خلفيات الحرب في اليمن.. ثلاث دوائر لإنتاج الصراع وإدامته

خلفيات الحرب في اليمن.. ثلاث دوائر لإنتاج الصراع وإدامته
- أمين الجبر
الثلاثاء 18 أغسطس 2026-
ثمة خلفيات تشكل ما يمكن أن نطلق عليه ديناميات الحرب ومسببات اشتعالها، سواء في اليمن أو في غيره من البلدان التي تنخرط في صراعات داخلية ممتدة. فالحروب لا تنشأ عادة من فراغ، ولا تنفجر بفعل سبب واحد، وإنما تتخلق في بيئات مركبة، تتداخل فيها عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وأيديولوجية، ثم تتفاعل هذه العوامل حتى تتحول من مجرد توترات كامنة إلى صراع مفتوح ومستدام.
وفي الحالة اليمنية، يمكن قراءة هذه الخلفيات من خلال ثلاث دوائر مركزية أو بؤر محورية، تتداخل فيما بينها، وتنتج في مجموعها مكنة الحرب وآليات استمرارها.
الدائرة الأولى: الأيديولوجيا ومضاداتها
يمثل البعد الأيديولوجي، ومضاداته المتصارعة، أحد أهم محاور الصراع، بل يمكن اعتباره في كثير من الأحيان قطب الرحى الذي يدور حوله الاقتتال، ومخزن الشحن الذي يزيد من وتيرة الاستقطاب، ويمنح الحرب قابلية أكبر للاشتعال والاستمرار.
والحرب الدائرة في اليمن تؤكد، في جانب من مؤشراتها، أنها أخذت بعدًا عقائديًا وأيديولوجيًا عميقًا؛ إذ نحت، منذ بداياتها، منحى صراعيًا متضادًا، كشفت عنه ملامح الخطاب الدعائي والسياسي لكلا الطرفين، كما عكسته طبيعة الاتهامات المتبادلة، ونوعية الشعارات المرفوعة، ومحاولات كل طرف تقديم نفسه بوصفه صاحب الحق، وتصوير الآخر باعتباره تهديدًا وجوديًا ينبغي مقاومته.
وقد ينفي طرفا الحرب الطابع الأيديولوجي لصراعهما، أو يحاول كل منهما إخفاءه خلف عناوين سياسية ووطنية مختلفة، غير أن ذلك لا يلغي حضور الأيديولوجيا في تشكيل الوعي الجمعي للصراع، وفي تعبئة الأنصار وحشد المقاتلين.
فثمة خلفيات أيديولوجية متناقضة، وإرث تاريخي مثقل بالخصومات والثارات السياسية والاجتماعية، يجري استحضاره بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ليصبح جزءًا من مخيلة الحرب ومكنتها وميكانيزماتها.
الدائرة الثانية: الدولة العميقة وأمراء الحرب وتجار الصراع
أما الدائرة الثانية، فتتمثل في الدولة العميقة وبقايا منظوماتها، وأمراء الحرب المتنافسين على السلطة والثروة والنفوذ، إلى جانب أولئك الذين تحولت الحرب بالنسبة إليهم إلى مصدر للغنيمة ومجال لتراكم المصالح.
وهنا يظهر ما يمكن تسميته اقتصاد الحرب؛ إذ لا تعود الحرب مجرد صراع على السلطة أو مشروع سياسي متناقض، وإنما تتحول إلى منظومة مصالح تستفيد من استمرارها قوى وشخصيات وشبكات مختلفة، بحيث يصبح السلام، في بعض الحالات، تهديدًا مباشرًا لمصالح المستفيدين من الحرب.
كما أن جزءًا من هذه القوى قد يتحول إلى وكلاء لمصالح خارجية، أو امتدادات لصراعات إقليمية ودولية تتجاوز إرادتهم وقدرتهم على التحكم في مساراتها. وهكذا تتقاطع المصالح الداخلية مع الحسابات الخارجية، ويتحول الصراع المحلي إلى جزء من صراع أوسع، تتعدد فيه مراكز القرار وأجندات الأطراف.
والمفارقة أن بعض القوى التي وجدت نفسها لاحقًا في خنادق متقابلة كانت، في مراحل سابقة، تنتمي إلى كتلة سياسية أو اجتماعية واحدة، وتجمعها مصالح مشتركة. غير أن التنافس على السلطة والنفوذ والثروة، وتضارب الحسابات، واختلاف المشاريع، أدى إلى تفكيك تلك الكتلة، ثم تحويل التناقضات السياسية إلى صراع مسلح.
ومن هنا يصبح أمراء الحرب وتجارها ليسوا مجرد نتائج للحرب، وإنما يتحول بعضهم إلى أدوات لإعادة إنتاجها وإطالة أمدها، لأن استمرار الصراع يعني بالنسبة إليهم استمرار النفوذ والمكاسب.
الدائرة الثالثة: العامة.. مادة الحرب ووقودها
أما الدائرة الثالثة، فهي الأوسع والأكثر مأساوية، وتتمثل في العامة الذين يشكلون مادة الحرب ووقودها البشري.
فهؤلاء هم الجند الذين يخوضون المعارك، ويدفعون أثمانها من أعمارهم وأمنهم وأرزاقهم ومستقبلهم، بينما غالبًا ما تكون قرارات الحرب ومصالحها الكبرى خارج دوائر تأثيرهم.
وكثير من هؤلاء لا يخوضون الحرب وفق حسابات استراتيجية واضحة، ولا بناء على وعي سياسي كامل بطبيعة الصراع ومآلاته، وإنما تدفعهم الحاجة المادية، أو العصبية الجهوية، أو التعبئة الأيديولوجية، أو الخوف، أو الولاء الاجتماعي، أو مجرد البحث عن مورد للعيش في واقع اقتصادي شديد القسوة.
وهنا تكمن إحدى أكثر مفارقات الحرب اليمنية إيلامًا: أن الذين يدفعون ثمن الحرب ليسوا بالضرورة هم الذين يصنعون قراراتها، وأن الذين يحملون السلاح في ميادينها قد لا يكونون هم المستفيدين من نتائجها.
فلو أن هذه الفئة، التي تشكل العمود الفقري للحرب، أدركت مصالحها الحقيقية، ووعت حجم الاستغلال الذي تتعرض له، وأدركت كيف يجري توظيف حاجتها وفقرها وشعاراتها وعصبياتها لخدمة أجندات سياسية لا تمت بصلة إلى مصالحها المباشرة، لأدركت أن مستقبلها الحقيقي ليس في استمرار الحرب، وإنما في السلام والبناء والتعليم والتنمية والعمل والإنتاج.
إن العامل البشري في الحرب لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد كتلة مقاتلة، بل باعتباره ضحية لعملية طويلة من تزييف الوعي وإعادة إنتاج الانقسام؛ إذ يجري أحيانًا إقناع الإنسان بأن مصلحته تكمن في استمرار الصراع، بينما تكون مصلحته الحقيقية في نهايته.
ثلاث دوائر.. ومأساة واحدة وبذلك تتكامل الدوائر الثلاث:
أيديولوجيا تشحن الصراع، ونخب ومصالح تعيد إنتاجه، وجماهير تدفع ثمنه.
الأولى تمنح الحرب خطابها ومبرراتها، والثانية توفر لها المصالح وشبكات الاستمرار، والثالثة توفر لها المقاتلين والضحايا.
ومن هنا، فإن إنهاء الحرب لا يمكن أن يكون مجرد اتفاق سياسي بين أطرافها المباشرة، ما لم يصاحبه تفكيك للبنى التي تنتج الصراع وتعيد تدويره: تفكيك خطاب الكراهية والاستقطاب، وتجفيف اقتصاد الحرب، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، واستعادة الوعي العام من قبضة التعبئة الأيديولوجية والعصبية، وفتح الطريق أمام مشروع وطني جامع.
فالحرب التي تتغذى من الأيديولوجيا والمصلحة والجهل لا تنتهي بمجرد إسكات المدافع؛ إذ إن السلام الحقيقي يبدأ حين تتغير البيئة التي تجعل الحرب ممكنة ومربحة ومقبولة في الوعي العام.
وهكذا، فإن هذه الخلفيات الثلاث لم تكن مجرد محاضن للعداء وبؤر للصراع، وإنما شكلت، بدرجات متفاوتة، عوامل لإشعال الحرب اليمنية وإدامتها في الماضي والحاضر، وربما استمرار قابليتها للتجدد في المستقبل، ما لم تُعالج جذورها لا أعراضها.
اقرأ أيضا:يوميات البحث عن الحرية .. من ملامح الحلم اليمني بدولة مدنية ديمقراطية





