قراءة في مقال القاضي عبد العزيز البغدادي: تعددت أقنعة جريمة التوريث وتضخمت بشاعاتها

قراءة في مقال القاضي عبد العزيز البغدادي: تعددت أقنعة جريمة التوريث وتضخمت بشاعاتها
- حسن الدولة
الثلاثاء 25 أغسطس 2026-
قرأت باهتمام مقال القاضي عبد العزيز البغدادي الموسوم بـ «تعددت أقنعة جريمة التوريث وتضخمت بشاعاتها»، المنشور في صحيفة الشورى الإلكترونية يوم 24 أغسطس 2026م، وهو مقال يندرج في سياق الدفاع عن الحرية ورفض الاستبداد، ويقف عند واحدة من أخطر الظواهر السياسية التي عرفتها المجتمعات البشرية، وهي نزعة الاستيلاء على السلطة والتمسك بها، ثم السعي إلى تحويلها من وظيفة عامة وتكليف مؤقت إلى ملكية خاصة قابلة للتوريث.
ولا أخالف الكاتب الجليل في جوهر موقفه الأخلاقي والسياسي من الاستبداد والتوريث، بل أجد نفسي متفقاً معه في أن تحويل السلطة إلى إرث عائلي أو سلالي أو جماعي يمثل انتهاكاً لفكرة المواطنة ولحق الناس في اختيار من يحكمهم ومحاسبته وتغييره. غير أنني أرى أن المسألة أعمق من أن تُحمَّل مسؤوليتها لشخوص الحكام وحدهم؛ لأن حب السلطة والرغبة في السيطرة ليستا نزعة خاصة بالملوك والطغاة، وإنما هما إمكانية كامنة في النفس البشرية، قد تظهر بدرجات متفاوتة عند كل إنسان إذا توافرت لها الظروف المناسبة وغابت القيود التي تحد منها.
ولعل أبا الطيب المتنبي قد لخص جانباً من هذه الحقيقة الإنسانية في قوله:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد
ذا عفةٍ فلعلّةٍ لا يظلمُ
ولا ينبغي أن نفهم هذا البيت على أنه حكم مطلق بأن جميع الناس أشرار، بل يمكن قراءته بوصفه تنبيهاً إلى أن الإنسان ليس معصوماً من نزعات القوة والهيمنة، وأن الفضيلة ليست دائماً مجرد ادعاء حسن، وإنما هي أيضاً قدرة على مقاومة الإغراء حين تتوافر أسباب القوة والقدرة على البطش.
وهنا يلتقي الأدب القديم مع علم النفس والاجتماع السياسي. فالإنسان قد لا يعرف حقيقة موقفه من السلطة إلا عندما تصبح السلطة في متناول يده. وقد يكون متواضعاً وهو عاجز، فإذا امتلك القوة تغير سلوكه، لا لأن السلطة خلقت فيه الشر من العدم، بل لأنها كشفت جانباً من شخصيته لم يكن قادراً على إظهاره من قبل.
ومن هنا جاء المثل المصري الشعبي البليغ: ((من فرعنك يا فرعون؟ قال: ما لقيتش حد يوقف قصادي)).
وهذا المثل، في بساطته، يختصر نظرية سياسية واجتماعية عميقة: فالطاغية لا يصنعه الطاغية وحده، وإنما تسهم في صناعته البيئة التي تسمح له بأن يصبح طاغية. إن غياب المؤسسات، وضعف المجتمع، وخوف الناس، وانهيار القانون، وصمت النخب، ونفاق الحاشية، كلها عناصر تدخل في صناعة الفرعون السياسي.
فالاستبداد، من هذه الزاوية، ليس مجرد صفة فردية، بل علاقة اجتماعية وسياسية. الحاكم المستبد يحتاج إلى مؤسسات ضعيفة، وإلى مجتمع غير قادر على المحاسبة، وإلى بطانة تحول إرادته إلى قانون، وإلى إعلام يزين له أخطاءه، وإلى مستشارين يخلطون بين الولاء للوطن والولاء لشخص الحاكم.
ولهذا فإن أخطر ما يواجه السلطة ليس فقط الحاكم الذي يحب البقاء فيها، وإنما البيئة التي تقنعه بأن بقاءه هو بقاء الوطن، وأن رحيله هو انهيار الدولة، وأن معارضيه أعداء، وأن الناصحين له خصوم، وأن كل من لا يصفق له إنما يتآمر عليه.
وفي علم النفس السياسي، هناك ما يمكن أن نسميه بـ إغراء السلطة. فالسلطة لا تمنح صاحبها القدرة على اتخاذ القرار فحسب، بل تمنحه أيضاً شعوراً متزايداً بالأهمية والاستثناء والتفوق. ومع مرور الزمن، وتحت تأثير المديح المستمر، قد تتضخم ((الأنا)) لدى القائد إلى الحد الذي يختلط فيه المشروع الوطني بشخصه، والدولة بإرادته، والشعب بجمهوره، والنقد بالخيانة.
وهذا هو ما كنت قد تناولته في مقال سابق لي بعنوان «الفرق بين القائد العظيم والقائد النرجسي»، حين قلت إن النرجسية تنمو في داخل كل إنسان، وإنها جزء من تعقيد التكوين البشري، لكنها قد تتضخم بصورة خطيرة تحت تأثير الأضواء التي تسلط على من يتولون القيادة والرئاسة. فالمشكلة لا تبدأ دائماً من وجود «أنا»، إذ لا حياة للإنسان بلا ذات وشعور بالهوية، وإنما تبدأ عندما تتحول الـ«أنا» إلى مركز الكون، وعندما يصبح القائد عاجزاً عن التمييز بين مصلحته الشخصية ومصلحة المجتمع.
إن القائد العظيم يراقب نفسه، أما القائد النرجسي فيطلب من الآخرين أن يراقبوا إعجابهم به. الأول يستطيع أن يسمع النقد، والثاني لا يسمع إلا التصفيق. الأول يعرف متى يتراجع، والثاني يعتبر التراجع هزيمة لذاته. الأول يدرك أن بقاءه ليس شرطاً لبقاء الوطن، بينما يتوهم الثاني أن رحيله نهاية التاريخ.
ولعل ما يفسر ذلك في علم الاجتماع هو أن السلطة لا تعمل في فراغ. فالحاكم، مهما كانت قوته، يعيش داخل شبكة من العلاقات والرموز والمصالح. وإذا كانت هذه الشبكة قائمة على النقد والمساءلة فإنها تحد من نزعاته، أما إذا قامت على النفاق والخوف والمصلحة فإنها تضخم أسوأ ما فيه.
ولهذا فإن الجلاوزة والمحيطين بالحاكم ليسوا مجرد شهود على الاستبداد، بل قد يكونون من صانعيه. إنهم الذين يزينون له البقاء، ويصورون له التنحي كارثة، ويحولون قراراته العابرة إلى حكم تاريخي، ويجعلون من كل إنجاز عادي معجزة، ومن كل خطأ صواباً، ومن كل معارض خائناً.
وهنا أتذكر حادثة شخصية لا تزال عالقة في ذاكرتي منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، حين كنت أعمل في مدينة تعز، وبعد أن سمح للرئيس القاضي عبد الرحمن الإرياني بالعودة إلى اليمن. كنت ضمن مسؤولي المحافظة الذين قاموا بزيارته في منزله، وكان من بين الحضور القاضي أحمد صبرة، رحمه الله.
وخلال الحديث، سأل القاضي أحمد صبرة الرئيس الإرياني سؤالاً مهماً، فقال له، بما معناه: لقد عاصرتم عدداً من الحكام، من الإمام يحيى وحتى السلال، فكيف كنتم تتعاملون مع المنافقين الذين يزينون للحاكم حب السلطة؟
وكان جواب القاضي الإرياني، رحمه الله، عميقاً وصريحاً إلى حد كبير، إذ قال: في بداية الحكم كنت أرفض مقابلتهم، وبعد فترة صرت أميل إليهم، وفي آخر سنة من سنوات حكمي كنت أعتبر من لا ينافقني فهو ضدي.
هذه الشهادة، إن صحت العبارة، تفتح لنا نافذة واسعة لفهم نفسية السلطة. فالرجل لا يولد بالضرورة محباً للنفاق، ولكنه قد يعتاد عليه. في البداية يستثقله، ثم يتسامح معه، ثم يألفه، ثم يحتاج إليه، ثم يصل إلى مرحلة يعتبر فيها غيابه عداءً.
وهذه إحدى أخطر مراحل تحول السلطة إلى استبداد.
إن علم النفس يبين لنا أن الإنسان يميل إلى المعلومات التي تؤكد ما يعتقده عن نفسه، ويتجنب، أو يشعر بالضيق من، المعلومات التي تهدد صورته الذاتية. وإذا كان هذا يحدث في الحياة العادية، فإن خطورته تتضاعف في الحياة السياسية؛ لأن الحاكم يستطيع أن يعاقب الناقد ويكافئ المادح. ومع تكرار هذه العملية يبدأ المحيطون به في ممارسة نوع من الرقابة الذاتية، فلا يعود الحاكم بحاجة إلى إسكات الجميع؛ إذ يتعلم الجميع مسبقاً ما يريد سماعه.
وهكذا تنشأ دائرة مغلقة: الحاكم يحب المديح، والحاشية تقدم المديح، والحاكم يكافئ المادحين، فيزداد عددهم، ويبتعد الناصحون، فيظن الحاكم أن إجماع المصفقين هو إجماع الشعب.
ومن هنا تبدأ النرجسية السياسية بالتحول إلى مشروع للبقاء الأبدي، ويبدأ التفكير في التوريث باعتباره أمراً «طبيعياً»؛ لأن الحاكم الذي لم يعد يرى الدولة إلا من خلال نفسه قد يرى أبناءه امتداداً طبيعياً له، وكأن السلطة أصبحت جزءاً من ممتلكاته الشخصية.
وهنا لا بد من التمييز بين وجود النزعة وبين تحولها إلى نظام. فقد يرغب أي رئيس في البقاء في الحكم، وقد يحب النجاح والسلطة والتأثير، وهذه مشاعر إنسانية معروفة. لكن الديمقراطية لا تفترض أن الحكام ملائكة، وإنما تبني نظاماً يمنع البشر العاديين، بفضائلهم ونقائصهم، من تحويل رغباتهم الشخصية إلى مصير للشعوب.
وهذه هي العبقرية الحقيقية للدساتير والمؤسسات.
فالرئيس في الدول الديمقراطية قد يرغب في الاستمرار في الحكم أكثر مما يسمح به الدستور، وقد يفكر في توسيع نفوذه، وقد تستهويه فكرة البقاء، لكن هناك دستوراً وقضاءً وبرلماناً وإعلاماً ورأياً عاماً وانتخابات ومجتمعاً مدنياً يقف أمامه. إن الحاكم لا يصبح ديمقراطياً بالضرورة لأنه أقل حباً للسلطة من غيره، وإنما لأن النظام الديمقراطي يجعله يعرف أن هناك حدوداً لا يستطيع تجاوزها.
ولهذا، فإن المشكلة ليست في افتراض أن الحكام في الديمقراطيات الغربية ملائكة وأن حكامنا شياطين؛ فالطبيعة البشرية واحدة، ولكن الفرق في قوة المؤسسات وفي قدرة المجتمع على منع نزعة التسلط من التحول إلى استبداد دائم.
وقد شهد التاريخ نماذج عديدة لحكام حاولوا تمديد سلطاتهم أو تجاوز القيود المفروضة عليهم، لكن قوة النظام والمؤسسات حالت دون ذلك. فالمعيار الحقيقي لصحة النظام ليس أن يكون الحاكم صالحاً دائماً، بل أن تكون الدولة قادرة على حماية نفسها من الحاكم إذا أساء استخدام السلطة.
ولهذا فإنني أرى أن أهم ما ينبغي أن نستخلصه من مقال القاضي عبد العزيز البغدادي هو أن مواجهة التوريث لا تبدأ فقط بإدانة المورث والوارث، بل تبدأ ببناء منظومة سياسية واجتماعية تجعل التوريث نفسه مستحيلاً أو بالغ الصعوبة.
إننا بحاجة إلى مجتمع لا يقول للحاكم: ابق لأنك الأفضل، بل يقول له: ابق ما دمت ملتزماً بالقانون، وارحل عندما تنتهي ولايتك.
وبحاجة إلى مؤسسات لا تسأل: من هو ابن الحاكم؟ ومن هي أسرته؟ بل تسأل: ما هي كفاءته؟ وما هو حقه القانوني؟ وما هي إرادة المواطنين؟
وبحاجة إلى إعلام لا يحول الرئيس إلى نصف إله، ولا المعارضة إلى نصف شيطان، بل يمارس وظيفته في كشف الحقيقة ومراقبة السلطة.
كما أننا بحاجة إلى ثقافة سياسية تتخلص من وهم ((الرجل الضرورة)). فما أكثر ما دخل المستبدون إلى التاريخ من باب الضرورة، وما أكثر ما حاولوا البقاء فيه إلى الأبد باسم إنقاذ الوطن!
إن الديمقراطية، في جوهرها، ليست مجرد صندوق انتخابي، بل هي ثقافة عدم الثقة المطلقة في الإنسان عندما يمتلك سلطة مطلقة. وهي اعتراف بأن الإنسان، مهما كان صالحاً، قد يتغير إذا طال به المقام في السلطة، ولذلك يحتاج المجتمع إلى قواعد تحدد مدة الحكم، وإلى مؤسسات تراقب، وإلى قضاء مستقل يحاسب، وإلى شعب يمتلك حق قول “لا”.
ولهذا فإن تداول السلطة ليس مجرد إجراء سياسي، بل هو علاج نفسي واجتماعي ضد تضخم الأنا السياسية. فمعرفة الحاكم منذ اليوم الأول أن هناك يوماً محدداً سيغادر فيه السلطة تجعله أكثر إدراكاً للطبيعة المؤقتة لموقعه، وتذكره بأن الكرسي ليس ملكاً له، وأن الدولة ليست مزرعة خاصة، وأن الشعب ليس قطيعاً، وأن المستقبل لا يرثه الأبناء عن الآباء.
إن جريمة التوريث لا تبدأ في اللحظة التي يُعيَّن فيها الابن أو القريب وريثاً للسلطة، بل تبدأ قبل ذلك بكثير: تبدأ عندما يتحول الحاكم إلى رمز فوق النقد، وعندما تتحول الدولة إلى شخص، وعندما يصبح الولاء للوطن ولاءً للحاكم، وعندما يصبح القانون تابعاً لإرادته.
ومن هنا فإن الوقاية من الاستبداد أهم من انتظار لحظة انفجاره.
أوافق القاضي عبد العزيز البغدادي في رفضه لكل أقنعة التوريث، وأضيف أن هذه الأقنعة لن تسقط بمجرد فضح الحاكم أو إدانة الأسرة الحاكمة، وإنما تسقط عندما تتغير البيئة التي تنتج الحاكم المتسلط وتغذي أوهامه. فالمستبد يجد نفسه قوياً عندما يكون المجتمع ضعيفاً، ويجد نفسه أبدياً عندما تكون المؤسسات مؤقتة، ويجد نفسه فوق القانون عندما يكون القانون خاضعاً له.
ولذلك فإن المعركة الحقيقية من أجل الحرية ليست معركة ضد شخص واحد، بل معركة ضد ثقافة الفرعنة، وضد النفاق السياسي، وضد تأليه القادة، وضد الخوف من النقد، وضد تحويل السلطة إلى غنيمة.
إن حب السلطة نزعة بشرية، والاستثناء من عصمهم الله أو من امتلكوا من الوعي الأخلاقي والرقابة المؤسسية ما يجعلهم قادرين على مقاومة إغراءاتها. أما الشعوب الحرة فلا تراهن على عصمة الحكام، بل تبني من المؤسسات والقوانين ما يمنع الحاكم من التحول إلى فرعون.
فليس السؤال، في النهاية: هل سيحب الحاكم السلطة؟ فالأرجح أنه سيحبها.
السؤال الأهم هو: هل يوجد شعب ومؤسسات وقانون قادرون على أن يقولوا له، عندما يتجاوز حدوده: إلى هنا، وعليك أن ترحل؟
هنا فقط تكمن الحماية الحقيقية من جريمة التوريث، ومن كل الأقنعة الجديدة التي قد يرتديها الاستبداد القديم.




