متعة المعرفة في رحاب التاريخ.. مناقشة علمية تستحضر أصداء ثورة 14 أكتوبر

متعة المعرفة في رحاب التاريخ.. مناقشة علمية تستحضر أصداء ثورة 14 أكتوبر
- أمين الجبر

الاحد 11 أكتوبر 2026-
إذا كانت متعة الإنسان تكمن في تحقيق نجاح ما، فإن الأكاديمي لا يستشعر لذته المعرفية الحقيقية إلا حين يعايش أجواء علمية وأكاديمية يلمس خلالها أنه أسهم في إضافة معرفية، أو اقتنص فرصة علمية ثمينة، إن لم يكن قد أنجز مهمة أكاديمية ذات قيمة.
وهو ما تشرفت به اليوم في رحاب جامعة إب، أثناء مشاركتي في مناقشة أطروحة الدكتوراه المقدمة من الباحث محمد عبدالله عماني الجابري، المولود في حضرموت، يمني الهوية والانتماء، والتي تناولت الانتفاضات الشعبية في المحميات الشرقية (حضرموت) إبان حكم السلطنات والاستعمار البريطاني، وذلك بمعية علمين من أعلام التاريخ في كلية الآداب بجامعة إب، هما الأستاذ الدكتور عارف الرعوي، والأستاذ الدكتور علي بركات.
لقد عشنا، خلال تلك المناقشة العلمية، أجواءً مشبعة بزخم حركة التحرر الوطني اليمني بمختلف تعبيراتها، واستحضرنا أصداء الجدل السياسي والحراك الثوري في تلك المرحلة، حتى خُيّل إلينا أننا نشتم رائحة البارود، ونسمع أزيز الرصاص الرافض للنير البريطاني والاستبداد السلاطيني على حد سواء؛ ذلك الحراك الذي مهّد لبزوغ فجر ثورة الرابع عشر من أكتوبر المجيدة، التي غيّرت وجه الواقع اليمني، وأحدثت تحولات عميقة في مسار تاريخه الحديث.
ولعل من أهم ما تستدعيه مثل هذه المناقشات العلمية أن التاريخ ليس مجرد استعادة لأحداث مضت، ولا سرد لوقائع انقضت، وإنما هو استنطاق للماضي، وفهم لشروط التحول، وتأمل في القوى التي صنعت المنعطفات الكبرى في حياة الشعوب. فالحروب والثورات، في نظر كثير من فلاسفة التاريخ، من محركات التحول التاريخي، ومحطات مفصلية قد تؤسس لعصور جديدة، تتباين في بنيتها السياسية والاجتماعية والثقافية عن العصور التي سبقتها.
وقد تجلى ذلك بوضوح في ثورة الرابع عشر من أكتوبر 1963م، التي انطلقت من جبال ردفان، واستمدت زخمها من تفاعل حركة التحرر العربية مع الحركة الوطنية اليمنية، لتخوض مواجهة تاريخية ضد الاستعمار البريطاني، وتفتح الطريق أمام استعادة السيادة الوطنية وتحقيق الاستقلال.
ولم تكن الثورة مجرد مواجهة عسكرية مع قوة استعمارية، بل كانت تعبيراً عن تطلعات وطنية أوسع إلى التحرر من الاستعمار والاستبداد، وتجاوز البنى التقليدية التي كرّست التبعية والتجزئة. وقد اكتسبت مشروعيتها من اتساع الحاضنة الشعبية، ومن التقاء قطاعات واسعة من اليمنيين حول هدف التحرير والاستقلال، وإن تباينت مواقف القوى السياسية والاجتماعية من وسائل النضال، ومن طبيعة النظام الذي ينبغي أن يلي الاستقلال.
لقد آمنت حركة القوميين العرب بالكفاح المسلح خياراً نضالياً، وتبلورت هذه القناعة في سياق التحولات التي شهدتها المنطقة خلال خمسينيات القرن الماضي، قبل أن تتوفر للثورة في الجنوب ظروف أكثر ملاءمة عقب قيام ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962م في شمال اليمن. وفي هذا السياق، جاءت شرارة ردفان، التي ارتبطت بانطلاق الكفاح المسلح بقيادة الشهيد غالب بن راجح لبوزة، لتشكل نقطة تحول في مسار المواجهة مع الاستعمار البريطاني، فيما أسهم النشاط الإعلامي والصحفي والإذاعي في التعريف بالثورة، وتوسيع نطاق التعاطف معها، وتعزيز حضورها في الوعي العام، حتى امتدت إلى عدن ومناطق واسعة من جنوب اليمن.
وعلى الرغم من التباينات الأيديولوجية والسياسية بين الفصائل والقوى الثورية، وما أفرزته من اختلافات في الرؤى والمواقف إزاء طبيعة الكفاح المسلح ومآلاته، فإن هدف التحرير والاستقلال ظل القاسم المشترك الذي انتهت إليه الإرادة الوطنية. وفي خضم الصراعات التي رافقت الثورة، برزت قوى اليسار واشتد حضورها، لتؤثر في مسار التحولات السياسية والفكرية التي شهدتها البلاد بعد الاستقلال.
لقد أسهمت ثورة الرابع عشر من أكتوبر في إنهاء الوجود الاستعماري البريطاني، وتحقيق الاستقلال الوطني في الثلاثين من نوفمبر 1967م، وفتحت الباب أمام تجربة سياسية جديدة سعت إلى بناء دولة وطنية حديثة، وتجاوز الانتماءات الضيقة، وترسيخ هوية وطنية جامعة. ومع ذلك، فإن قراءة التجربة التاريخية بموضوعية تقتضي التمييز بين أهداف الثورة ومبادئها التحررية، وبين ما تحقق فعلياً في تجربة الدولة اللاحقة، بما لها وما عليها من منجزات وإخفاقات.
وهنا تكمن أهمية استحضار الثورة اليوم؛ لا بوصفها ذكرى وطنية نستعيد أمجادها فحسب، بل باعتبارها تجربة تاريخية قابلة للفهم والنقد واستخلاص الدروس. فالثورات لا تكتسب قيمتها من لحظة انتصارها وحدها، وإنما أيضاً بما تتركه من أسئلة حول الحرية، والعدالة، والمواطنة، وبناء الدولة، وقدرة المجتمع على تحويل التضحيات إلى مؤسسات وقيم راسخة.
إن من أبرز الدروس التي يمكن استلهامها من ثورة أكتوبر الانتصار للمبادئ الوطنية، والإصرار على التحرر من الهيمنة الخارجية، ورفض الاستبداد، والإيمان بقدرة الإرادة الشعبية على إحداث التحولات الكبرى. كما أن تجربة الثورة تذكّرنا بأن بناء الدولة المدنية الحديثة لا يتحقق بمجرد رفع الشعارات، بل يتطلب إعلاء المواطنة المتساوية، واحترام التعدد، وإقامة مؤسسات تستوعب الاختلافات السياسية والاجتماعية، وتحول دون إعادة إنتاج الإقصاء والاستبداد بأشكال جديدة.
ولعل اليمن، في ظل ما تعيشه اليوم من صراعات وانقسامات وتآكل لمؤسسات الدولة، أحوج ما تكون إلى استعادة هذه المعاني، بعيداً عن توظيف التاريخ في خدمة الاصطفافات الضيقة أو تحويل رموزه إلى أدوات للمزايدة السياسية. فالثورات، في جوهرها، ليست ملكاً لفئة أو جماعة، وإنما هي جزء من الذاكرة الوطنية المشتركة، ومصدر للإلهام حين تُقرأ بعقل نقدي ووعي تاريخي مسؤول.
إن استعادة روح الرابع عشر من أكتوبر لا تعني استنساخ تجربتها بكل تفاصيلها، وإنما استلهام قيمها التحررية والإنسانية، والعمل على تجديد المشروع الوطني اليمني، بما يضمن إنهاء الانقسامات، واستعادة الدولة، وترسيخ العدالة والمواطنة، وصون السيادة الوطنية.
وإذا كانت المناقشة العلمية التي تشرفت بالمشاركة فيها قد أعادتنا إلى أجواء تلك المرحلة، فإنها أكدت لي، مرة أخرى، أن المعرفة التاريخية ليست ترفاً فكرياً، وأن البحث الأكاديمي الجاد ليس مجرد متطلب لنيل درجة علمية؛ بل هو جهد لفهم الذات الوطنية، واستنطاق التجارب، ومساءلة الحاضر في ضوء الماضي، بحثاً عن مستقبل أكثر وعياً وإنصافاً واستقراراً.
تلك، في تقديري، هي المتعة المعرفية التي ينشدها الأكاديمي: أن يخرج من قاعة المناقشة وقد أضاف إلى معرفته، وأسهم في إثراء معرفة الآخرين، ولامس، ولو بقدر، سؤالاً وطنياً وإنسانياً يتجاوز حدود الرسالة الجامعية إلى آفاق المجتمع والحياة.
اقرأ أيضا:دماء مقدسة وأخرى مباحة: فضيحة أخلاقية للمجتمع الدولي




