يوميات البحث عن الحرية .. مسرحية الهروب من المسؤولية

يوميات البحث عن الحرية .. مسرحية الهروب من المسؤولية
- عبدالعزيز البغدادي
الاثنين 23 مارس 2026-
(2)- الهويات الممزِّقة للوطن .
لم يكن القذافي كما اشرت في اليوميات السابقة سوى مثال او نموذج من نماذج الحكام العرب الهاربين من المسؤولية وهم في اعلى هرم السلطة الديكتاتورية ذات الصلاحيات المطلقة، وربما كان هذا النموذج أكثرهم وضوحا!.
ولعل من المفارقات الغريبة ان اكثر الحكام حديثا عن الديمقراطية هم اكثرهم ديكتاتورية أيا كانت نكهة ديكتاتورياتهم دينية كانت ام مدنية ام عسكرية!.
واخطر وسائل الهروب من المسؤولية الاعتماد على تغييب الوعي سواء بغسل الادمغة واستخدام الايدولوجيات الدينية او اية ايدولوجية يتم من خلالها ملاحقة المعارضين وتلفيق مختلف انواع التهم اليهم مثل العمالة للأجنبي والخيانة وتعريض امن الوطن والمواطن للخطر وزعزعة الامن والاستقرار ودعم العدو واضعاف هيبة الدولة الى غير ذلك من التهم الجاهزة المعلبة!.
وبالطبع تستخدم السلطة الحاكمة كل التهم الواردة في نصوص قانونية ودستورية رغم عدم احترامهم بصورة عامة للقانون لان الديكتاتورية اصلاً تناقض مبدا سيادة القانون، ولكنهم لا يترددون عن استخدامه حينما يحتاجونه خدمة لسلطتهم المطلقة وبعيدا عن اي معنى للعدالة !.
واكثر المستهدفين بهذه التهم هم المثقفين وذوي الانتماءات الحزبية والسياسية المعارضة للسلطة الحاكمة معارضة مسؤولة، والمقصود بالمعارضة المسؤولة: المعارضة غير الانتهازية التي تستخدم مفهوم المعارضة لتحقيق مكاسب شخصية!.
ومن الغريب ان بعض السلطات الحاكمة وبخاصة ذات التوجه الديني تستخدم الديمقراطية تكتيكيا للوصول الى السلطة لان الدستور يوفر لها غطاء الحق في المعارضة والمنافسة في الانتخابات، ولكن الجماعات ذات الصبغة الدينية ما إن تصل الى السلطة حتى تنقلب على الديمقراطية، لتصبح اشبه بمن يركب قارب وعندما يصل الى غايته يقوم بإحراق القارب!.
هذا السلوك المنافي للمسؤولية القانونية والاخلاقية الذي تمارسه الجماعات والاحزاب ذات التوجه الديني وغيرها ممن يسلك نفس المسلك .
انه مسلك مرفوض من حيث المبدأ وينبغي ان يرفض وفقا للاحترام الكامل لمبدأ سيادة القانون لأنه المرتكز الاساس لقيام دولة المواطنة المتساوية التي لا تستقر دون احترام هذا المبدأ احتراما مبدئيا وتفصيليا!.
ومن يحرق او يحاول احراق القارب لابد ان يحاسب سياسياً وإدارياً وقانونياً وقضائيا للتأكيد على تحويل الاحساس بالمسؤولية الى مبدأ ممارَس، ويجب ان يعتمد النضال الوطني على هذا المبدأ كطريق لوضع الديمقراطية في مسارها الصحيح المسؤول لتغيير واقعنا الذي تتسيد فيه القوة والعنف كوسيلة للوصول الى السلطة، وهو ما يتنافى مع الدستور والقانون، والدين المستنير أيضاً وكذلك الاخلاق ويضر بالتعايش والمنافسة المشروعة كوسيلة للاستيلاء على السلطة!
ولابد أيضا ان يترسخ لدى الجميع بان وظيفة المؤسسة العسكرية والامنية الدستورية والقانونية هي القيام بواجب الحفاظ على الامن والاستقرار في الداخل، وحماية الحدود والسيادة من اي انتهاكات او تدخلات خارجية!.
وفي حال وجود اضطرابات داخلية قد تجتهد هاتين المؤسستين فيما يمكن تسميته بالتحالف الدستوري لاستخدام القوة لإعادة ضبط الامن، وفي هذه الحالة لابد ان تلتزم بترشيد هذا الاستخدام بهدف إعادة الامن والاستقرار وليس الاستيلاء على السلطة والتفرد بها لأمد طويل، وان تأتمر في اي نشاط تقوم به في هذا الاتجاه بما تقرره السلطات والمبادئ الدستورية والقانونية .
ومن اولويات مهام هاتين المؤسستين الدستورية والقانونية والوطنية في الظروف الاستثنائية كحارس للأمن والاستقرار والسيادة سرعة الترتيب لانتخابات ديمقراطية نزيهة وفي مدة لا تتجاوز ستة اشهر واذا اقتضى الامر سنه كحد اقصى!.
ومدة السنة بالتأكيد كافية إذا ما وجد الالتزام والاخلاص الوطني وغابت المصالح الخاصة غير المشروعة.
اما الاستيلاء على السلطة ثم محاولة الترتيب لأجراء انتخابات شكلية ومزورة فهذا خروج واضح على مبدا سيادة القانون، وهو ابرز الجرائم السياسية المتعلقة بانتهاك الدستور والاعتداء على حق الشعب في السلطة والثروة!.
ومن ابرز علامات الهروب من المسؤوليات الوطنية والدستورية والقانونية والاخلاقية ما نشاهده اليوم من محاولات الاستحواذ على السلطة من قبل السلطات التي استقوت بالخارج لتتقاسم جغرافيا الوطن الممزق في البلدان التي شملتها ما اسمي ثورات الربيع العربي مثل سوريا واليمن ومصر وليبيا بالإضافة الى لبنان ومعظم البلدان العربية التي حُرِّكت فيها الاضطرابات تحت عنوان الثورة ، لتكون سيفا مسلطا على رقاب الناس الى اجل غير معلوم، ولا ادر كيف يحلو للبعض إطلاق مصطلح ثورة على اي حركة او اضطراب ما دامت لم تغير واقعا؟!.
في الوقت الذي تقوم المليشيات متعددة الانتماءات الصغيرة الممزقة للوطن والتي استولت على السلطة بالسلاح في هذه البلدان بترتيب الاوضاع بما يمكنها من احتكار السلطة بالعمل الحثيث على تغيير النظام السياسي وفرض واقع جديد بالقوة ومحاولة اعادة صياغته بما يمكنها من تحقيق اهدافها اللاوطنية!.
ليس هذا فحسب بل وقيامها برمي كل فساد تمارسه على التعددية السياسية والحزبية والانظمة المتعاقبة على الحكم قبلها، في إشارة واضحة الى رغبتها في بناء نظام شمولي أقرب الى الملكية او الحكم الثيوقراطي الشمولي البغيض.
ومن المفترض ان ثورات ما يسمى الربيع العربي قد قامت من اجل تغيير الانظمة الديكتاتورية الفاسدة التي تحاول باستمرار تشويه التعددية بضرب المثل بالأنظمة السياسية التي شوهت تطبيقها باستمرار وتفردت بالسلطة المطلقة مع احتوائها لبعض من يمثل التعددية المشوهة، وعدم افساح المجال امام تعددية حقيقية تفضي الى تداول سلمي للسلطة!.
في اليمن مثلا: هناك أكثر من طرف من الاطراف التي ارادت او اريد من خلالها تمزيق اليمن وتحويلها الى مجرد حديقة خلفية للجوار الذي أدمن ممارسة اوقح اشكال التدخل في شؤون الوطن اليمني ذو تاريخ العريق بل وتحويله الى ساحة حرب بالوكالة خدمة لأجندة اقليمية ودولية.
هذه الممارسات تشكل هروبا كبيرا من المسؤولية يتم بدعم ورعاية اقليمية ودولية تستفيد من هذا الهروب بل وتستثمره، ولكن المسؤولية القانونية والوطنية والاخلاقية تقع اولا على المتسابقين على السلطة من ابناء الوطن باستخدام السلاح بدلا من التنافس السلمي عليها من خلال انتخابات ديمقراطية نزيهة حرة تؤدي بالفعل الى إرساء مبدأ التداول السلمي للسلطة وبدون ذلك لن تأمن اليمن ولن تستقر!!.
دقوا طبول الحرب
وانصرفوا – تواروا
كي يموت الأبرياء
تحيا الشجاعة
مثلما يحيا الوطن
يحيا الشعار بلا شعور.
اقرأ أيضا:العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران.. حتى لا نفقد بوصلة الرؤية (2-2)




