يوميات البحث عن الحرية .. في المدخل لاستعادة وحدة اليمن واستقراره
يوميات البحث عن الحرية .. في المدخل لاستعادة وحدة اليمن واستقراره
- عبد العزيز البغدادي
الاثنين 10 أغسطس 2026-
نظام الحكم إما أن يكون مشروعًا، أي معبرًا عن إرادة المجتمع (الشعب)، أو غير مشروع؛ لأنه لا يعبر عن هذه الإرادة. والمعيار الشكلي والموضوعي للتفريق بين كونه معبرًا أو غير معبر عن هذه الإرادة صار اليوم، وفق الأنظمة السياسية والقانونية الحديثة المستفيدة من تجارب الدول الديمقراطية كمنظومة شاملة متكاملة.
والشمول هنا لا أعني به الأخذ بمفهوم أيديولوجي أو آلي للديمقراطية يحول الإنسان إلى ترس في آلة قاتلة للحركة والتجدد والحياة!
الشمول المقصود يعني الإقرار بأن التجربة الديمقراطية لكل دولة إنما تولد بشكل متكامل من رحم المجتمع وتتطور بتطوره.
ويجب ألا يُفهم من ذلك أن الانتخابات هي كل الديمقراطية؛ لأنها في الحقيقة سوى جزء منها، مهما حاجج أو غالط بعض الحكام المستبدون بالتلويح عند كل أزمة اقتصادية أو سياسية باللجوء الى «الصندوق»، كمخرج وحيد للخروج من الازمة؛
الانتخابات وحدها ليست معيارا للديمقراطية الحقة.
الانتخابات تتخذها بعض الأنظمة السياسية في حالات كثيرة وسيلة للهروب عن حل بعض المشكلات تركز من خلالها كل طاقتها باتجاه تزويرها والتلاعب بها بكل وسائل التزوير والتلاعب المختلفة المباشرة المتمثلة في تبديل الوثائق الانتخابية وتغيير مسارها بشكل مباشر وبالتزوير المادي، أو غير المباشرة بالتأثير على إرادة الناخبين، بما يؤدي إلى انتخاب من يخدم إرادة الموجّه، وهو الحاكم الفرد أو الجماعة الحاكمة.
هذه وسيلة فاشلة للهروب من خدمة إرادة الشعب الحرة وتقديم الخدمات الضرورية الى جانب الالتزام بالانتخابات النزيهة المعبرة عن مجموع الإرادات الحرة لأفراد الشعب في وقتها.
بمعنى أكثر وضوحًا: تكتسب سياسات الدول مشروعيتها من حيث الغايات التي تهدف إليها، وعمومية أو خصوصية المصالح التي تسعى لتحقيقها!
فكلما اتسع نطاق المستفيدين من سياسات التعليم والإعلام من أفراد المجتمع، كلما كان مستوى شرعيتها أوسع؛ لأن غاية كل سياسة سليمة تحقيق مصلحة أكبر عدد من أفراد الشعب، باعتباره صاحب الحق في السلطة، وهو من يختارها ويحدد، بموجب الدستور الذي يقره، ولايتها وموعد انتهاء هذه الولاية، سواء كان بصورة عادية طبيعية، أي عن طريق الانتخاب، وهذه ما يطلق عليها بالشرعية الدستورية.
وفي حال تم الاستيلاء على السلطة بصورة غير شرعية، أي عبر استخدام القوة، أو أن السلطة التي انتُخبت بموجب الخيار الديمقراطي الصحيح النزيه قامت بعد انتهاء المدة الدستورية لولايتها، بالتحايل والمماطلة والهروب من إجراء الانتخابات في موعدها، أو اتخاذ إجراءات مخالفة للدستور، مثل الانقلاب على النظام الدستوري والسعي بأي وسيلة للحيلولة دون التداول السلمي للسلطة.
في هذه الحالة، أو أية حالة أخرى تهدف إلى المماطلة والتسويف أو وضع العراقيل أمام تطبيق مبدأ التداول السلمي للسلطة، فإن هذه الممارسات تهيئ المجال لأية جماعات ثورية صادقة لتصحيح المسار الديمقراطي عبر ما يُعرف بالشرعية الثورية.
والشرعية الثورية لابد أن تكون مؤقتة لمدة لا تزيد عن ستة أشهر، يقوم الثوار خلالها بتحقيق أهداف ثورتهم، ويجب أن تكون أهدافًا معلومة وواضحة ومعبرة عن الإرادة الشعبية، وليس عن إرادة أي فرد أو جماعة انقلابية مذهبية أو دينية أو غير دينية هدفها السعي للاستيلاء على السلطة باستخدام القوة.
وقد سبق التنبيه إلى أن كل وسائل القوة والعنف في الوصول إلى السلطة يفقدها أي مستوى للشرعية، أي أن الأصل هو الشرعية الدستورية، والاستثناء هو الشرعية الثورية.
وفي كل الأحوال، لا ينبغي أن يتحول الاستثناء إلى أصل ويُغيب الأصل، كما حصل عبر الكثير من الحركات الانقلابية التي رفعت شعارات ثورية لتنقلب على الدستور وتتسبب في انقسام الدولة من خلال سلسلة من المغالطات والأكاذيب التي لا يمكن أن يستفيد منها أحد.
إن أية مغالطات من قبل بعض الطامعين في الاستئثار بالسلطة في اليمن، ومن يتوهمون أن الاستقواء على بقية الاطراف المحلية بالخارج، وجميعها مسؤولة، كلٌّ بحجم دوره، عن تصدع اليمن وتمزيق وحدته واستمرار حالة اللاسلم واللاحرب، التي أرى أنها أخطر من حالة الحرب.
هذه المغالطات لا يمكن أن يستفيد منها أي مغالط أو متآمر على وطنه أو الوطن والآخرين؛ لأنها ستؤدي، إذا استمر الحال على ما هو عليه، إلى تدمير كامل الوطن، فيتضرر من ذلك كل أبنائه بل وكل من حوله من المتآمرين عليه.
ومع كل هذا المشهد المأساوي لا زال وسيظل الأمل معقودًا في رقاب أحرار اليمن وحكمائها، وهم كثر، ليتجهوا نحو حوار جاد يبدأ من حيث توقف ما يُعرف بالحوار الوطني الشامل، الذي وضعت أمامه الكثير من الصعوبات بشكل مدروس، بغرض التمهيد للفراغ سياسي الذي صُنع من قبل المتدخلين في شؤون اليمن ليكون مبررًا للتدخل السافر الذي نعاني من آثاره اليوم!
إن الحال الذي وصل إليه اليمن يتوجب على كل من شارك في الحوار أو لم تتاح له فرصة المشاركة، وضع خطة استراتيجية جادة تحدد فيها مبادئ عامة، تبدأ بالإقرار من حيث المبدأ بمخرجات الحوار الوطني الشامل وتحديد نقاط الخلاف التي اتخذت ذريعة لخلق وتصعيد الأزمة، ثم التدخل المباشر والحرب والعدوان واستباحة سيادة اليمن من قبل كل من هب ودب، ليسهل لهم تحويل هذا الوطن العريق إلى حديقة خلفية لبعض الطامعين ممن لا تاريخ لهم، وهذا لا يسيء إليهم بقدر ما يسيء إلى من اباح لهم وطنه!
وإن التسابق على تصدر المواقف ومقابلة المبادرات بمزيد من المبادرات، لا أظنه يؤدي إلى نتيجة مفيدة.
ما يفيد حقًا هو التخلي عن النظرات الأنانية، والتحلي بقدر من الإنسانية والإحساس بالمسؤولية تجاه الحال الذي وصل إليه اليمنيون من معاناة وأحزان وتفكك.
والبداية إنما تكون بالعودة إلى مخرجات الحوار الوطني، كما أشرنا، واستئناف الحوار من النقطة التي توقف عندها المتحاورون، والتخلي الكامل والصادق عن كل النزاعات الطائفية أو المناطقية أو أي نزعات أخرى، وإفساح المجال أمام العقول الدستورية والقانونية والسياسية لمراجعة نقاط الخلاف في الدستور والمسائل السياسية الجوهرية.
والتأكيد على أن مبدأ تقسيم الأقاليم لا ينبغي أن يكون محل خلاف، ولكن يجب أن يكون هدف التقسيم ترسيخ الوحدة الوطنية والحيلولة دون وجود أي ثغرة تمس روح هذه الوحدة، وأن يكون تقسيمًا علميًا لا يحتمل أي تأويل مناطقي أو طائفي أو تغذيها، ولا يخدم أيًّا من هذه الأمراض وأن تكون مصلحة بناء الدولة اليمنية الموحدة مقدمة على جميع المصالح.
مع التأكيد على التزام اليمن، كعادتها في علاقتها بالجوار وبالعالم، بمبادئ الإخاء والحرص على كل المصالح المشروعة في ظل القانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان!
وبهذا ندرك أن السعي لتغليب مصالح الطبقات الحاكمة على مصالح الشعب يلغي أي شرعية لأي نظام سياسي يتبع هذا المسعى، ومن المعلوم أن هذا البلد قد أكد في اتفاقية الوحدة وفي دستورها على قيام نظامه السياسي الموحد في 1990 على الديمقراطية والتعددية الحزبية والسياسية.
وهذا هو جوهر النظام السياسي المشروع والشرعي للدولة اليمنية الموحدة، وأي تعديل أو تبديل فيه لا شرعية له ولا مشروعية.
ولهذا فإن أي توجه لدعم اليمن إقليميًا أو دوليًا لابد أن يركز بشكل صادق وواضح على إنهاء الانقسام واستعادة الدولة اليمنية الموحدة؛ لأن هذه الدولة بهذه الصيغة مسجلة في الأمم المتحدة، وهذا التسجيل يعبر عن تكامل الشرعية الوطنية والدولية، ويجب ألا يتجاهل أحد حقيقة قانونية ودستورية، وهي أن الشرعية الوطنية هي الأساس للشرعية الدولية، وليس العكس.
والسير على هذه المبادئ يعبر عن مصداقية كل من يدعي دعم وحدة اليمن واستقراره، كرافد حقيقي وفعال لأمن واستقرار المنطقة والعالم!
تلك الأيام المتداولة
لابد أن تولد
من رحم الشمس والقمر،
حقيقةً لا حلمًا،
شعاعًا يستوطن قلوب كل المحبين،
عنوةً واختيارًا
اقرأ أيضا للكاتب: يوميات البحث عن الحرية .. الإفقار والتجهيل… أليست على رأس كل الجرائم؟





