يوميات البحث عن الحرية .. رسائل في فلسفة القانون والسياسة
يوميات البحث عن الحرية .. رسائل في فلسفة القانون والسياسة
- عن المسؤولية في استخدام القوة
- عبد العزيز البغدادي
الاثنين 19 أكتوبر 2026-
المبدأ العام والأساس الذي تقوم عليه هذه المسؤولية هو حق احتكار سلطات الدولة لاستخدام القوة في تحقيق الأهداف العامة، وعلى هذا تأسست القوات المسلحة والأمن في الدول الحديثة، وتنظمها مبادئ الدستور وقواعد القانون.
والهدف من احتكار السلطة العامة لاستخدام القوة داخل أي دولة هو تحقيق العدالة بين أفراد المجتمع، فالشعب هو المستفيد من قوات الأمن (مؤسسة الأمن العام) التي تديرها وتشرف عليها وزارة الداخلية، وتصون وتحرس مبدأ سيادة القانون من أي خرق أو تعدٍّ عليه.
أما هدف احتكار سلاح القوات المسلحة في يد مؤسسة الجيش ووزارة الدفاع، فهو حراسة الوطن من أي عدوان أو تدخل خارجي في شؤون الدولة، وحفظ سيادتها.
هاتان المؤسستان عنوان سيادة أي دولة وحارس بنيانها!
ولكي يكون استخدام القوة في الحالتين مشروعًا، لا بد من التزام المؤسستين المكلفتين بالقيام بهما بمبادئ الدستور وأحكام القانون وقواعده، وطبقًا للصلاحيات المحددة لهما في هذه المبادئ والأحكام والقواعد، التزامًا حقيقيًّا منضبطًا.
وكل من يباشر هذه الأعمال من خارج المؤسسة العسكرية والأمنية يُعد معتديًا على الدستور والقانون، ولا بد أن يتحمل مسؤولية ما يقوم به جنائيًّا ومدنيًّا؛ لأن فتح المجال لأي فرد أو جماعة للاستيلاء على السلطة يؤدي بداهةً، وبدون أي شك، إلى نشر الفوضى وتشجيع الاضطرابات، ومن ثم إلى انهيار الدولة.
إن أي مجتمع لا تزال به تكوينات قبلية مسلحة، يجب على سلطات الدولة وجوبًا، وليس ترفًا، ألّا تسمح إطلاقًا بانفلات هذه التكوينات أو الجماعات المسلحة؛ لأن انفلاتها يؤدي إلى النزاعات المسلحة التي تهدد الأمن العام والسكينة، وتزعزع استقرار المجتمع.
وانتشار المظاهر المسلحة يحوّل المدن إلى معسكرات فوضوية بلا ضابط، ما ينفي عنها صفة المدنية، ويؤدي بالنتيجة إلى انهيار النظام الاجتماعي في الدولة، وهو أمر شديد الخطورة.
ويمكن، بصورة اضطرارية مؤكدة، استعانة سلطات الدولة في الظروف الاستثنائية بالقبيلة، لتكون رافدًا شعبيًّا ومجتمعيًّا يعين سلطات الدولة على تعزيز بسط سلطة القانون، ولكن بصورة يتأكد معها خضوع القبيلة لسلطة القانون، وأن تُسلِّم السلاح للدولة حينما تزول حالة الضرورة.
إذ لا يجوز مطلقًا أن تبقى القبيلة مسلحة إلى الأبد، لخطورة هذه الحالة على الدولة وعلى القبيلة أيضًا؛ لأن للقبائل انتماءات قبلية متعددة، واستخدام ما لديها من سلاح مع بقاء انتمائها القبلي يزيد الاضطراب، ويحوّلها إلى ما يشبه العصابات، وهو ما يعيق بناء الدول الحديثة الموحدة والمبنية على أسس الدستور والقانون.
وتزيد الخطورة في حال إتاحة الفرصة للدول المجاورة ذات الإمكانات المادية للتواصل مع مشايخ القبائل وأفرادها، لتحويل قبائلهم إلى أدوات ضغط للتأثير السياسي داخل الدولة التي ينتمون إليها قبليًّا، لتتحول إلى دولة تابعة لمن يمول هذه الشخصيات القبلية.
إن الانتماء إلى دولة أخرى سياسيًّا يُعد جريمة، أما استخدام النفوذ القبلي لدعم تدخل دولة في شؤون دولة القبيلة، فهذه جريمة على مستوى أكبر وأبلغ ضررًا في العلاقات بين الدول وداخل مجتمع كل دولة. وعلى سبيل المثال: هل تقبل الدولة المتدخلة في شؤون الغير التدخل في شؤونها؟!
إنه لكي يكون استخدام القوة شرعيًّا، لا بد أن يكون استخدامها من سلطة لا لبس في شرعيتها، وليس من حق أي سلطة شرعية أو سلطة أمر واقع أن تسلّم السيادة أو تتخلى عن جزء منها لدولة أخرى، وتسمح لها بالتدخل في قرارها، بل إنها لو فعلت ذلك فقد ارتكبت جريمة الخيانة العظمى!
إن بناء الأمن القومي، كما يتكرر قوله من أي دولة، لا يبرر التدخل في شؤون دولة أخرى بحجة الدفاع عن أمنها القومي.
حالة الدفاع عن النفس تختلف اختلافًا كليًّا عن حالة التدخل في شؤون الغير.
الدفاع عن النفس، فيما يتعلق بالدول، ينطبق عليه من حيث المضمون ما ينطبق على حق الشخص الطبيعي في الدفاع عن نفسه، أي إن هذا الحق محكوم بدفع الضرر عن المدافع عن نفسه.
فلا يحق للمدافع عن نفسه أن يتجاوز حدود درء الخطر الذي يحيط به، فيتجه إلى التدخل في قرار الدولة التي يتوقع حدوث الضرر من ناحيتها، أو من جماعة تتبعها أو تنتمي إليها.
وهذه المسائل تدخل في إطار العلاقات بين الدول، وينظمها القانون الدولي، بمعنى أنه ليس من حق أي دولة أن تبتكر من الوسائل والأساليب ما يطلق يدها للتمادي في المساس بسيادة الدولة التي تدّعي أو ترى أن هناك خطرًا عليها يأتي من جهتها!
إذ كثيرًا ما تعمد الدول المتدخلة في شؤون الدول الأخرى، وتتعمد، إلى نشر الفوضى وتغذية الانقسامات داخل الدولة التي تريد التدخل في شؤونها، لأهداف متعددة!
وتبتكر حكايات وسرديات وقصصًا في هذا الاتجاه، لمحاولة إضفاء الشرعية على تصرفها، وهو عمل غير مقبول بأي حال من الأحوال، وفقًا لميثاق الأمم المتحدة وقواعد العلاقات الدولية.
وقد رأينا ونرى، وبخاصة منذ انهيار الاتحاد السوفيتي وانتهاء ما يسمى بالحرب الباردة بين المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي والمعسكر الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، كيف أن أمريكا، وبشكل أكثر فظاظة، تسعى إلى خلق الأزمات والفوضى في بعض البلدان، لتتخذ من ذلك ذريعة للتدخل في شؤونها.
وآخر الأمثلة على ذلك مباغتتها للعاصمة الفنزويلية، واختطاف رئيسها واعتقاله وإيداعه أحد سجون الولايات المتحدة، وتقديمه لمحاكمة دون أدنى شبهة حق، أي بالمخالفة لكل المبادئ والأعراف والدساتير، وانتهاكًا صارخًا لميثاق الأمم المتحدة؛ وكذلك تسميتها حربًا شعواء ضد إيران، معلنةً أنها تريد تغيير نظامها!
وكثيرًا ما يكون هدفها من التدخل في بلدان كثيرة إنقاذ الأنظمة من غضب شعوبها التي باتت، نتيجة أوضاعها السيئة، تواقة إلى التغيير الديمقراطي الحقيقي!
لقد ثبت بالفعل أن الولايات المتحدة الأمريكية ضد وجود أنظمة ديمقراطية حقيقية، وبخاصة في البلدان الغنية بثرواتها، والبلدان التي تطمح شعوبها إلى تغيير ديمقراطي حقيقي؛ لأن الشعوب الحرة التي تتمتع بديمقراطية حقيقية لا تقبل مطلقًا تدخل أي دولة في شؤون بلدانها تحت أي شعار، لأن إيجاد الأنظمة وتغييرها حق حصري للشعوب، وفق ما هو معروف في الأنظمة الديمقراطية.
وهذه الإرادة الشعبية تعارض سياسة الإدارة الأمريكية التي تعتمد على نهب ثروات الشعوب وخيراتها، والهيمنة على مواقعها الاستراتيجية.
والخلاصة: إن الاستيلاء على السلطة بالقوة أو الاحتيال، وإدخال الدول والمجتمعات في حروب مستمرة، يُعد من أفظع الجرائم بحق هذه الدول والشعوب؛ والوصول إلى السلطة عن طريق الانتخابات النزيهة هو الطريق الوحيد لصنع شرعية حقيقية تمثل المجتمع، وتمكّنه من ممارسة حقه في التنافس الشريف على السلطة والقيام بمهامها، بما يحقق العدالة والرخاء، ويحفظ الأمن والسلام والسيادة الوطنية.
وتحقيق هذه الأهداف على المستوى الوطني في الدولة الواحدة من شأنه أن يتناغم مع بقية الدول لتحقيق الأمن والسلام على مستوى العالم.
السيوف مغمدة في القلوب
والدفاع عن النفس مكرمة
يقولون:
والسلام هو الأصل.
الدماء تجر الدماء،
والسلام يد الله،
عنوانه… يده
فوق أيدي الطغاة.
حتى متى سوف تبقى القلوب هائمة ؟
هائمة تتقلب وسط اللظى؟
ترنو إلى النور راجية،
تمخر عباب بحر الهوى،
وبالحق والصدق تعلو وتدنو.
نداء المحبة يصدح في الأفق،
بلا ميكروفون تمر،
ترفض تمجيد سفك الدماء،
وتدفع نحو التآخي.
فهل من مجيب؟!
اقرأ أيضا:مجزرة الجوف.. حين تحولت الخيام إلى غبار والأجساد إلى رماد “فيديو”





