أول بعثة مدرسين إلى صعدة عام 1970- (خطوة في طريق التنوير)

أول بعثة مدرسين إلى صعدة عام 1970- (خطوة في طريق التنوير)
- حسن الدولة
الاثنين 6 أبريل 2026
في مطلع سبعينيات القرن الماضي، كانت محافظة صعدة تعيش عزلة تعليمية طويلة، إذ ظلت محرومة من التعليم النظامي منذ قيام الثورة، معتمدة فقط على الكتاتيب التقليدية. هناك، كان التلاميذ يجتمعون في غرفة واحدة، يشرف عليهم معلم واحد يلقنهم مبادئ الخط والإملاء، والحساب الذي لا يتجاوز الجمع والطرح والقسمة.
وبعد المصالحة الوطنية بين الملكيين والجمهوريين، ورحيل المدرسين المصريين الذين كانوا يسهمون في دعم العملية التعليمية، وجدت الدولة نفسها أمام تحد كبير لسد الفراغ التعليمي. وعلى إثر ذلك، أصدرت وزارة التربية قرارا يقضي بإلزام خريجي الثانوية العامة بأداء خدمة التدريس لمدة عام.
غير أن هذا القرار واجه صعوبة في التنفيذ حيث كان كل الطلاب يختارون البقاء في العاصمة ومديريات محافظات المحافظات القريبة من العاصمة صنعاء، ويتهربون من المناطق النائية، وقد التقينا خمسة من الخريجين وهم: محمد إسماعيل الأرحبي، محمد محمد عبدالله الشامي، علي أحمد زيارة، وصالح القعطبي المعروف بـ”العدني”، إضافة إلى كاتب هذه السطور، واتفقنا ان نختار اكثر محافظة نائية وكانت حينذاك محافظة صعدة، بروح وطنية عالية على قررنا ان نخوض التجربة والتوجه إلى محافظة صعدة.
تصادف أن كان قائد لواء صعدة آنذاك أحد الضباط الأحرار الذين شاركوا في ملاحقة فلول الملكية عقب ثورة عام 1962، وقد تمكن، برفقة نحو 200 جندي فقط من الحرس الوطني، من بسط السيطرة على محافظة صعدة. ومن بين أولئك الجنود كان الصديق حاتم أبو حاتم، الذي أصبح لاحقا لواءً. وبعد المصالحة، ولذلك عُين هذا القائد قائدا عسكريا للواء صعدة.
وبناء على نصيحة أحد موظفي وزارة التربية والتعليم ، توجه أفراد البعثة لمقابلة هذا القائد البطل الذي كانت سمعته كبيرة في صفوف الشباب وعرضنا عليه رغبتنا، وكنت انا معروفا لديه بحكم صلة القرابة – حيث كان شقيقه الاكبر زوجا لابنة خالي – فرحت بالفكرة وشجعنا وقام باستلام كتب التعليم الأساسي لمديريات المحافظة، وسافرنا إلى صعدة وهناك التقينا بمدير عام مكتب التربية والتعليم الأستاذ عبد الرب ساري، والذي نسق لنا مقابلة مع محافظ صعدة بعد المصالحة وهو العلامة عبداللاه الصعدي – والد الأستاذ حسن الصعدي وزير التعليم الحالي – جانب محافظ والذي وجه بتوفير كافة التسهيلات وبخاصة توفير وسائل نقل للتنقل بين مديريات المحافظة:(البَقْع، الحَشْوَة، الظَّاهِر، الصَّفْراء، غَمْر، حَيْدان، كَتاف والبَقْع، مَجْز، مُنَبِّه، قَطابِر، رازِح، صَعْدَة، سَحار، ساقَيْن، شَدا، دَماج).
وبدأت البعثة عملها الميداني في تقييم مستوى الطلاب، وكانت المهمة تتطلب اختبار التلاميذ، وتصنيفهم إلى مستويات تعليمية مناسبة، ثم توزيعهم على فصول دراسية. وقد كشفت هذه الجهود عن تفاوت كبير في مستويات التعليم؛ ففي مدينة صعدة، وصل بعض الطلاب إلى مستوى الصف الخامس الابتدائي، بينما لم يتجاوز التعليم في مناطق أخرى مستويين أو ثلاثة على الأكثر.
إلى جانب ذلك، قامت البعثة بتزويد المعلمين المحليين بالكتب الدراسية، رغم محدودية الكميات المتوفرة، حيث لم تكن تكفي جميع الطلاب، مما اضطر المعلمين إلى كتابة الدروس على السبورة.
مثّلت هذه التجربة واحدة من أبرز المحطات في حياة أفراد البعثة، إذ لم تكن مجرد مهمة تعليمية، بل كانت إسهامًا فعليًا في بناء نواة التعليم النظامي في منطقة ظلت لعقود خارج نطاقه.
وفي ختام مهمتنا استقر أفراد البعثة في مدينة صعدة، حيث أقاموا في إحدى الغرف المخصصة لطلبة العلم في جامع الهادي، ذلك المعلم الديني الذي كان يحتضن طلاب علوم الشريعة والقرآن، والذين كانوا يتلقون تعليمهم على أيدي علماء الدين في المحافظة.
لقد شكلت هذه البعثة بداية حقيقية لانتشار التعليم النظامي في صعدة، وتجسيدًا حيًا لروح المسؤولية الوطنية لدى جيل آمن بأن التعليم هو الأساس في بناء الأوطان.
وفيما يلي صورة التقطت لنا فوق احد الطقوم التي خصصت كوسيلة تنقل مديريات محافظة صعدى ويظهر صورة لأول بعثة مدرسين تؤدي خدمة التدريس الإجباري بعد الثانوية العامة في محافظة صعدة وذلك عام 1970م ويظهر من اليمين المرحوم صالح القعطبي المشهور بالعدني ثم المرحوم محمد محمد عبدالله الشامي وتحته يظهر المرحوم الشهيد علي احمد زيارة ثم احد موظفي محافظة صعدة ثم – أنا – والأخير من الشمال بالكوفية الخيزران احد عساكر إدارة امن صعدة، وقد التقطت الصورة بعدسة كاميرا زميلنا الخامس في البعثة الأخ محمد إسماعيل الأرحبي مد الله بعمره.
اقرأ أيضا:القضية الفلسطينية: محطات من الصراع العربي الصهيوني (١ – ٢)





