التعاطي مع الشأن السياسي

التعاطي مع الشأن السياسي
- أمين الجبر
الاثنين 9 فبراير 2026-
عندما كنت يافعا وفي مقتبل العمر، تحديدا في مرحلة التعليم الإعدادي، بدأت أولى تفتقاتي الذهنية عن السياسة وما أدراك ما السياسة، كما تشكلت إرهاصاتي الفكرية المبكرة، بل ومقدمات تكويني الثقافي/ السياسي العام، حيث الوالد رحمه الله كان قد تعاطى مع السياسة منذ وقت مبكر، وأنغمس في الحزبية بكل كيانه وجل أوقاته في وقت كانت محرمة وشبه منعدمة، الا بشكل سري وبعيدا عن أعين السلطة، وهو الأمر الذي انعكس على جل ثقافة الأسرة وأنا واحدا منهم.
حينها كنت اعتقد أن معارضة الوالد قد أحرمته الشيء الكثير من الامتيازات، وأن المعارضين لسلطة الحاكم يشكلون كتلة اجتماعية/سياسية متجانسة واحدة لها خصوصيتها واستقلاليتها المفروضة بفعل العداء السياسي المستحكم بينها وبين السلطة الحاكمة حينذاك، وأنه ليس لأعضائها حق المواطنة في قاموس الحاكم، طالما وهم معارضين لسياسته، ناهيك عن الحقوق السياسية الأخرى التي يحق للحاكم مصادرتها وفق ما ترسخ في وعيي، وربما وعي الكثير آنذاك.
في المقابل كنت أظن أن الحاكم له مطلق الحرية في فعل ما يريد، وكامل الشرعية في قتل ونفي من يشاء من المواطنين، لاسيما من المعارضين له، وخلت حينها أن الجهاز الوظيفي للدولة، بما فيهم السلك العسكري، يشكلون مع رئيس الدولة كيان واحد متجانس ومتكامل، وان شخوصه أفراد مؤتلفين ومنسجمين في هم واحد ورؤية واحدة وفي كثير من الأمور.
هذه العقلية البريئة، اكتشفت تاليا أنها ليست حصرا علي وحدي وحسب، إنما شاركني في فهما الكثير من المواطنين البسطاء، بل أنها صارت ثقافة سياسية / اجتماعية تشاركية عامة، حتى لدى بعض الرموز النخبوية الإنتهازية، حيث الانتماء الحزبي المغاير لما هو معتاد لحزب السلطة يعد في قاموس الكثير من المواطنين خروجا فاضحا على طاعة الحاكم، يوجب زجره، إن لم يكن تمردا شاذا عن سلطته، يحتم وأده.
وهو ما كرسته واقعا السلط المتعاقبة على حكم اليمن، وبثته في وعي المواطن على مدى طويل من الزمن، إذ تعاملت مع المشاريع الخدمية بطريقة غير صحيحة، وقدمتها للمواطن كنوع من الهبات الموسمية، والدعاية الانتخابية لمن ضمنت ولاؤه ليس غير، وهو ما ثبت في وعي المواطن العادي وتعامل معه كثابتة ومسلمة تجلب المصلحة والمنعة.
وعلى هذا الأساس تحدد مفهوم المواطن البسيط للحزبية، وتعاطى مع مقتضياتها، بل ونظر إليها مجرد جلب المصالح ورضى الحاكم، ودرأ المفاسد والمشاكل، وليست في قاموسه حالة انتماء وتنظيم حياة وفقا للقناعة والرؤية.
بيد أن الذهنية السياسية تفتقت لدي شيئا فشيئا بفعل التقدم في المرحلة التعليمية وارتفاع مستوى الثقافة السياسية، وعند ممارستي الفعلية للحزبية بعد تحقيق الوحدة اليمنية والسماح للتعددية الحزبية، فضلا عن التحاقي بالتعليم العالي، أدركت أن سلطة الحاكم محددة، وان التعدد الحزبي العلني شرط من شروط الوحدة ، وان من حق أي مواطن يمني حرية الانتماء والعضوية في أي حزب منصوص عليه في الدستور..
وعلى الرغم من ذلك ظلت الثقافة السياسية لكثير من اليمنيين تتعامل مع الحزبية، وتتعاطى مع الشأن السياسي العام، بعقلية مستريبة، وبنوع من الاهتجاس واللاقناعة، حيث الأغلب ينقاد بلاوعي للحزب الحاكم، أيا كان طيفه، طمعا في مغنم، أو تحاشي تهميش، وينصاع بلا إدراك، لأوامره، أيا كان توجهه، إما تقية فكر، أو خشية أذى..
فيا ترى متى سننضج سياسيا، ونكتمل مدنيا، حتى نتعاطى مع التعددية الحزبية بقناعة، ونمارسها بديمقراطية حقيقية، متى نؤمن بحق الاختلاف في الرأي لننعم من ثم بثقافة السلم والتعايش..
اقرأ أيضا:يحيى العرشي ومطالبته للسعودية أن تعمل بوصية الملك عبدالعزيز



