لماذا اتفقت مختلف الأديان على الصيام؟

لماذا اتفقت مختلف الأديان على الصيام؟
الخميس 19 فبراير 2026-
بمعدة خاوية وعينين تترقبان عقارب الساعة، يختبر الصائم لحظات تبدو وكأن الزمن قد توقف، والشمس تأبى أن تغيب. مشهد يومي يتكرر في حياة الملايين، لكنه يخفي وراءه أسرارًا علمية وصحية مذهلة.
الصيام ليس طقس ديني؛ بل هو ممارسة عابرة للثقافات والديانات، فالهندوس يصومون في أيام محددة من منتصف النهار حتى الغروب، والمسيحيون يمتنعون عن أصناف معينة من الطعام، واليهود يمارسون صيامًا كاملًا، بينما المسلمون يلتزمون بصيام شهر رمضان من الفجر حتى الغروب، هذا التنوع يثير سؤالًا جوهريًا: لماذا اتفقت الديانات على الصيام رغم اختلاف تفاصيله؟
العلم يجيب: عند الامتناع عن الطعام لسبع أو ثماني ساعات يدخل الجسم في “وضع الصيام”، فيستهلك مخزون الجلوكوز أولًا، ثم يبدأ بتحويل الدهون إلى طاقة، مطلقًا مواد كيميائية سامة يطرحها عبر الكبد والجلد والرئتين. النتيجة؟ تنقية الدورة الدموية، رفع مستويات الأندورفين، وزيادة اللياقة البدنية والذهنية.
الأبحاث الحديثة تكشف أن الصيام المنتظم يضعف الخلايا السرطانية ويجعل العلاج الكيميائي أكثر فاعلية، كما أنه يساعد على إنقاص الوزن بسرعة أكبر من الحميات التقليدية، ويمنح الجهاز المناعي فرصة لإعادة ترميم نفسه.
إذن، الصيام ليس حرمانًا فقط من الاكل، بل هو “إعادة ضبط المصنع” للجسد والعقل، كما لو أن الخالق أراد لنا شهرًا نعيد فيه التوازن الجسمي والعقلي والروحي بعد عام من الانغماس في الطعام والشراب واللهو وما إلى ذلك.
لذا نرى ان مختلف الديانات اتفقت على الصيام رغم اختلاف تفاصيله وطقوسه، لأن الفكرة الجوهرية واحدة، هي التزهد، تهذيب النفس، والتقرب إلى الله.
في الإسلام، الصيام عبادة مفروضة لتزكية الروح وضبط الشهوات، كما ورد في قوله تعالى: “كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” (البقرة: 183).
في المسيحية، يُمارس الصيام ككفارة عن الذنوب أو استعدادًا للأعياد الدينية الكبرى.
في اليهودية، يُعتبر الصيام وسيلة للتوبة والتقرب من الله، مثل صيام يوم الغفران.
في البوذية والهندوسية، يُنظر للصيام كوسيلة للتأمل، التحرر من الملذات الجسدية، والتركيز على الروح.
العامل المشترك بين هذه الديانات هو أن الصيام يمثل تجربة روحية وصحية، تهدف إلى تقليص الانشغال بالجسد والتركيز على ما هو أساسي: العبادة، التأمل، والتطهر الداخلي. الباحثون في الحوار بين الأديان يرون أن الصيام يعكس حاجة الإنسان إلى “إعادة ترتيب حياته” والعودة إلى البساطة والجوهر.
بعبارة أخرى: الصيام هو لغة مشتركة بين الأديان، تختلف في تفاصيلها لكنها تتفق في معناها العميق: السمو الروحي والانضباط الذاتي.




