يوميات البحث عن الحرية .. عولمة الحروب الشريرة تحكم العالم
يوميات البحث عن الحرية .. عولمة الحروب الشريرة تحكم العالم
- عبد العزيز البغدادي
الاثنين 14 سبتمبر 2026-
منذ 11 سبتمبر 2001، دخل العالم نفقاً جديداً من أنفاق الحروب التي يصنعها أشرار هذا العالم متباهين بسفك الدماء بكل جرأة وأريحية، ويزهو الطرف الأكثر فتكاً في كل حرب بحجم الدماء والخسائر التي تكبدها خصمه (الطرف الآخر)، مستدلاً على ذلك بقوة شكيمته وأسطورة بأسه.
إلا أن ما بعد 11 سبتمبر 2001 — الذي صار في كل عام مناسبة رمزية تشعل فيها أسر الضحايا وأحباؤهم الشموع إحياءً لما ظهر من الجريمة الشنعاء، جاهلين أو متجاهلين ما خفي من حقيقة مرتكبي الجريمة وهُويتهم.
وبفعل الإعلام المضلل الجبار الذي استخدمه القاتل الحقيقي في إخفاء معالم هُويته وتدميرها لتذروها رياح النسيان بين رماد البرجين العالميين الشهيرين اللذين استهدفتهما الهجمات، وهما برجا التجارة العالميان الأول والثاني في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية.
وبعد حوالي 26 يوماً من هذه الهجمات، انطلقت الإدارة الأمريكية لغزو أفغانستان؛ لتدشن بذلك حسب تصريحات رئيسها جورج دبليو بوش النارية ما أسماه “الحرب على الإرهاب”، واصفاً الجريمة المتلفزة الهوليوودية بأنها أكبر من جريمة إرهاب، وأنها حسب قوله: “جريمة حرب”.
ومن التصريحات الواعية التي استفزت أصحابها خطاباتُ بوش الممهدة لما بعدها، تصريحاتُ بعض من أدركوا على الفور ألاعيب إدارة الولايات المتحدة انطلاقاً من فهمهم ومعرفتهم لجرائمها في العالم. ومن هذه التصريحات ما قاله المناضل الجنوب إفريقي الراحل نيلسون مانديلا الذي تساءل بما مضمونه: «أليس من الضرورة المنطقية أن نُعَرِّف الإرهاب المقصود أولاً والإرهابيين الذين تتحفز الإدارة الأمريكية للانقضاض عليهم؟ ومن أعطاها الحق في تنصيب نفسها خصماً وحكماً على العالم؟!»
هذه التساؤلات تنطلق من حقيقة مثبتة من السلوك الأمريكي في حربها المسماة “الحرب على الإرهاب”؛ فهي من حقق، ومن قرر توجيه الاتهام، وهي من حكم، بل وبدأ على الفور بتنفيذ حكمه بذاته ممن صنعهم ومولهم — أو بالأصح أمر بعض الأعراب بتمويلهم — في أفغانستان والعراق وسوريا واليمن والسعودية وفي مختلف بقاع العالم التي اجتاحتها موجة الإرهاب المصنَّع، وإنما على الشعوب التي تدفع الثمن منذ تلك الأحداث وحتى اليوم، بل وربما إلى أجل غير مسمى!
وهو ما تضمنته إحدى تصريحات بوش، الذي وصف محلل كوري حركة رأسه وعينيه في السماء خلال إطلاق تلك التصريحات بأنها تشبه حركة الماعز التي تتقزز من ضوء الشمس! ومما قاله بوش عند إطلاق عاصفته ضد أفغانستان ما مضمونه: «اليوم بدأت الحرب على الإرهاب، ولا ندري متى ستنتهي».
وبذلك أطلقت الولايات المتحدة الأمريكية يدها في الحرب على العالم باسم “الحرب على الإرهاب”، وبالذات على العالم الإسلامي الذي يتلقى الضربات الأمريكية المقدسة، ولم يتردد الرئيس بوش ومن خلفه في وصفها بـ “الحرب الصليبية الجديدة!”.
هذه الحروب تتجدد بأشكال وسيناريوهات عديدة، لكنها رغم تعددها تبين بكل وضوح — ووفق تصريحات مسؤولين بارزين في الإدارة الأمريكية — بأن الإرهاب صناعتهم، وأن من يهندس لإدارة الحروب الداخلية في البلدان التي تُصنع فيها المنظمات الإرهابية تشرف عليها أجهزة المخابرات الأمريكية، وهي من توجّه بشن الحروب ضد هذه المنظمات المصنَّعة، سواء مباشرة أو بتوكيل بعض هذه المنظمات، ووفق جداول زمنية معلومة لدى المخطط الأمريكي ومجهولة لدى المنفذ!
هذه الدولة الشريرة المارقة تدير أقذر أنواع الحروب بالوكالة، وتحرك أدواتها فتجعل الأخ يقتل أخاه معتقداً أنه يجاهد في سبيل الله!
فهل سأل المسلمون أنفسهم: من يقف خلف كل جماعات الإسلام السياسي الإرهابية بكل ألوانها ومذاهبها وأشكالها وأسمائها ومسمياتها؟ وما الذي يجعلها تستبيح الدماء على هذا النحو من البشاعة؟ أو تلك التي يصنفها صانعوها بأنها إرهابية تارة، ثم يخرجونها من التصنيف ويعيدونها إليه تارة أخرى حسب ما تقتضي سياساتهم التي لا تفرق بين المصالح المشروعة وغير المشروعة وتستحل كل الجرائم لتحقيق أهدافها؟ وما الذي يجعل بأس هذه الجماعات شديداً هناك، وتجنح للسلم هنا لابسة ثوباً جديداً متجدداً في مكان آخر؟!
من يدير الحروب ويستثمر الموت في هذا العالم الذي يعاني من تورم النفاق؟!
وهل من المعقول أن تقف الولايات المتحدة ضد الديمقراطية حيثما تريد وتساندها في المكان الذي تريد، زاعمة في كل الأحوال أنها حامي حمى الديمقراطية في العالم، في الوقت الذي نجدها تحمي وترعى أعتى أنظمة الحكم الملكي الفاسد، وتدعم وتوجه وتمول الكيان الصهيوني في كل جرائمه ودون أدنى تحفظ في فلسطين (وآخر ذلك مجازر حرب الإبادة في غزة والمستمرة حتى اليوم وفي جنوب لبنان)، وتدعم بكل قوة واستمرار الحرب في اليمن والعراق ولبنان؟!
وهل تعجز أمريكا “الديمقراطية جداً” عن معرفة كون الحكم بالقوة والغلبة لا يمكن أن يكون عملاً ديمقراطياً ولا إنسانياً؟ وهل تعوزها القدرة أم الإرادة عن دعم خطط توجيه الأطراف المتصارعة في كل مناطق الصراع — التي تقع غالباً تحت نفوذها — نحو التوجه إلى صناديق الاقتراع بإخلاص وأمانة ومسؤولية تجنبا لاستمرار سفك الدماء طمعا في السلطة؟!
يبدو السؤال محملاً بقدر كبير من السذاجة؛ لأن أمريكا نفسها ببساطة هي ابنة الدماء وحروب الإبادة للهنود الحمر الذين هم السكان الأصليون لـ “أمريكا” هذه التي ننتظر منها أن تتحول ببساطة إلى حمامة للسلام في العالم!
لقد عين رئيسها “الديمقراطي جداً” نفسه رئيساً لمجلس السلام العالمي، وهو من أشرف وما زال على حرب إبادة غزة ومحوها من الوجود ليحولها — كما قال الى عقار جميل قابل للاستثمار، لأنه أحد سماسرة العقارات ومستثمريها! وقد جمع مئات المليارات من الدولارات مكافأة لأبطال الإبادة!.
هذه الدولة التي تصنع الحروب بالوكالة وتغذيها بالأدلجة متعددة الألوان والصور، تنمي الملَكيات والعرقيات بأساليب شيطانية لها ملمس أكثر نعومة من جلود الأفاعي وأشد سُمِّيّة من أشد السموم فتكاً بالإنسان والحياة!
أمريكا هذه تدرك وتعي جيداً أن السلام في العالم لا يتحقق إلا بالتداول السلمي للسلطة لأن السباق على السلطة هو محور أسباب الصراع عليها، ولهذا نراها تغذي وتصنع الحروب والأزمات في العالم بمختلف الأساليب.
لكن وفي مواجهة هذه الهرطقات يهاجمنا سؤال بريء جداً: هل يعقل أن تكون هذه الدولة المارقة ديمقراطية في الداخل وشمولية/ديكتاتورية في الخارج؟!
ماذا بعد ؟!:
قال لي صاحبي بعد موتي الثاني:
مرَّت جحافلهم على جثة الوطن
ليغادر أبطال معسكر موسكو
إلى معسكر واشنطن،
ويتنقل بعضهم من الرياض إلى أبوظبي
ليستقروا في لندن!
يستجرون نضالاتهم التي باتت أثراً بعد عين!
لندن.. أرض الحرية التي تعشق الموت،
تصنع المجاهدين الأحرار في رحم الإرهاب!
فلسفة الموت يا صاحبي تصنع السلام..
هكذا حدثتني الأفاعي،
فهل نراجع صفحات حياتنا
الغارقة في بحر الدماء؟!
سؤال وجهته لنفسي حينما أطلعني صديقي على بعض أشلائنا المتناثرة.
أشلاء قُدمت وليمة
للأرض وللسماء
للكلاب النابحة
والطيور التي تلحن أغاني الحرب
لمن يحرم الغناء
ويعشق الموت
يطعم الأموات لحم بعضهم..
فهنيئاً لمن يرفع راية النصر
الذي يشبه الهزيمة !
اقرأ أيضا للكاتب: يوميات البحث عن الحرية .. مبررات جريمة الحروب واحدة مهما تعددت



