كفى سفكًا للدماء.. عودوا إلى الحوار وحكِّموا الصندوق

كفى سفكًا للدماء.. عودوا إلى الحوار وحكِّموا الصندوق
- حسن الدولة
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026-
قرأتُ ليلة أمس مقالًا للقاضي عبدالعزيز البغدادي نشره على موقع “صوت الشورى” بعنوان: «أهمية الديمقراطية وسيادة القانون في تحقيق السلام»، فوجدت أن مقاله لم يكن مجرد حديث عن الديمقراطية وسيادة القانون باعتبارهما مفهومين سياسيين أو قانونيين، وإنما كان، في جوهره، قرعًا لأجراس الخطر، وتنبيهًا إلى حقيقة لا يجوز لليمنيين أن يتجاهلوها بعد كل ما دفعوه من دماء وخراب: لا سلام حقيقيًا من دون ديمقراطية، ولا دولة مستقرة من دون سيادة القانون، ولا تداول للسلطة من دون الاحتكام إلى إرادة الشعب.
ومن هنا وجدت أن من الواجب أن أقرأ أنا أيضًا أجراس الخطر، وأن أكتب هذا المقال، لا دفاعًا عن طرف من أطراف الصراع، ولا اتهامًا لطرف وإعفاءً لآخر، وإنما صرخة في وجه الجميع: كفى سفكًا للدماء، وكفى عبثًا بمصير اليمن، عودوا إلى طاولة الحوار، وحكِّموا صندوق الاقتراع، واجعلوا القانون فوق الجميع.
يقول الإمام محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، صاحب «الملل والنحل»: «وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة، إذ ما سُلَّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سُلَّ على الإمامة في كل زمان».
وهذه العبارة، وإن قيلت في سياق تاريخي وفكري مختلف، تضع أيدينا على حقيقة سياسية لم يتجاوزها التاريخ حتى اليوم: أن أخطر الصراعات هي تلك التي يتحول فيها الوصول إلى السلطة من شأن سياسي تتداوله الأمة بالاختيار إلى قضية تُحسم بالقوة والسلاح.
ولعل اليمن يقدم أمامنا اليوم واحدًا من أكثر النماذج مأساوية لهذه الحقيقة؛ فمنذ أن انقلبت العملية السياسية السلمية على الديمقراطية والتوافق، وتحول الصراع على السلطة إلى صراع مسلح، دخل اليمن في دوامة من الحروب العبثية التي لم تنتج منتصرًا حقيقيًا، وإنما أنتجت وطنًا مثخنًا بالجراح، وشعبًا أنهكته الفاقة والنزوح والقتل والدمار.
وتقديرات الأمم المتحدة الإنمائية أشارت إلى أن الحرب كانت ستتسبب، بحلول نهاية عام 2021، في نحو 377 ألف وفاة، مباشرة وغير مباشرة، وهو رقم يكشف أن الحرب لا تقتل بالسلاح وحده، بل تقتل كذلك بالجوع والمرض وانهيار الخدمات وسبل الحياة.
وإذا كان من حقنا أن نحدد مسؤولية تاريخية وسياسية عن لحظة الانقلاب على المسار الانتقالي، فإن الإنصاف يقتضي في الوقت نفسه ألا نحول ذلك إلى ذريعة لاستمرار الحرب إلى ما لا نهاية. فقد تشابكت المسؤوليات، وتعددت القوى، وتدخلت الأطراف الإقليمية والدولية، وأصبح استمرار الصراع مسؤولية كل من يصر على الاحتكام إلى القوة بدل الاحتكام إلى السياسة، أياً كان موقعه أو شعاره أو مبرره.
فالله السياسة، وساس ويسوس وسايس!
وتبًّا وألف تبٍّ لمن لا يزال يظن أن الحكم في القرن الحادي والعشرين يُنتزع بالسيف ثم يُفرض على الناس باعتباره قدرًا لا يرد.
لقد تغير العالم، وتغير مفهوم الشرعية السياسية. لم يعد الحاكم يستمد شرعيته من السلالة، ولا من القوة العسكرية، ولا من ادعاء امتلاك الحقيقة، ولا من القدرة على إخضاع الناس؛ وإنما من رضا المواطنين، ومن الدستور والقانون والمؤسسات، ومن صندوق الاقتراع الذي يمنح الشعب حق اختيار من يحكمه، وحق تغييره بالوسائل السلمية عندما يفقد ثقته به.
ومن هنا فإن القضية اليمنية ليست في جوهرها قضية من ينتصر في الحرب، وإنما قضية: كيف نمنع الحرب القادمة؟
وهذا السؤال أهم من سؤال: من ربح الجولة الماضية؟
فالحرب قد تمنح طرفًا سيطرة مؤقتة على مدينة، أو مؤسسة، أو محافظة، لكنها لا تمنحه بالضرورة شرعية سياسية. والقوة تستطيع أن تفرض أمرًا واقعًا، لكنها لا تستطيع أن تصنع دولة مستقرة. والبندقية قد تفتح باب السلطة، لكنها لا تستطيع أن تغلق أبواب الصراع.
وهذه ليست فلسفة مثالية منفصلة عن تجارب العالم، بل هي خلاصة تجارب دول عانت حروبًا أهلية وصراعات داخلية أشد قسوة من كثير مما عرفه اليمن.
في رواندا، التي تحولت في تسعينيات القرن الماضي إلى واحدة من أبشع مآسي العصر الحديث، لم يكن تجاوز الكارثة ممكنًا بمجرد الانتصار العسكري، بل احتاجت البلاد إلى مسار طويل لبناء مؤسسات الدولة والمصالحة والمساءلة وإعادة دمج المجتمع. ولذلك فإن الاستشهاد بالتجربة الرواندية لا ينبغي أن يعني استنساخها، وإنما استخلاص درس أساسي منها: أن انتهاء الحرب لا يعني انتهاء أسبابها، وأن بناء السلام يحتاج إلى مؤسسات وعدالة ومصالحة تمنع عودة المجتمع إلى دورة الانتقام.
وفي جنوب أفريقيا، كان الانتقال من نظام الفصل العنصري إلى الديمقراطية ثمرة تسوية سياسية تفاوضية، انتهت بإقامة نظام دستوري ديمقراطي بعد انتخابات 1994. وأُنشئت بعد ذلك لجنة الحقيقة والمصالحة لمعالجة إرث الانتهاكات، وجمعت بين كشف الحقيقة والمساءلة وإعادة بناء النسيج الوطني. وتؤكد المصادر الرسمية الجنوب أفريقية أن النظام الديمقراطي الجديد كان نتيجة تسوية سياسية تفاوضية بين قوى التحرر ونظام الفصل العنصري، بينما اضطلعت لجنة الحقيقة والمصالحة بدور أساسي في معالجة إرث العنف والانتهاكات.
وفي ليبيريا، التي عاشت أربعة عشر عامًا من الحرب الأهلية وسقط فيها أكثر من مائتي ألف قتيل وتشرد نحو مليون شخص، لم تتوقف الحرب بمجرد إعلان النوايا أو توقيع هدنة عابرة، وإنما جاء توقفها الحقيقي مع اتفاق السلام الشامل عام 2003، الذي وضع ترتيبات للمرحلة الانتقالية، ونزع السلاح وإعادة الدمج، وإنشاء آليات للحقيقة والمصالحة والإصلاح المؤسسي.
وفي سيراليون، أفضت اتفاقات السلام إلى إنشاء آليات للحقيقة والمصالحة والمساءلة عن الانتهاكات التي ارتكبت خلال الحرب، انطلاقًا من إدراك أن المجتمع الذي عاش العنف يحتاج إلى معرفة الحقيقة، وسماع شهادات الضحايا، ومواجهة الإفلات من العقاب، وبناء طريق للمصالحة الوطنية.
أما كولومبيا، فقد استطاعت بعد أكثر من نصف قرن من الصراع المسلح بين الحكومة والقوات المسلحة الثورية «فارك» الوصول إلى اتفاق سلام عام 2016، تضمن منظومة متكاملة للحقيقة والعدالة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار. ولم يكن الطريق سهلًا؛ فقد رفض الناخبون الاتفاق الأول في استفتاء عام 2016 بفارق ضئيل، فعادت الأطراف إلى التفاوض وعدلت الاتفاق قبل اعتماده من جديد.
وهذه التجربة تقدم درسًا بالغ الأهمية لليمن: السلام ليس وثيقة يوقعها المتفاوضون ثم ينصرفون، وإنما عملية سياسية ومجتمعية طويلة تحتاج إلى مراجعة وتوافق وضمانات وتنفيذ.
هذه التجارب كلها، على اختلاف ظروفها، تقول لنا شيئًا واحدًا:
لا يوجد انتصار عسكري قادر وحده على بناء دولة، ولا يوجد سلام مستدام من دون معالجة سياسية وقانونية لجذور الصراع.
ومن هنا فإن اليمن لا يحتاج إلى جولة جديدة من الحرب بقدر ما يحتاج إلى شجاعة سياسية تعيد الجميع إلى طاولة الحوار.
وليس المقصود بالحوار أن يجلس اليمنيون إلى طاولة لتقاسم السلطة ثم يعود كل طرف إلى سلاحه، وإنما أن يكون الحوار مدخلًا إلى دولة، وأن يكون الاتفاق مدخلًا إلى دستور، وأن يكون الدستور أساسًا لانتخابات، وأن تكون الانتخابات هي الطريق الوحيد لتداول السلطة.
ولليمن في هذا المجال أرضية وطنية ودستورية وسياسية لا ينبغي إهدارها.
فمخرجات مؤتمر الحوار الوطني لم تكن مجرد أوراق عابرة؛ فقد تناولت قضايا بناء الدولة، والحكم الرشيد، والعدالة الانتقالية، والحقوق والحريات، والقضية الجنوبية، وقضية صعدة، وبناء القوات المسلحة والأمن، وصياغة الدستور. كما أن وثيقة المخرجات جعلت إرادة الشعب والمساواة واحترام القانون والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة من الأسس التي ينبغي أن تقوم عليها الدولة.
كما أن المرجعيات التي استندت إليها العملية السياسية اليمنية، وفي مقدمتها المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية ومخرجات مؤتمر الحوار وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، ظلت حاضرة في مسار البحث عن التسوية السياسية.
لكنني، مع ذلك، أرى أن اليمن يحتاج اليوم إلى ما هو أبعد من مجرد إعادة إنتاج المرجعيات القديمة؛ يحتاج إلى تجديد سياسي شامل يستفيد من كل ما سبق، ويضع اليمنيين أمام عقد وطني جديد واضح المعالم، يضمن أن لا تعود القوة طريقًا إلى الحكم.
وهنا تأتي ضرورة إصدار قانون صارم للعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، لا يكون قانونًا للعفو المطلق ولا قانونًا للانتقام، وإنما قانونًا للحق والإنصاف وكشف الحقيقة وجبر الضرر والمساءلة وضمان عدم التكرار.
قانون يقول بوضوح إن دماء اليمنيين ليست مادة للمساومة السياسية، وإن الجرائم الجسيمة لا يجوز أن تختفي خلف الشعارات، وإن الضحايا لهم حقوق لا تسقط بتغير موازين القوى، وإن المصالحة لا تعني نسيان الحقيقة، كما أن العدالة لا تعني استمرار الحرب.
ويجب أن يتضمن هذا القانون، في تقديري، مبادئ واضحة: كشف حقيقة الانتهاكات، وحفظ حقوق الضحايا، وتعويض المتضررين، ورد الاعتبار للمظلومين، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة وفق القانون، وإصلاح المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية، ووضع ضمانات حقيقية تمنع تكرار الانقلابات المسلحة والحكم بالقوة، مع فتح الطريق أمام كل من لم تتلوث يداه بالجرائم الجسيمة للعودة إلى الحياة السياسية من خلال الوسائل الديمقراطية.
فاليمن لا يحتاج إلى منتصر جديد، بل يحتاج إلى دولة تنتصر على منطق الانتصار بالقوة.
وإذا كان لا بد من التأسيس لقاعدة سياسية جديدة، فلتكن القاعدة بسيطة لا لبس فيها:
من أراد أن يحكم اليمن فليطلب ثقة اليمنيين، ومن أراد تغيير الحاكم فليذهب إلى صندوق الاقتراع، ومن أراد الاعتراض فليحتكم إلى القانون، ومن أراد الوصول إلى السلطة فلا طريق له إليها عبر البندقية.
هذه ليست شروطًا مثالية، وإنما هي أبسط قواعد الدولة الحديثة.
لقد دفع اليمنيون ثمنًا باهظًا بسبب تحويل الخلاف السياسي إلى صراع وجودي، وبسبب الاعتقاد بأن امتلاك القوة يمنح صاحبها الحق في فرض مشروعه على الآخرين. واليوم، وبعد كل هذه الدماء والدمار، ينبغي أن تكون الأولوية لإنقاذ ما تبقى من الدولة والمجتمع، لا لإضافة جيل جديد إلى قائمة ضحايا الحرب.
ولذلك فإنني أناشد ما تبقى من ضمائر حية لدى جميع أطراف النزاع، دون استثناء، أن يثوبوا إلى رشدهم، وأن يدركوا أن استمرار الحرب لن يمنح اليمن إلا مزيدًا من المقابر، وأن التاريخ لن يسأل في نهاية المطاف عن عدد المعارك التي خاضها هذا الطرف أو ذاك، وإنما سيسأل:
متى أدركتم أن الوطن أكبر من السلطة، وأن حياة الإنسان أغلى من الكرسي؟
آن الأوان للعودة إلى طاولة الحوار، وإيقاف منطق الغلبة، والاتفاق على مرحلة سياسية انتقالية واضحة، واستكمال المسار الدستوري، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس المواطنة المتساوية وسيادة القانون.
ولنتذكر أن القانون ليس تابعًا للحاكم، وإنما الحاكم تابع للقانون؛ وأن الدولة التي يخضع فيها الحاكم للقانون هي الدولة التي يستطيع فيها المواطن أن يأمن على نفسه وماله وكرامته ومستقبل أبنائه.
لقد قال أبو الأحرار الشهيد محمد محمود الزبيري:
والحكم بالغصب رجعي نقاومه
حتى ولو لبس الحكام ما لبسوا
وما أحوج اليمن اليوم إلى استعادة هذا المعنى، لا باعتباره شعارًا للمواجهة، وإنما باعتباره قاعدة لبناء دولة لا يحكم فيها أحدٌ بالغصب، ولا تُنتزع فيها السلطة بالسلاح، ولا تُصادر فيها إرادة الشعب باسم الدين أو الثورة أو الجمهورية أو القبيلة أو الحزب أو السلالة أو أي عنوان آخر.
فليكن اتفاق اليمنيين القادم على أن الحكم للشعب، والسلطة للقانون، والشرعية لصندوق الاقتراع، والسلاح للدولة، والعدالة للجميع، والدم اليمني خطًا أحمر لا يجوز لأي سياسي أو جماعة أو قوة أن تتجاوزه.
حينها فقط نستطيع أن نقول إن اليمن خرج من الحرب، لا لأن طرفًا هزم طرفًا، وإنما لأن اليمنيين جميعًا انتصروا على السبب الذي أبقاهم أسرى للحرب: منطق الحكم بالقوة.
اقرأ أيضا:يوميات البحث عن الحرية .. أهمية الديمقراطية ومبدأ سيادة القانون في تحقيق السلام




