حب التعايش

حب التعايش
امين الجبر
الثلاثاء 3 فبراير 2026-
على مدى ثلاثة عقود من الاشتغال بالسياسة والثقافة، تعلمت—إلى جانب ما تراكم من معرفة، وما حصل من تلاقح فكري/ثقافي—قدرا من المراس في إدارة ما يمكن تسميته، ولو على سبيل الجدل، ثقافة المغايرة: حب التعايش، ضرورة التباين، حتمية الاختلاف، ودينامية الحياة ذاتها.
حيث التواحد الفكري مستحيل، والتماهي الثقافي غير ممكن، والانصهار الأيديولوجي غير وارد.
وحيث النمطية التكرارية، أيا كان مصدرها، مملة، بينما الاختلاف والتنوع سنة إلهية، شئنا أم أبينا.
ومن خلال هذه الرحلة، اكتشفت أنني ما زلت قاصرا في أشياء كثيرة:
تلميذا في الثقافة، طالبا في العلم، مراهقا في الفكر، متلقنا في العقيدة، متنطعا في السياسة.
ينفخني الإطراء، ويستفزني النقد، يربكني الاختلاف، ويفرحني الملق.
لا أبدي تناغما إلا مع من أهوى وأرغب، ولا أنسجم إلا مع من يماثلني أو يجاملني ويشبع نزعاتي وغروري.
أظهر شططا إقصائيا تجاه كل من يغايرني، وربما فجورا غير مبرر تجاه من يخاصمني؛
أثقل خصومي بكل نقيصة لأنهم ليسوا على طوع إرادتي، وأفحش في توصيفهم لأنهم عسروا الهضم على أيديولوجيتي ووجهة نظري.
وأدركت أن الخرافة ما تزال فاعلا قويا في وعي الناس، وأن الشائعة من أهم موجهات صناعة الرأي العام.
وفهمت أن منطق القوة والغلبة هو ما يبوصل الاتجاه، وربما المعتقد، وكثيرا من الإيديولوجيات.
وأن التكسب والمصلحة ديدن الغالبية، إلا من رحم ربك.
كما فقهت، عبر مواقف عديدة ومتباينة، معنى السمو الأخلاقي والثبات على القيم.
علمتني التجارب أنني بحاجة ماسة ودائمة إلى النقد الذاتي قبل النقد الموضوعي،
وإلى الصمت المتأمل قبل الإفصاح اللاغي.
وكم أنا بحاجة إلى مزيد من الصقل، والنضج، واكتساب الخبرات.
اقرأ أيضا للكاتب: من الحقيقة المطلقة إلى إقطاعيات بشرية
اقرأ أيضا: يوميات البحث عن الحرية .. عولمة الفوضى الخناقة !



