طوفان الأقصى: العقلانية والاستراتيجية وحُكم التاريخ

طوفان الأقصى: العقلانية والاستراتيجية وحُكم التاريخ

- سامي العريان
الأربعاء 7 أكتوبر 2026-
بعد مشاهدة الدمار الذي لحق بغزة، يسهل التفكير بصورة عكسية والاستنتاج أنّ أيّ قرار أعقبه مثل هذا الدمار لا بدّ أن يكون غير عقلاني. لكنّ القرارات الاستراتيجية لا يمكن تقييمها بإنصاف بهذه الطريقة.
لا يمكن فهم طوفان الأقصى وتداعيات السابع من أكتوبر خارج التاريخ الطويل للاقتلاع الفلسطيني والاحتلال والحصار والنضال. كما لا يمكن بحثه بجدّية بالانطلاق من فرضيّة أنّ على الفلسطينيين أن يبرّروا حقّهم في مقاومة نظام سلبهم حقوقهم على مدى أجيال. فهذا الحق ليس هو السؤال.
الأسئلة مختلفة. لماذا اختارت حماس هذا المسار بعينه في هذه اللحظة بالذات؟ هل كان القرار عقلانياً بالنظر إلى ما كان قادتها يعرفونه وما كان يمكن توقّعه بصورة معقولة قبل السابع من أكتوبر؟ هل كان القرار الاستراتيجي هو القرار الصحيح من بين البدائل المتاحة لهم؟ وما التقدير الاستراتيجي الذي دفعهم إلى خوض مخاطرة استثنائية كهذه؟
لا مفرّ من النظر إلى هذه الأسئلة من خلال الدمار الذي أعقب ذلك. لقد تعرّضت غزة لإبادة جماعية، كما خلصت إلى ذلك منظمة العفو الدولية، وبت سيليم، والرابطة الدولية لعلماء الإبادة الجماعية، ولجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، في حين وثّقت هيومن رايتس ووتش “الإبادة وأفعال الإبادة الجماعية.”
على مدى ثلاث سنوات، عانت غزة من دمار وخسائر على نطاق لم يكن بوسع إلا القلة تصوّره قبل السابع من أكتوبر. لكن لا يمكن للمعرفة اللاحقة أن تحلّ محلّ التحليل. يجب الحكم أولاً على عقلانية القرار على أساس ما كان صنّاع القرار يعرفونه ويخشونه ويتوقّعونه بصورة معقولة في ذلك الوقت. أما إن كان القرار صحيحاً في نهاية المطاف، فذلك سؤال مختلف، وقد يكون من السابق لأوانه الإجابة عنه.
تكشف النقاشات الداخلية لحماس في السنوات التي سبقت السابع من أكتوبر عن قيادة ازداد اقتناعها بأنّ الوضع القائم نفسه أصبح يشكّل تهديداً استراتيجياً.
(ملاحظة: نشر هذا الموقع الإسرائيلي معظم الوثائق الداخلية لحماس التي تمّ الاستيلاء عليها، والتي تتيح للمحلّلين فهماً معقولاً لكيفية تفكير قادة حماس في غزة خلال السنوات القليلة التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر. وتُظهر الوثائق ازداد اقتناعها بأنّ الوضع القائم نفسه أصبح يشكّل تهديداً استراتيجياً.)
لقد شكّلت خمسة تطوّرات ذلك التقدير: حصار غزة؛ التسارع في استعمار الضفة الغربية؛ الصراع على القدس والمسجد الأقصى؛ الأسرى الفلسطينيون داخل السجون الإسرائيلية؛ والتطبيع، ولا سيما احتمال التوصّل إلى اتفاق سعودي-إسرائيلي.
وقد قادت هذه التطوّرات مجتمعة إلى استنتاج أساسي واحد أنّ الزمن لم يكن محايداً. كان الانتظار في حدّ ذاته خياراً، ولكن حماس كانت تزداد اقتناعاً بأنه كان يقضي بصورة مطردة على الخيارات الفلسطينية.
لماذا السابع من أكتوبر؟
غزة كانت أولاً.
بحلول عام 2023، كان الحصار على غزة قد استمر لأكثر من 16 عاماً. كان أكثر من 2.2 مليون فلسطيني محاصرين في شريط ساحلي ضيّق، مع فرض قيود شديدة على الحركة والتجارة والحياة الاقتصادية والاجتماعية. وحتى قبل الحرب الحالية، بلغت البطالة نحو 44 في المئة، وتجاوزت البطالة بين الشباب 60 في المئة، وكان نحو 1.2 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات غذائية. كما ظلت الحركة من غزة وإليها مقيّدة بشدة.
واجهت حماس مشكلة استراتيجية أساسية. كانت تحكم غزة، لكنها لم تكن قادرة على إنهاء الحصار. وفرضت المواجهات الدورية أثماناً على الكيان الصهيوني، لكنها فشلت في تغيير المعادلة الأساسية. كان الدمار يتبعه إعمار محدود، وكانت المفاوضات تؤدي إلى تخفيف مؤقت، فيما بقي الحصار قائماً.
لذلك، لم يكن الخيار ببساطة بين الحرب والسلام. فالوضع القائم نفسه كان ينطوي على عنف مستمر وخنق وتدهور.
والضفة الغربية كانت تمثّل خطراً مختلفاً، لكنه لا يقل إلحاحاً.
كان التوسّع الاستيطاني يدمّر بصورة مطردة ما تبقّى من الأساس الجغرافي لإقامة دولة فلسطينية. وبحلول عام 2023، كان نحو 750 ألف مستوطن إسرائيلي يعيشون في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية. وقد أتاحت الحكومة التي شكّلها بنيامين نتنياهو في أواخر عام 2022 لشخصيات مثل بتسلئيل سموتريتش مواقع ذات نفوذ غير مسبوق على الضفة الغربية. وكان سموتريتش قد طرح علناً على الفلسطينيين ثلاثة خيارات: القبول بالحكم والهيمنة الإسرائيليين من دون تطلعات وطنية، أو الهجرة، أو مواجهة القوة المميتة إذا قاوموا.
بالنسبة لحماس، كانت الدلالة الاستراتيجية تتجاوز المستوطنات نفسها. فالزمن لم يكن بالضرورة يعمل لمصلحة الفلسطينيين. وكل عام إضافي كان يجلب مزيداً من التجزئة الجغرافية، ومزيداً من السيطرة الإسرائيلية، وفرصاً أقل لعكس هذا المسار. وفي ظل هذه الظروف، كان من الممكن أن يتحوّل الصبر الاستراتيجي في نهاية المطاف إلى شلل استراتيجي.
ثم كانت هناك القدس والأقصى.
لقد أظهرت مواجهة سيف القدس في أيار/مايو 2021، قدرة الأقصى الاستثنائية على حشد الفلسطينيين عبر الانقسامات الجغرافية والسياسية (وأيضاً المسلمين في جميع أنحاء العالم). بالنسبة لحماس، كانت المعركة تمثل شيئاً أكبر من مواجهة أخرى بين غزة والكيان الصهيوني. فقد بدت وكأنها تثبت إمكانية الربط بين غزة والقدس والضفة الغربية والفلسطينيين داخل أراضي 1948 والأسرى والشتات ضمن نضال وطني واحد.
ولقد عزّزت تطوّرات عامي 2022 و2023 مخاوف حماس. فالاقتحامات المتكرّرة للأقصى، والمواجهات مع المصلّين، والمطالب المتزايدة الحدّة من جانب القوى الدينية الفاشية الإسرائيلية بشأن الحرم، أثارت مخاوف جادّة بأنّ الترتيبات القائمة كانت تُفكّك تدريجياً السيطرة الإسلامية على الحرم. كما قدّمت تجربة المسجد الإبراهيمي في الخليل ــ الذي قُسّم أولاً ثم وُضع بصورة متزايدة تحت السيطرة الإسرائيلية ــ سابقة تنذر بالخطر. بالنسبة لحماس، بدا أنّ خطاً أحمر فلسطينياً آخر بدأ يتآكل.
كما كان الأسرى يمثّلون ضرورة استراتيجية أخرى.
كان هناك أكثر من خمسة آلاف فلسطيني محتجزين في السجون الإسرائيلية قبل السابع من أكتوبر، بينهم نساء وأطفال، فيما كان أكثر من 1200 محتجزين من دون توجيه تهم إليهم. وبعد فترة وجيزة من تولّيه منصب وزير الأمن القومي، بدأ إيتمار بن غفير بفرض قيود إضافية قاسية على الأسرى الفلسطينيين.
لكنّ تاريخ صفقات تبادل الأسرى قدّم درساً مختلفاً. فقد ضمنت صفقة جبريل عام 1985 إطلاق سراح أكثر من ألف أسير فلسطيني. كما عزّزت صفقات حزب الله مع “إسرائيل” عامي 2004 و2008 المبدأ نفسه. والأهم بالنسبة لحماس أنّ صفقة جلعاد شاليط عام 2011 أسفرت عن إطلاق سراح 1027 أسيراً فلسطينياً مقابل جندي إسرائيلي أسير واحد.
كان من الصعب تجاهل الاستنتاج البديهي: كان الأسرى يوفّرون ورقة ضغط حيث لم تكن الدبلوماسية تفعل ذلك في كثير من الأحيان. ولذلك لم يكن أسر الجنود الإسرائيليين هدفاً تمّ اختراعه في السابع من أكتوبر. بل كان جزءاً من منطق استراتيجي راسخ.
وأخيراً جاء خطر التطبيع، وربما كان ذلك التطوّر الأكثر أهمية على الإطلاق.
بحلول عام 2023، كانت حماس تشعر بقلق متزايد إزاء تحوّل إقليمي هدّد بتهميش القضية الفلسطينية بالكامل. فقد أثبتت اتفاقيات أبراهام أنّ الحكومات العربية تستطيع تطبيع العلاقات مع “إسرائيل” من دون حلّ القضية الفلسطينية. وكانت إدارة بايدن تسعى آنذاك إلى أمر أكثر أهمية بكثير: التطبيع بين السعودية والكيان الصهيوني.
ولقد أصبحت الرمزية واضحة بصورة لا لبس فيها في 22 أيلول/سبتمبر 2023، قبل السابع من أكتوبر بأسبوعين فقط. حينها وقف نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة وعرض رؤيته لـ”شرق أوسط جديد”، يتمحور حول التطبيع وممر اقتصادي يربط آسيا بأوروبا عبر المنطقة. وكانت الخريطة التي عرضها تُظهر عملياً فلسطين التاريخية باعتبارها “إسرائيل”، من دون دولة فلسطينية. بالنسبة لحماس، كان الخطر واضحاً. لم تكن فلسطين تفشل في التقدّم فحسب، بل كانت مهدّدة بأن يتمّ تجاوزها على المستوى الاستراتيجي.
ولذا كانت هذه التطوّرات مجتمعة قد شكّلت السياق الذي اتخذت فيه حماس قرارها: بقيت غزة محاصرة، في حين كانت الضفة الغربية تتعرّض للاستيطان وضمّ الأرض، وبدا الأقصى مهدّداً بصورة متزايدة، كما ظل آلاف الأسرى في السجون، فيما كان التطبيع يهدّد بدفع فلسطين أكثر فأكثر إلى هامش السياسة الإقليمية.
لا يثبت شيء من ذلك أنّ السابع من أكتوبر كان هو الردّ الوحيد القابل للتطبيق. لكنه يثبت أنّ العملية انبثقت عن حسابات سياسية واستراتيجية يمكن تحديدها، وكانت نتيجة لواقع استراتيجي آخذ في التحوّل لغير صالح القضية.
هل كان القرار عقلانياً؟
.(ex post) لا بناءً على نتائجه اللاحقة ،(ex ante) يجب الحكم على العقلانية بناءً على المعطيات السابقة للحدث.
فبعد مشاهدة الدمار الذي لحق بغزة، يسهل التفكير بصورة عكسية والاستنتاج أنّ أيّ قرار أعقبه مثل هذا الدمار لا بدّ أن يكون غير عقلاني. لكنّ القرارات الاستراتيجية لا يمكن تقييمها بإنصاف بهذه الطريقة.
وهناك أيضاً تمييز أساسي يجب الحفاظ عليه. فالمسؤولية عن الإبادة الجماعية وتدمير غزة تقع على عاتق الكيان الصهيوني ومن مكّنه. والسؤال هنا ليس ما إذا كانت المقاومة الفلسطينية قد تسبّبت في سلوك الكيان الصهيوني، بل ما إذا كانت حماس قد توقّعت الردّ بصورة كافية وأدخلته ضمن حساباتها الاستراتيجية.
كانت حماس تتوقّع بالتأكيد هجوماً إسرائيلياً هائلاً. فلا يمكن لأيّ قائد جادّ أن يعتقد أنّ “إسرائيل” ستتلقّى عملية تضمّنت اختراق محيط غزة، واجتياح مواقع عسكرية، ومقتل مئات الجنود والمستوطنين الإسرائيليين، وأسر عدد كبير من الإسرائيليين، من دون أن تشنّ حرباً كبرى. كما لا بدّ أنّ حماس توقّعت دعماً أميركياً واسعاً للكيان الإسرائيلي. فقد قدّمت الحروب الإسرائيلية السابقة على غزة أدلة وافرة على الأمرين.
لكنّ توقّع هجوم عسكري شديد يختلف اختلافاً هائلاً عن التنبؤ بالحرب غير المسبوقة التي أعقبته: حملة إبادة جماعية امتدت لسنوات؛ وتهجير ما يقرب من شعب بأكمله؛ والتدمير المادي لمساحات شاسعة من غزة؛ وحملة تجويع وحرمان نُفّذت أمام نظر العالم نفسه..
كان الدعم الأميركي نفسه متوقّعاً بالكامل؛ أما ما ثبت أنه غير مسبوق فكان حجمه ومدّته. فقد واصلت واشنطن تقديم أكثر الأسلحة تطوراً والذخائر التدميرية والمعلومات الاستخبارية والحماية الدبلوماسية، رغم تصاعد أعداد الضحايا الفلسطينيين وتزايد الإدانات الدولية. كما ظلت الحكومات الأوروبية الكبرى إلى حدّ كبير مصطفة مع “إسرائيل” والولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، بقي ردّ الحكومات العربية والإسلامية ضعيفاً بصورة مشينة. وبالطبع تمسّ هذه التطورات مباشرة التقدير الاستراتيجي الذي أجرته حماس قبل السابع من أكتوبر.
كان هناك أيضاً سؤال حول إيران وحزب الله ومحور المقاومة الأوسع. فقد أمضت حماس سنوات في تطوير هذه العلاقات والسعي إلى تنسيق أكبر بين حركات المقاومة في المنطقة. وبعد سيف القدس عام 2021، عكست نقاشاتها الداخلية اهتماماً متزايداً بربط النضال الفلسطيني بمواجهة إقليمية أوسع مع الكيان الصهيوني.
لكنّ السجل الوثائقي لا يدعم الادّعاء المبسّط بأنّ حماس أطلقت السابع من أكتوبر لأنّ إيران أو حزب الله كانا قد وعدا بالدخول في حرب إقليمية شاملة. فقد سعت حماس إلى تنسيق أعمق، وناقشت جبهات متعدّدة وعدة سيناريوهات محتملة، وأدركت أنّ الضغط من لبنان وغيره يمكن أن يعقّد الحسابات العسكرية الإسرائيلية. كان قادتها يتواصلون بنشاط مع إيران وحزب الله، لكنّ التواصل ليس تحالفاً عسكرياً ملزماً. كما أنّ الأدلة لا تثبت أنّ إيران أو حزب الله كانا يعلمان مسبقاً بتوقيت السابع من أكتوبر وتفاصيله العملياتية، ناهيك عن أنّ حماس كانت تمتلك ضماناً بأنّ أياً منهما سيدخل فوراً في حرب شاملة.
لو كانت حماس قد أطلقت العملية وهي تتوقّع دخول إيران وحزب الله فوراً في حرب إقليمية شاملة، لكان يعدّ افتراضاً مركزياً في استراتيجيتها قد فشل منذ اللحظة الأولى تقريباً. لكنّ الأدلة المتاحة تشير بدلاً من ذلك إلى توقّع ضغط إقليمي تدريجي من خلال خلق جبهات إضافية تفرض أثماناً عسكرية واستراتيجية على الكيان الصهيوني من دون أن تؤدّي بالضرورة إلى حرب شاملة فورية.
وهذا ما حدث بالفعل، وإن لم يكن بالحجم اللازم لمنع دمار غزة. فقد فتح حزب الله جبهة إسناد من لبنان. وتدخّل أنصار الله من اليمن. وهاجمت مجموعات عراقية مواقع أميركية. ودخلت إيران نفسها في نهاية المطاف في مواجهة مباشرة مع “إسرائيل” والولايات المتحدة بعد تعرّضها للهجوم.
ومن ثم، فإنّ الخطأ في الحسابات الاستراتيجية، إن وُجد، لم يكن في توقّع ردّ إسرائيلي، بل في الفشل في توقّع كيفية اجتماع عدة تطورات سلبية: هجوم إسرائيلي تجاوز تقريباً كلّ العتبات السابقة؛ ودعم عسكري ودبلوماسي غربي مستمر رغم تزايد الأدلة على الإبادة الجماعية؛ والضعف الاستثنائي للحكومات العربية والإسلامية؛ ومحدودية التنسيق بين أطراف محور المقاومة، التي فوجئت بتوقيت العملية؛ وعدم اندلاع انتفاضة واسعة في الضفة الغربية أو بين الفلسطينيين داخل الخط الأخضر.
كان بوسع حماس أن تتوقّع بصورة معقولة عدداً من هذه العقبات كلّ على حدة. أما توقّع حدوثها جميعاً بهذا الحجم، وفي وقت واحد، فقد ثبت أنه نقطة عمياء خطيرة.
ما البدائل التي كانت موجودة؟
يجب على أيّ حكم جادّ بشأن السابع من أكتوبر أن يواجه سؤالاً آخر: مقارنة بماذا؟
كانت لدى حماس بدائل. والأهم من ذلك أنّ السنوار كان قد جرّب بالفعل عدداً منها. فبعد توليه قيادة غزة عام 2017، سعى إلى المصالحة مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وعرض إعادة السلطة الإدارية في غزة إلى السلطة الفلسطينية إذا رُفع الحصار والعقوبات. وفشلت المحاولة في نهاية المطاف بسبب معارضة إسرائيلية وأميركية شديدة.
كما سعت حماس إلى ترتيبات لوقف إطلاق نار طويل الأمد من خلال الوساطة المصرية والقطرية. وفي عامي 2018 و2019، لجأ الفلسطينيون في غزة إلى حراك جماهيري سلمي إلى حدّ كبير من خلال مسيرات العودة الكبرى، لكنهم واجهوا رداً إسرائيلياً أدى إلى مقتل أكثر من 200 فلسطيني وإصابة عشرات الآلاف، نحو ربعهم من الأطفال.
كان لا يزال بإمكان حماس اختيار ضبط النفس، أو مزيد من الدبلوماسية، أو تصعيد محدود، أو مواصلة بناء القوة العسكرية، أو مجرد البقاء التنظيمي، فلقد كانت وثيقة المبادئ والسياسات العامة لعام 2017 قد أظهرت بالفعل قدراً كبيراً من المرونة السياسية بقبول إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة على حدود عام 1967 باعتبارها صيغة للتوافق الوطني، من دون الاعتراف بشرعية المشروع الصهيوني.
لكن بحلول عام 2023، كانت قيادة حماس قد راكمت سنوات من الخبرة مع هذه المسارات تحديداً، ولم ينجح أي منها في إنهاء الحصار، أو وقف التوسّع الاستيطاني، أو حماية الأقصى، أو تحرير آلاف الأسرى، أو عكس مسار التطبيع الإقليمي.
وهنا تكمن نقطة الضعف في كثير من الانتقادات اللاحقة للسابع من أكتوبر. فلإثبات أنّ القرار كان خاطئاً استراتيجياً أو غير عقلاني، لا يكفي الإشارة إلى الكارثة التي أعقبته. بل يجب تحديد البديل الواقعي الذي كان متاحاً في السادس من أكتوبر، والسؤال إلى أين كان من المرجّح أن يقود ذلك البديل.
كان الانتظار أيضاً قراراً. لكنّ حماس خلصت إلى أنّ الانتظار يعني السماح للبيئة الاستراتيجية بالتدهور إلى أن تجد المقاومة الفلسطينية نفسها في ظروف أسوأ. أما ما إذا كان هذا الاستنتاج صحيحاً، فذلك سؤال آخر. لكنّ قرار السابع من أكتوبر لم يكن غير عقلاني.
هل كان السابع من أكتوبر قراراً صحيحاً؟
هذا هو أصعب الأسئلة الثلاثة، ولا أعتقد أنه يمكن الإجابة عنه الآن بصورة نهائية..
كانت الكلفة البشرية مذهلة. فقد استشهد ما لا يقل عن 74 ألف فلسطيني، وربما آلاف آخرون، فيما أصيب أكثر من 175 ألفاً. وقد هُجّر معظم سكان غزة، وكثير منهم أكثر من مرة. كما دُمّرت عائلات وأحياء وجامعات ومدارس ومستشفيات ومساجد وكنائس، فضلاً عن جزء كبير من البنية التحتية المدنية في القطاع.
يجب على أيّ تقييم استراتيجي جادّ أن يواجه هذه الحقيقة. لكن هناك مبدأ لا يقلّ أهمية يجب عدم التفريط فيه. فالمسؤولية عن سلوك الكيان الصهيوني في غزة تقع على عاتقه ومن مكّنه ودعمه. فلا يمكن تحميل المقاومة مسؤولية الجرائم التي ترتكبها القوة التي تقاومها. وإلا فإنّ الطرف الأقوى سيحصل على حق نقض استثنائي حيث يهدّد بقدر كافٍ من الوحشية ضد السكان المدنيين، فيصبح أيّ فعل مقاوم غير مشروع استراتيجياً أو أخلاقياً بسبب العقاب الذي يُفرض بعد ذلك. لا يمكن أن يكون هذا هو المعيار.
وفي الوقت نفسه، فإنّ الإقرار بالمسؤولية عن الإبادة الجماعية لا يعفي القيادة الفلسطينية من فحص خياراتها الاستراتيجية. فحركة المقاومة ملزمة بتقييم القدرات والعواقب والبدائل والسلوك المحتمل للحلفاء والأعداء. ولهذا تحديداً يحتاج السابع من أكتوبر إلى التحليل بدلاً من الشعارات.
لقد غيّر السابع من أكتوبر القضية الفلسطينية بلا شك. فقبل ذلك اليوم، بدت فلسطين وكأنها تتجه نحو التهميش الدولي. كانت الاتفاقيات الإبراهيمية قد أرست نموذجاً إقليمياً تستطيع بموجبه الحكومات العربية تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني من دون معالجة الحقوق الفلسطينية. كان التطبيع السعودي-الإسرائيلي يتقدّم، بينما كان نتنياهو يقف أمام الأمم المتحدة ويعرض خريطة لشرق أوسط جديد اختفت منه فلسطين فعلياً.
حطّم السابع من أكتوبر ذلك المسار. وعادت فلسطين إلى قلب السياسة الدولية. وأصبح الاحتلال الإسرائيلي والاستيطان ومعاملة الفلسطينيين موضع تدقيق على نطاق عالمي لم يُشهد منذ عقود. وبدأ جيل جديد في أنحاء واسعة من العالم يطرح أسئلة لا تتعلّق بالسياسات الإسرائيلية فحسب، بل بطبيعة ومفهوم الصهيونية والاستعمار الاستيطاني والنكبة والنظام السياسي المفروض على الفلسطينيين.
كما كشفت الحرب تناقضات عميقة داخل النظام الدولي الذي يقوده الغرب. فقد واجهت المؤسسات التي أُنشئت للدفاع عن القانون الدولي اختباراً تمتد آثاره على شرعيتها إلى ما هو أبعد من فلسطين. تعطّل مسار التطبيع الإقليمي، كما تغيّر الخطاب العالمي بصورة كبيرة، رغم أنّ سياسات الحكومات ظلت متأخّرة عنه إلى حدّ بعيد.
لكنّ هذا التحوّل ليس انتصاراً نهائياً.
لقد دفعت غزة ثمناً يكاد يفوق التصوّر. وتكبّد المجتمع الفلسطيني خسائر هائلة. ولا يزال ميزان القوى الإقليمي غير محسوم. ولا تزال النتائج المترتبة على حماس والحركة الوطنية الفلسطينية والكيان الصهيوني والشرق الأوسط الأوسع تتكشّف باستمرار.
ولهذا تحديداً، من السابق لأوانه إعلان السابع من أكتوبر إما انتصاراً استراتيجياً تاريخياً أو فشلاً استراتيجياً كارثياً. فالتاريخ نادراً ما يصدر أحكاماً على أحداث بهذا الحجم بينما لا تزال نتائجها تتكشّف.
بدت الثورة الفلسطينية عام 1936 مهزومة بحلول عام 1939. وأفضت الانتفاضة الأولى في نهاية المطاف إلى أوسلو، التي احتفى بها كثيرون في البداية باعتبارها اختراقاً تاريخياً، لكنها ارتبطت لاحقاً بالتجزئة والتنسيق الأمني وتوسّع المستوطنات وفشل المسار السياسي. فالأحداث التاريخية تكتسب معناها الكامل من خلال نتائج قد تستغرق سنوات، وأحياناً عقوداً، حتى تظهر.
ويقدّم التاريخ أمثلة كثيرة لشعوب تحمّلت معاناة استثنائية في نضالات ضد الغزو والاحتلال والهيمنة الأجنبية من دون أن تحدّد تلك المعاناة النتيجة التاريخية النهائية. فقد خسر الاتحاد السوفياتي أكثر من 20 مليون إنسان في هزيمة ألمانيا النازية. وخسرت فيتنام ملايين البشر خلال عقود من الحرب ضد الاستعمار الفرنسي والتدخّل الأميركي قبل تحقيق الوحدة والاستقلال. كما تحمّلت أفغانستان عقدين من الاحتلال الأميركي، بكلفة بشرية هائلة، قبل أن تنسحب القوات الأميركية أخيراً عام 2021.
قد تكون هذه التجارب مختلفة إلى حدّ كبير، وربما لا ينبغي مقارنة أيّ منها بفلسطين بصورة آلية. لكنها توضح نقطة مهمة: إنّ حجم معاناة شعب ما لا يمكن، في حدّ ذاته، أن يحدّد ما إذا كان قرار المقاومة خاطئاً من الناحية الاستراتيجية. فذلك الحكم يعتمد في النهاية على ما يحقّقه النضال، والبدائل التي كانت موجودة، وكيف تتكشّف نتائجه بمرور الزمن.
قد يُحكم على السابع من أكتوبر في نهاية المطاف باعتباره خطأً فادحاً في الحسابات الاستراتيجية. لكنه قد يُذكر بدلاً من ذلك باعتباره اللحظة التي تحطّم فيها نظام سياسي وإقليمي لم يعد قابلاً للاستمرار، وأُعيدت فيها القضية الفلسطينية إلى مسرح التاريخ.
أما ما يمكن قوله بالفعل بدرجة أكبر من الثقة فهو أنّ القرار انبثق عن تقدير استراتيجي متماسك. فقد خلصت حماس إلى أنّ الوضع القائم لم يكن قابلاً للاستمرار لأنّ الزمن كان يضيّق الخيارات الفلسطينية بصورة مطردة. واختارت قيادتها كسر ذلك المسار.
أما ما إذا كانت قد أحسنت حساب الثمن، فذلك أمر آخر. فتوقّع ردّ عسكري شديد شيء؛ وتوقّع حملة إبادة جماعية تجاوزت كلّ العتبات التاريخية للدمار شيء آخر تماماً. كما أنه ليس من الواضح أنها توقعت بصورة غير مسبوقة حجم الدعم الغربي اللامتناهي المستمر للكيان الصهيوني، أو ضعف استجابات الحكومات العربية والإسلامية، أو حدود التدخّل العسكري الإقليمي، أو محدودية الانتفاضات في الضفة الغربية وبين الفلسطينيين داخل أراضي 1948.
يتطلّب السابع من أكتوبر دراسة جادّة بوصفه قراراً استراتيجياً. فلا يمكن اختزاله في انفجار عنف غير قابل للتفسير، ولكن لا ينبغي أيضاً وضعه فوق النقد. فالمهمة عندنا هي إعادة بناء ما كانت حماس تعرفه، وما كانت تخشاه، وما البدائل التي كانت لا تزال قائمة، وما كانت تتوقّعه من ردّ فعل الكيان الإسرائيلي، والشعب الفلسطيني، ومحور المقاومة، والعالمين العربي والإسلامي، والنظام الدولي ــ ثمّ مقارنة تلك التوقّعات بما حدث فعلاً.
قد يكون هذا يكفي للبدء في الحكم على ما إذا كان القرار عقلانياً. أما ما إذا كان صحيحاً في نهاية المطاف، فذلك يتطلّب شيئاً آخر وهو معرفة أين يقف النضال الفلسطيني بعد أن تتكشّف النتائج التاريخية للسابع من أكتوبر بالكامل.
لم نصل بعد إلى تلك اللحظة، حيث ما زال حُكم التاريخ مفتوحاً.

سامي العريان- مدير مركز دراسات الإسلام والشؤون الدولية
المصدر- الميادين


