الإنسان.. وتكامل أدوار الحياة.. حين يعجز التخصص عن إصلاح الحنفية

الإنسان.. وتكامل أدوار الحياة.. حين يعجز التخصص عن إصلاح الحنفية
- أمين الجبر
الأحد 9 أغسطس 2026-
قد يتميز الإنسان علميا بالاجتهاد والمثابرة، ويرتقي ثقافيا بالمراس وسعة الاطلاع، وينضج فكريا بالقراءة والتأمل، بل وقد يبلغ من النضج العقلي والفلسفي ما يجعله قادرا على مقاربة أعقد القضايا وأشدها استعصاء.
ومع ذلك، يظل ثمة قصور يعتريه في بعض جوانب حياته، وفجوة تفصل بين ما يجيده نظريا وما يستطيع إنجازه عمليا. فقد ينجح مهنيا، ويحقق مراتب متقدمة في مجاله الأكاديمي، ويبرع في تخصصه، لكنه قد يعجز في المقابل عن إصلاح أبسط الأشياء التي يحتاجها في حياته اليومية.
وقد يستطيع إنجاز أعمال كبيرة ومعقدة، ويقف عاجزا أمام أمور في غاية البساطة.
وهذه ليست مفارقة غريبة، ولا عيبا استثنائيا في الإنسان، بقدر ما هي سنة من سنن الحياة، وحقيقة من حقائق الوجود الإنساني. فالإنسان لم يُخلق مكتمل القدرات، ولا مستغنيا عن غيره، وإنما خُلق محتاجا، متنوع المواهب، متفاوت القدرات؛ لكي تقوم الحياة على التكامل والتعاون، ويتوزع الناس فيها الأدوار والاختصاصات.
ولعل أجمل ما في هذه الفكرة أن الإنسان لا يحتاج إلى الآخرين رغم نقصه فحسب، وإنما يحتاج إليهم بسبب تميزهم أيضا. فلو كان كل إنسان قادرا على فعل كل شيء، ولديه من المهارات ما يغنيه عن غيره، لما كان للتخصص معنى، ولما نشأت الحاجة إلى الطبيب والمهندس والحرفي والمعلم والنجار والكهربائي وغيرهم من أصحاب المهن والمهارات.
ولو أن الناس جميعا امتهنوا مهنة واحدة، أو امتلكوا القدرات ذاتها، لاستحالت الحياة إلى نمطية مكررة، ولتوقفت عجلة التطور، ولما أمكن للمجتمع أن ينهض بهذا التنوع الهائل في حاجاته ووظائفه.
ولذلك، قد تجد أكاديميا بارعا في تخصصه، يقرأ عشرات الكتب، ويخوض في أدق المسائل العلمية والفكرية، لكنه لا يعرف كيف يصلح عطلا بسيطا في منزله؛ وقد تجد أستاذا جامعيا مرموقا يستطيع مناقشة قضية فلسفية معقدة لساعات، لكنه يقف حائرا أمام حنفية مكسورة، أو مصباح معطل، أو باب يحتاج إلى إصلاح.
وهنا تحضرني حكاية أحد الأكاديميين المعروفين، الذي بدا متميزا في تخصصه وناجحا في مهنته، لكنه ظل عاجزا عن معالجة بعض الأعطال البسيطة في دورة المياه الخاصة به. فتعطل الباب، وانكسرت الحنفية، وانطفأ المصباح، وكلما وعد بإصلاح أحدها طال الانتظار، وكثر التسويف، حتى تحولت المسألة إلى مادة للتندر بين بعض زواره ومعارفه.
ولم ينته الأمر إلا حين تطوع أحد أقاربه لإصلاح تلك الأعطال، بعدما طال انتظار الدكتور، ويئس المحيطون به من أن يبادر إلى إنجاز ما ظل يؤجله.
قد تبدو الحكاية في ظاهرها طريفة، لكنها في جوهرها تحمل معنى أعمق بكثير من حكاية حنفية وباب ومصباح.
فهي تذكرنا بأن الإنسان، مهما بلغ من العلم، ومهما علا شأنه في تخصصه، ليس مكتفيا بذاته، ولا قادرا على الاستغناء عن الآخرين. وأن التفوق في مجال لا يعني بالضرورة التفوق في كل المجالات.
فالطبيب يحتاج إلى المهندس، والأستاذ يحتاج إلى الحرفي، والمهندس يحتاج إلى المزارع، والمثقف يحتاج إلى التقني، وكل واحد منا يحتاج، في تفاصيل حياته اليومية، إلى أناس قد لا نعرف أسماءهم، لكننا لا نستطيع الاستغناء عن أدوارهم.
إن قيمة الإنسان ليست في أن يجيد كل شيء، وإنما في أن يعرف ما يجيده، وما لا يجيده؛ وأن يحترم تخصص الآخرين كما يحب أن يحترم الناس تخصصه.
وهنا تكمن فلسفة الحياة: لا أحد يكتمل وحده، ولا أحد يستغني عن غيره.
إنها حتمية التكامل، وشرطية التطور، وسر استمرار الحياة.
ولعل الحنفية المكسورة في دورة مياه ذلك الأكاديمي، أكثر من مجرد حنفية؛ إنها تذكير صغير بأن أكبر العقول قد تحتاج أحيانا إلى أبسط الأيدي، وأن أعظم التخصصات لا تلغي الحاجة إلى صاحب الحرفة، وأن الإنسان، مهما بلغ، يظل جزءا من منظومة بشرية لا تستقيم إلا بتكامل أدوارها.
فليس العيب أن تعجز عن إصلاح الحنفية، وإنما العيب أن تتوهم أنك تستطيع إصلاح كل شيء.
اقرأ أيضا: خيبة الرهان… حين ينتصر المصفقون





