصور.
وقد شكل الموقع الجغرافي لليمن عاملا حاسما في تكريس هذا الترابط، اذ يقع عند نقطة التقاء البحر الاحمر بخليج عدن ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الرابط بين المحيط الهندي والبحر المتوسط. هذا الموقع لم يمنح اليمن أهمية استراتيجية فحسب، بل جعله ايضا وسيطا حضاريا وتجاريا بين الجزيرة العربية وشرق افريقيا، ومركزا لتدفق السلع والافكار والبشر.
ومنذ الألف الاول قبل الميلاد لم يكن البحر الاحمر حاجزا جغرافيا بقدر ما كان مجالا للتواصل والتفاعل. فقد مارست مملكة سبأ نفوذا واسعا على طرق تجارة البخور واللبان برا وبحرا، واعتمدت على شبكة من الموانئ لتنظيم الحركة التجارية نحو السواحل الافريقية، مستفيدة من خبرتها الملاحية وموقعها الوسيط ضمن شبكة التجارة العالمية القديمة. وفي المقابل استوردت من القرن الافريقي سلعا استراتيجية كالعاج والذهب والمنتجات الحيوانية، في إطار تبادل تجاري متكافئ اسهم في تعزيز الاعتماد المتبادل بين الضفتين.
ولم يقتصر التفاعل على الجانب الاقتصادي، بل امتد الى المجال الثقافي والحضاري، حيث تكشف الشواهد الأثرية واللغوية عن تأثيرات متبادلة في أنماط العمارة والتنظيمات الاجتماعية والرموز الدينية. كما يظهر التأثير اللغوي بوضوح في العلاقة بين اللغات العربية الجنوبية القديمة واللغات السامية الاثيوبية، سواء في البنية المعجمية او في نظم الكتابة، بما يعكس عمق التداخل الحضاري وتراكمه عبر القرون.
كما لعبت الهجرات المتبادلة دورا مهما في تشكيل مجتمعات ساحلية ذات طابع تعددي يقوم على الانفتاح والتفاعل البحري. وقد تعزز هذا الترابط بصورة أعمق مع ظهور الإسلام، حين شكلت الهجرة الى الحبشة أول جسر روحي بين الجانبين في التاريخ الاسلامي، وتبعها دور بارز للتجار والعلماء اليمنيين في نشر الإسلام في مناطق واسعة من القرن الافريقي عبر التبادل السلمي لا الفتح العسكري. وأسهمت لاحقا الطرق الصوفية وشبكات العلماء في ترسيخ روابط دينية وثقافية ما تزال آثارها حاضرة في الممارسات الاجتماعية والطقوس الدينية، ومنها التشابه في بعض العادات الرمضانية والتقاليد الروحية على ضفتي البحر الاحمر.
وفي العصر الحديث استمر هذا الترابط ضمن أطر سياسية وجيوسياسية جديدة، حيث انعكست التحولات الايديولوجية والاقليمية على طبيعة العلاقة بين الجانبين. فقد نشأت علاقات وثيقة بين النظام الاشتراكي في اثيوبيا وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في سياق اصطفافات الحرب الباردة، كما تأثرت العلاقات بمواقف اليمن من استقلال اريتريا، وبالصراعات الاقليمية مثل ازمة جزر حنيش، فضلا عن تداعيات الحرب الاهلية في الصومال وما رافقها من موجات نزوح وتداخل امني واقتصادي. هذه الوقائع تؤكد ان الجغرافيا السياسية للبحر الاحمر تفرض ترابطا عضويا بين أمن اليمن واستقرار القرن الافريقي.
وفي ظل التحولات الجيوسياسية المعاصرة والتنافس الدولي المتزايد على الموانئ والممرات البحرية في جنوب البحر الاحمر، تبرز اهمية اعادة تفعيل هذا الإرث التاريخي ضمن رؤية تكاملية حديثة تقوم على تطوير الموانئ وتعزيز التبادل التجاري وتوسيع التعاون الأكاديمي والثقافي وبناء شراكات اقتصادية مستدامة. فالتكامل بين اليمن ودول القرن الافريقي لم يعد مجرد امتداد لماض مشترك، بل أصبح ضرورة استراتيجية لضمان أمن الملاحة الدولية وتعزيز الاستقرار الإقليمي وخلق فضاء تنموي مشترك يستند الى وحدة التاريخ وحقائق الجغرافيا.



