أهمية الوعي التاريخي في معالجة القضايا العامة: قراءة في التاريخ العربي واليمني

أهمية الوعي التاريخي في معالجة القضايا العامة: قراءة في التاريخ العربي واليمني
- د. رياض الصفواني
السبت 28 مارس 2026-
إن الغوص في أعماق التاريخ، وتفحص صفحاته بمنظور نقدي، يمنحنا مناعة فكرية تجاه التحديات الراهنة، ويتيح لنا التعامل مع الواقع بوعي وحكمة. فالتاريخ ليس مجرد سرد للأحداث، بل هو مفتاح لفهم جذور المشكلات التي نواجهها اليوم.
ففي العالم العربي نجد أن العديد من الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية تعود جذورها إلى قرون مضت. فمنذ انضواء المشرق العربي تحت الحكم العثماني في العقد الثاني من القرن ١٦م، شهدت المنطقة تحولات عميقة على كافة المستويات، تمثلت في خضوع المجتمع العربي للحكم العثماني المركزي، وتأثرت الاقتصادات العربية بالسياسات الاقتصادية العثمانية وازدادت نِسب الضرائب والجمارك وفُرِضت الإتاوات، وتغيرت البنية الاجتماعية والديمغرافية بتأثير الهجرة إلى المدن، فانكمش النشاط الزراعي نسبياً، وتأثرت الثقافة العربية بالثقافة العثمانية حتى ظهَر ما عُرف بحركة بعث وإحياء التراث القومي العربي أواخر القرن ١٩م، وقبلها وفي موازاتها تسيَّدت اللغة العثمانية ثم التركية على اللغات العربية ولغات الطوائف والأقليات والأعراق الأخرى.
فتركت تلك التحولات آثاراً اجتماعية واقتصادية وإدارية لا تزال ترسم ملامحها على حاضرنا، مثل انتشار الفقر والبطالة، وزيادة الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، والنزاعات القبلية والطائفية، والاستيلاء على مساحات من الأراضي الأميرية والأهلية وتوزيعها على كبار النافذين على هيئة إقطاعات، وزيادة فساد البيروقراطية الإدارية والمالية.
إن غياب الوعي التاريخي أفضى إلى معالجات جزئية وترقيعية لمشكلات عميقة الجذور، مما أدى إلى تفاقمها وتجددها في أشكال مختلفة. فالصراعات التي شهدتها اليمن بين مراكز القوى على الحكم خلال الثلاثة قرون المتأخرة أرْخت قبضة الدولة بصفتها كيان سياسي على المجتمع، وفاقمت مشكلات اجتماعية كانت قائمة، فمشكلة الثأر، والنزاعات القبلية، والتقطعات في الطرقات، واتساع الفجوة بين الفئات الاجتماعية، والنظرة الدونية للمهن الحرفية، والاحتكام إلى العنف وتمجيد القوة وازدراء الحلول السلمية، ليست سوى أمثلة على ظواهر سلبية تتطلب فهماً تاريخياً عميقاً لاستئصال جذورها.
إن العديد من قادة المجتمع أو من يمكن أن يطلق عليهم فقهياً “أهل الحل والعقد” لم تكن لهم وقفات جادة وعلى جانب من الحزم والمسؤولية للنظر في القضايا والخلافات الاجتماعية التي كانت تنشأ وتتسع رقعتها فتطفوا على سطح الواقع السائد، مشكّلة عقبات في سبيل استقرار المجتمع ونموه. وجُل ما كانوا يصنعونه لا يتعدى في الغالب معالجات (ترقيعية)، في حين نجد أن جذور تلك القضايا والخلافات ضاربة أطنابها في العمق الاجتماعي اليمني، الأمر الذي يتيح لها إمكانية أن تعود إلى الظهور مجدداً على نحو أو آخر.
ويمكن القول إن العديد من القضايا الإشكالية الماثلة في واقعنا العربي اليوم – وإن بدت مغايرة في الظاهر – تشكل في بعض مضامينها إعادة إنتاج لخلافات وقضايا قديمة لم تُحسم في حينها. أي أن العديد من أحداث واقعنا اليوم ذات جذور منغرسة في الماضي. وبالتالي فإن إيجاد حلول جزئية ومؤقتة لمعالجتها هي أشبه بمخدّر موضعي أو مسكنات سرعان ما ينتهي مفعولها.
وبدون النظر في ماضي تلك القضايا وتتبع أسبابها وظروفها وتعقُّب اتجاهاتها وامتداداتها، فإن أية حلول ستتبلور في هذا الشأن سيعتريها النقص ويشوب جوانب منها القصور والعوَر، ومن ثم ستظل جذور المشكلة قائمة، تنمو جذوعها وتتشكل فروعها وأغصانها على أي كيفية شاءت، وقد تتفاقم أضرارها في المستقبل.
خلاصة القول، إن الغرَض من هذا العرض هو تأكيد حقيقة أن للوعي التاريخي دوراً محورياً فاعلاً في بلورة الحلول والمعالجات للقضايا والخلافات على تشابكها وتعقيداتها، وأن إغفال البعد التاريخي أو تجاهله لن يثمر سوى محاولات للحل قصيرة المدى ومؤقتة، ستفضي إلى ترحيل للمشكلة، وبالتالي احتمالية تفاقمها عند ظهورها، لا اجتثاثها.
اقرأ أيضا: السفير صبري: ثورة 21 سبتمبر والقيادة الحكيمة أسقطت رهانات الوصاية على اليمن



