كتابات فكرية

الصراع السعودي الإماراتي في اليمن: من يعيد تشكيل الإقليم؟

 الصراع السعودي الإماراتي في اليمن: من يعيد تشكيل الإقليم؟

  • نجيب العصار

  الأربعاء 28 يناير 2026-

دخل الخلاف بين السعودية والإمارات مرحلة جديدة، بعد تصعيد عسكري وإعلامي متبادل في اليمن، أعاد طرح تساؤلات حول مستقبل التحالف بين البلدين اللذين كانا حليفين رئيسين في الحرب على اليمن منذ العام 2015.

وفي هذا السياق، قال مارك لينش، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة جورج واشنطن، مدير مشروع العلوم السياسية “للشرق الأوسط: ” إن اليمن يبدو أحد أبرز ساحات هذا الصراع، لكنها ليست سببه الوحيد، بل جزءًا من مشهد إقليمي أكثر تعقيدًا.

مؤكدًا في مقال له بعنوان: ” الخلاف السعودي – الإماراتي أكثر من مجرد قضية اليمن”، أن الخلافات والتوترات بين السعودية والإمارات لم تعد مجرد خلاف داخلي، بل أصبحت تعبر عن صراع نفوذ إقليمي يتقاطع مع “إسرائيل” والولايات المتحدة، ويؤثر في اليمن وليبيا والسودان والبحر الأحمر، مع مخاطر إشعال حروب إقليمية أوسع.

وذكر أن التنافس الذي طال أمده بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة- الذي تفجر في جنوب اليمن خلال الأسابيع الأخيرة- أدى إلى تحول دراماتيكي في ميزان القوى الإقليمي، وبات يهدد بزعزعة استقرار دول هشة أخرى تخضع لنفوذ البلدين.

وفي منتصف شهر ديسمبر/ كانون الأول، شنت السعودية هجومًا مضادًا واسعًا، أعاد السيطرة على تلك المناطق، في تطور رجّح مراقبون أن يؤدي إلى تقليص أو إنهاء الوجود الإماراتي المباشر في اليمن.

وأوضح مدير مشروع العلوم السياسية “للشرق الأوسط”، في المقال الذي خص به مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية، ونشر نهاية الأسبوع الماضي أن قصف السعودية للمكلا قد يكون “شرارة لانفجار إقليمي”، وفق تعبيره، وأن ما وصفه “بالانقسام السعودي الإماراتي” يهدد بخلخلة التحالفات في شبه الجزيرة العربية، ويدفع اليمن مجددًا نحو الهاوية، إذ يُستخدم فيها الانفصاليون ورقة جيوسياسية لخدمة طموحات إقليمية متصادمة.

وأشار إلى أن العلاقات السعودية–الإماراتية خلال العقد الماضي شكّلت أحد أعمدة النظام الإقليمي العربي، لا سيما منذ عام 2011، خلال “الانتفاضات العربية”؛ إذ تقاطع الطرفان في مواقف مشتركة تجاه قضايا إقليمية محورية، من بينها مواجهة تداعيات الانتفاضات العربية، والتدخل العسكري في اليمن، وفرض الحصار على قطر عام 2017.

غير أن هذا التقاطع وفق الكاتب لم يكن قائمًا على تطابق كامل في الرؤى، بل على تلاقٍ مؤقت للمصالح، ومع مرور الوقت، بدأت تظهر مؤشرات تباين متزايد في الأولويات الاستراتيجية، انعكس في طريقة إدارة ملفات إقليمية متعددة، أبرزها اليمن، ليبيا، السودان، والعلاقة مع القوى الدولية.

ويستعرض كاتب المقال مظاهر الانقسام المتزايد بين السعودية والإمارات في عدد من الساحات الإقليمية، ففي السودان، دعمت السعودية ومصر الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان، في حين اتُهمت الإمارات بدعم قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو.

قتال سعودي على «النفوذ»

وفي ليبيا، دعمت الإمارات ومصر الجنرال خليفة حفتر، إلا أن المسار العسكري هناك انتهى- بحسب مارك لينش- إلى حرب أهلية طويلة الأمد من دون حسم، أما في اليمن فالسعودية على رغم فشلها في إزاحة أنصار الله، أبقت تركيزها على المسار السياسي والأمني العام، في حين عملت الإمارات بهدوء على ترسيخ نفوذها في عدد من الموانئ والجزر الاستراتيجية، من بينها عدن وسقطرى، في إطار استراتيجية أوسع للسيطرة على خطوط الملاحة في البحر الأحمر.

ويؤكد مارك لينش، أن الخلاف بين الرياض وأبو ظبي لم يعد مجرد تباين في التكتيكات داخل الحرب اليمنية، بل بات تعبيرًا عن صراع مشاريع إقليمية متناقضة، تفجّر على وقع التحولات التي فرضتها حرب غزة وإعادة التموضع الإسرائيلي في المنطقة.

فبينما تخوض السعودية مواجهة معقدة للحفاظ على نفوذها الإقليمي ومنع انفجار الجبهات المحيطة بها، مضت الإمارات في بناء تحالفات أمنية وسياسية تتجاوز الإجماع العربي التقليدي، خصوصًا بعد توقيع اتفاقيات إبراهام مع إسرائيل عام 2020.

في اليمن، ظهر هذا التناقض بوضوح؛ إذ دعمت أبو ظبي قوى محلية ومشاريع انفصالية، في وقت تسعى فيه الرياض إلى إعادة إنتاج سلطة مركزية حليفة لها على الأرض في المحافظات الجنوبية والشرقية من اليمن.

غير أن هذا المسار- بحسب مارك لينش- انهار بشكل كبير بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، والحرب التي تلته على قطاع غزة؛ فقد أثار الدمار الواسع في غزة موجة غضب غير مسبوقة في الشارع العربي، وأعاد تشكيل الحسابات السياسية، ولا سيما في السعودية، التي باتت أكثر حذرًا في ملف التطبيع.

وفي المقابل، حافظت الإمارات على علاقاتها مع “إسرائيل”، انطلاقًا من قناعتها بجدوى التحالف الوثيق مع تل أبيب وواشنطن، أما السعودية- التي تواجه اعتبارات داخلية وإقليمية أكثر تعقيدًا- فقد عادت إلى التأكيد على ربط أي تطبيع بمسار واضح لإقامة دولة فلسطينية، وهو ما جعلها- بحسب رأي كاتب المقال- بعيدة عن أي مبادرات تقودها أبو ظبي في هذا الاتجاه.

ومع تصاعد الحرب الإعلامية بين الرياض وأبو ظبي، يؤكد مارك ليشن، أن مسار الأحداث أبعد من اليمن، وقد تمتد إلى السودان وليبيا والبحر الأحمر.

وأضاف: “لم تعد اليمن ساحة صراع محلية أو ملفًا أمنيًا معزولًا، بل أصبحت مؤشرًا كاشفًا لتحولات أعمق في النظام الإقليمي، ويبدو أن الخلاف السعودي الإماراتي – وإن تفجّر في اليمن- يرتبط بجملة رهانات استراتيجية تتعلق بمستقبل النفوذ، وشكل التحالفات، وحدود الدور الإقليمي لكل طرف في مرحلة تتسم بقدر عالٍ من السيولة وعدم اليقين”.

ولكنه يرى أن هذا الشرخ بين الملكيتين النفطيتين بدأ يلقي بظلاله إلى ما وراء الحدود اليمنية؛ إذ تعمل السعودية- التي أثار قلقها ما تراه تحركات عسكرية وسياسية هجومية من جارتها الأصغر مساحة- على التصدي لشبكة النفوذ العميقة التي أمضت أبو ظبي سنوات في بنائها في القرن الإفريقي وحول البحر الأحمر، في إشارة إلى سيطرتها على عدد من الموانئ والجزر اليمنية، أهمها عدن وجزيرة سقطرى.

محذرًا من أن تعمّق الانقسام بين السعودية والإمارات قد يدفع دول المنطقة إلى الاصطفاف القسري، بما ينذر بمزيد من عدم الاستقرار واحتمال اتساع رقعة الصراعات، لا سيما في مناطق القرن الإفريقي والبحر الأحمر، في ظل غموض الموقف الأميركي تجاه التحولات الجارية.

ولفت إلى أن التحركات السعودية الأخيرة- بما فيها التنسيق المتزايد مع مصر- تعكس سعي الرياض إلى إعادة التوازن في ملفات إقليمية تشمل ليبيا والسودان والبحر الأحمر.

وختم مارك لينش، بأن اليمن لم يعد مجرد ملف ضمن الخلاف السعودي–الإماراتي، بل أصبح أحد تعبيراته البنيوية، مبينًا أن ما يجري ليس تفكك تحالف بسبب اليمن، بل تفكك رؤية استراتيجية مشتركة، ظهرت اليمن أوضح ساحاتها، وفي هذا السياق، يتحول الصراع من سؤال: “من يسيطر على الأرض”؟ إلى سؤال أعمق: “من يعيد تشكيل الإقليم”؟

المصدر: مركز أفاق اليمن للأبحاث والدراسات

اقرأ أيضا: باحثون يمنيون وصوماليون: الاعتراف الصهيوني بأرض الصومال تهديد وجودي لأمن اليمن والقرن الأفريقي

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى