كتابات فكرية

أحلام الخيلاء

 أحلام الخيلاء

امين الجبر

الأربعاء 21 يناير 2026-

   بين سنِّ الطموح وذروة النضوج، تتشكّل في الإنسان مشاعر باذخة من النرجسية، وأحلام شاطحة من الخيلاء، تستولي عليه في زهرة شبابه؛ فيخوض التجارب بحماس لا يعرف التراجع، ويتعاطى مع مقتضياتها بصرامةٍ مشوبة بطموحٍ مفرط. غير أنّ الواقع الموضوعي، بما يحمله من صدمات واختبارات قاسية، يدفعه لاحقًا إلى كبح كثير من اندفاعه، وتعقيل عدد غير قليل من أحلامه.

وحين تبلغ هذه الرشدية العمرية طورها المتوازن، مصحوبةً بإيمانٍ عميق، وتقوى زاهدة نابعة من وعيٍ ونضج، يغدو الإنسان أكثر قدرة على النظر إلى الشأن السياسي، بكل ما يعتريه من صراعات ومجادلات، بوصفه في جوهره مظهرًا من مظاهر غرورٍ طفولي، ونزوعٍ سلطويٍّ مرتبط بمرحلة عمرية عابرة. كما يبدو التنافس المصالحي، من هذه الزاوية، تعبيرًا عن جبلةٍ غرائزية تتملك الإنسان في عنفوان قوته، وشغفه بالسيطرة وبسط النفوذ.

غير أنّ الالتزام القيمي، والصدق الإيماني، يكسبان الإنسان نورانيةً مؤثرة، وبصيرةً نافذة، يدرك بهما سبيل الرشاد، ويهتدي إلى معاني الخلاص. ومن ثمّ، يزهد في ملذّات الدنيا الواهمة، ويسمو على شهواتها الزائفة، لا ازدراءً للحياة، بل تحررًا من أسرها.

وهكذا ينضج الإنسان رويدًا رويدًا، حتى يدرك أنّ كل ما في الحياة نسبيٌّ ومتغيّر، وأنّ اليقين المطلق ليس سوى وهمٍ مؤقت. ليبلغ في نهاية المطاف مرحلة الاتزان، حيث ينظر إلى الأشياء بعين الحكمة، ويتعامل معها بعقلانيةٍ هادئة، لا تخلو من عمق التجربة ورحابة الفهم.

ولا يعني ذلك، بأي حال من الأحوال، دعوةً إلى التزهيد المخلّ بالحياة وتفاعلاتها، أو انسحابًا سلبيًا من واجب إعمارها والتأثير الإيجابي في مجرياتها، فضلًا عن الإسهام في تراكم حضاراتها وتهذيب ثقافاتها.

إنما هو نداءٌ للتأمل والتعقّل في التعاطي الواعي مع نواميس الحياة وقوانينها، بقصدية التعايش والتكامل والانسجام، إن لم يكن ابتغاءَ تحقيق الخير العام، والخلاص الأبدي للإنسانية، استجابةً لمشيئة الخالق، وإيمانًا راسخًا بذاته.

اقرأ أيضا: الدكتور أمين الجبر يتساءل .. ما الهوية؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى