كتابات فكرية

ثلاثة أعوام على طوفان الأقصى.. حين تحولت فلسطين إلى ميزان لفرز المواقف وكشف التحالفات

ثلاثة أعوام على طوفان الأقصى.. حين تحولت فلسطين إلى ميزان لفرز المواقف وكشف التحالفات

بقلم: د. عبدالرحمن المؤلف

الأربعاء 7 أكتوبر 2026-

لم يعد 7 أكتوبر 2023 مجرد تاريخ في روزنامة الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، بل أصبح نقطة فاصلة في تاريخ المنطقة. فمنذ عملية «طوفان الأقصى» دخل الصراع مرحلة مختلفة، وسقطت خلالها الكثير من الصور النمطية التي استقرت في الوعي السياسي العربي لعقود؛ صورة «إسرائيل التي لا تُهزم»، وصورة الولايات المتحدة بوصفها وسيطًا يمكنه الوقوف على مسافة واحدة من أطراف الصراع، وصورة النظام الإقليمي العربي القادر على التأثير في مسار الأحداث عندما تتعرض فلسطين لأكبر اختبار في تاريخها الحديث.

وفي الذكرى الثالثة للعملية، تأتي كلمة السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي لتطرح قراءة شاملة لهذه المرحلة من زاوية يمنية ترى أن ما جرى لم يكن مجرد مواجهة عسكرية بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، وإنما اختبارًا حقيقيًا للأمة، وفرزًا للمواقف، وكشفًا لطبيعة الاصطفافات الإقليمية والدولية.

واللافت في هذه القراءة أنها لا تتوقف عند السؤال: ماذا حدث في 7 أكتوبر؟ بل تتجاوزه إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا كشفت السنوات الثلاث التي تلت طوفان الأقصى عن حقيقة القوى والمواقف والتحالفات في المنطقة؟

طوفان الأقصى.. كسر صورة الردع الإسرائيلي

وفق القراءة التي قدمها السيد القائد، فإن «طوفان الأقصى» مثّل أكبر ملحمة جهادية في تاريخ الشعب الفلسطيني منذ الاحتلال، وأن نجاح العملية في اختراق المنظومة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية أحدث هزة غير مسبوقة داخل الكيان.

والثابت أن 7 أكتوبر أحدث تحولًا استراتيجيًا في معادلة الصراع.

فإسرائيل التي بنت جزءًا كبيرًا من أمنها القومي على مفهوم الردع المتفوق، وجدت نفسها أمام عملية واسعة النطاق نفذتها فصائل فلسطينية داخل المناطق التي كانت تعتبرها شديدة التحصين، ثم تحولت العملية إلى حرب إقليمية مفتوحة امتدت آثارها إلى لبنان واليمن والعراق وإيران والبحر الأحمر.

وهنا تكمن أهمية «طوفان الأقصى» من المنظور اليمني: فهو لم يغيّر شكل المعركة الفلسطينية فحسب، بل أعاد تعريف حدود الصراع نفسه.

فالجبهة لم تعد محصورة في غزة.

لبنان دخل المعركة عبر جبهة الإسناد، والعراق شهد عمليات ضد المصالح والقواعد الأمريكية، وإيران دخلت في مواجهة مباشرة وغير مباشرة مع إسرائيل والولايات المتحدة، بينما فتحت صنعاء جبهة البحر الأحمر وباب المندب، معلنة أن الحرب على غزة لن تبقى شأنًا فلسطينيًا داخليًا.

من الحرب على غزة إلى معركة على صورة النظام الدولي

أحد أهم أبعاد السنوات الثلاث الماضية أن الحرب لم تجرِ في فراغ سياسي.

منذ الأيام الأولى، تحركت الولايات المتحدة ودول غربية رئيسية لتقديم الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل. وفي المقابل، واجه الفلسطينيون حربًا اتسمت بدمار هائل ونزوح واسع وتدهور شديد في الأوضاع الإنسانية.

وفي هذا السياق، لم يعد الحديث عن الانتهاكات الإسرائيلية مجرد خطاب سياسي صادر عن المقاومة أو عن خصوم إسرائيل.

المؤسسات القضائية الدولية دخلت على خط الأزمة.

فمحكمة العدل الدولية أصدرت منذ يناير 2024 تدابير مؤقتة في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، وألزمت إسرائيل باتخاذ تدابير لمنع الأفعال التي تدخل ضمن نطاق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، ثم أصدرت المحكمة تدابير إضافية لاحقًا مع تدهور الوضع الإنساني في غزة.

كما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر 2024 مذكرات توقيف بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت، وقالت إن لديها أسبابًا معقولة للاعتقاد بمسؤوليتهما عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بينها التجويع كأسلوب من أساليب الحرب وتوجيه هجمات ضد السكان المدنيين.

وهذه التطورات لا تعني، من الناحية القانونية، أن المحاكم الدولية أصدرت حكمًا نهائيًا بإدانة إسرائيل بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية؛ لكن مجرد انتقال الملف من المجال السياسي إلى المجال القضائي الدولي يمثل تحولًا مهمًا في مسار المساءلة.

وهنا تبرز إحدى النقاط المركزية في خطاب  السيد القائد السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي أن الحرب على غزة لم تكشف فقط حجم العنف العسكري، وإنما كشفت أيضًا حدود الخطاب الغربي التقليدي حول حقوق الإنسان والقانون الدولي.

غزة.. عندما أصبح التجويع جزءًا من المعركة

لم يكن الدمار وحده هو عنوان الحرب.

فالحصار ونقص الغذاء والدواء والوقود والمياه أصبحت من أكثر الملفات حساسية في الحرب على غزة.

وقد وثقت الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال مراحل مختلفة من الحرب مستويات كارثية من انعدام الأمن الغذائي، بينما حذرت مبادرات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي من خطر المجاعة على نطاق واسع.

وفي عام 2025، حذرت منظومة IPC من أن كامل سكان غزة كانوا يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، مع وجود مئات الآلاف في مرحلة الكارثة أو خطر المجاعة.

أما في عام 2026، فما زالت المنظمات الدولية تصف الوضع الإنساني والصحي في الأراضي الفلسطينية المحتلة بأنه شديد الخطورة، فيما تؤكد اليونيسف أن نحو 84% من سكان غزة كانوا يعيشون في مواقع نزوح مكتظة أو مساكن متضررة وغير ملائمة في سبتمبر 2026.

وهذا هو الجانب الذي يؤكد عليه خطاب السيد القائد السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي بشدة: أن معركة غزة لم تكن معركة عسكرية فقط، بل معركة على شروط الحياة نفسها.

الغرب أمام اختبار غزة

ربما تكون إحدى أكثر النتائج السياسية أهمية لطوفان الأقصى هي اتساع المسافة بين الخطاب الغربي التقليدي والممارسة الفعلية على الأرض.

فالولايات المتحدة والدول الغربية التي تتحدث باستمرار عن القانون الدولي وحقوق الإنسان والديمقراطية، وجدت نفسها أمام اختبار مباشر يتعلق بسياساتها تجاه الحرب الإسرائيلية.

وبالنسبة إلى السيد القائد السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي و حكومة صنعاء، فإن هذا التناقض ليس تفصيلًا سياسيًا عابرًا؛ بل يمثل كشفًا لبنية النظام الدولي كونها منظومة تسمح باستخدام معايير مزدوجة عندما يتعلق الأمر بفلسطين.

ومن هنا جاء حديث السيد القائد عن أن طوفان الأقصى أسهم في إعادة تشكيل وعي أجيال جديدة تجاه الغرب.

والواقع أن هذا التحول قد ظهر في المجتمعات و المدن الغربية. فقد شهدت جامعات ومدن غربية احتجاجات واسعة ضد الحرب، وبرزت حركة سياسية وشعبية متنامية تطالب بوقف الحرب ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

وهكذا تحولت غزة، paradoxically، إلى ساحة مواجهة على مستوى السياسية والأخلاقية، وليس فقط على المستوى العسكري.

الأمة أمام امتحان فلسطين

في قلب خطاب السيد القائد ركز بشدة على مفهوم «الفرز».

والمقصود هنا أن طوفان الأقصى كشف حقيقة المواقف العربية والإسلامية أكثر مما كشفتها البيانات والقمم والمؤتمرات.

فالمعيار، لم يعد ما تقوله الحكومات عن فلسطين، وإنما ما تفعله عندما تتعرض غزة للإبادة والحصار.

ومن هنا جاء النقد الحاد للموقف الرسمي العربي، ولا سيما العدو السعودي، التي اكتفت بمواقف وبيانات سياسية ولم تنتقل إلى مستوى الفعل الذي يمكن أن يغير كلفة الحرب على إسرائيل.

ويجب هنا التمييز بين الموقف السياسي والوقائع القابلة للإثبات: العدو السعودي أعلن رسميًا مواقف داعمة لوقف الحرب ولقيام دولة فلسطينية، لكنه في الوقت نفسه لم يستخدم أيا من أدوات الضغط التي بيده لتنفيذ تلك المواقف المعلنة.

وهذا تحديدًا هو جوهر الخلاف الذي يطرحه السيد القائد: هل تكفي البيانات عندما تكون غزة تحت النار؟

ومن وجهة نظر صنعاء، الجواب واضح: لا.

العدو السعودي في مرآة صنعاء

الانتقاد اليمني ل العدو لسعودي لا يبدأ في 7 أكتوبر 2023، بل يمتد إلى الحرب التي بدأت في اليمن في مارس 2015.

ولهذا فإن خطاب صنعاء ينظر إلى الموقف السعودي من غزة من خلال تاريخ طويل من الصراع بين الطرفين، وهنا لا يمكن فصل الموقف السعودي من فلسطين عن الموقف السعودي من اليمن، ولا يمكن فصل السياسة السعودية تجاه حزب الله وإيران والعراق وسوريا عن الصراع الأوسع على شكل المنطقة.

ومن هنا جاء بيان السيد القائد للرياض بأنها تتحرك ضمن المظلة الأمريكية، وأن سياستها تجاه اليمن تخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية.

وأما المؤكد، فهو أن العلاقة الأمنية والاستراتيجية بين السعودية والولايات المتحدة عميقة، وأن واشنطن قدمت على مدى سنوات دعمًا عسكريًا واستخباراتيًا للسعودية في سياق الحرب اليمنية، كما أن مسألة أمن البحر الأحمر واليمن عادت بقوة إلى الحسابات السعودية والأمريكية خلال السنوات الأخيرة.

اليمن.. من التضامن الشعبي إلى الإسناد العسكري

إذا كان خطاب السيد القائد السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي قد وضح ان العدو السعودي قام؟ بالتقصير تجاه فلسطين بل التآمر، فإنه يقدم التجربة اليمنية باعتبارها النقيض.

منذ الأيام الأولى للحرب على غزة، أعلنت صنعاء موقفًا سياسيًا واضحًا، ثم انتقلت إلى خطوات عسكرية في البحر الأحمر وباب المندب، ربطتها بصورة مباشرة بالحرب على غزة.

ومن منظور حكومة صنعاء، لم يكن الهدف من هذه العمليات فتح حرب منفصلة، وإنما ممارسة الضغط على إسرائيل وإسناد الشعب الفلسطيني عبر استهداف السفن المرتبطة بإسرائيل أو متجهة إلى موانئها.

وبذلك أصبحت الجبهة اليمنية أحد أكثر الملفات تأثيرًا في المعادلة الإقليمية.

فالبحر الأحمر ليس ممرًا بحريًا هامشيًا؛ بل أحد الممرات التجارية والاستراتيجية المهمة في العالم. ولذلك فإن انتقال الحرب إلى هذه المنطقة وضع الولايات المتحدة وبريطانيا أمام معادلة مختلفة: كيف يمكن حماية حركة ملاحة سفن الاحتلال الصهيوني دون الانجرار إلى حرب برية أو إقليمية واسعة؟

وهنا تحديدًا ترى صنعاء أن موقفها أثبت أن الجغرافيا اليمنية يمكن أن تتحول من نقطة ضعف إلى عنصر قوة استراتيجية.

جبهات الإسناد.. المعادلة التي لم تعد إسرائيل قادرة على تجاهلها

أهم ما أفرزته الحرب هو أن إسرائيل لم تعد تواجه جبهة واحدة.

في الشمال كانت هناك جبهة لبنان.

وفي الشرق كانت هناك عمليات مرتبطة بالعراق.

وفي الجنوب كان البحر الأحمر واليمن.

أما إيران، فقد انتقلت المواجهة معها إلى مستوى أكثر مباشرة في مراحل متعددة من الصراع.

وهذا التعدد في الجبهات فرض على إسرائيل إعادة توزيع مواردها العسكرية والاستخباراتية والدفاعية.

ومن هنا يمكن فهم إصرار صنعاء على أن «محور الجهاد والمقاومة» لم يعد مجرد مفهوم سياسي، بل أصبح بنية إقليمية متعددة الساحات.

لكن الأهم أن هذه البنية لم تعمل بطريقة واحدة؛ فلكل ساحة حساباتها المحلية، ولكل طرف قراره المستقل، وإن كانت القضية الفلسطينية تمثل القاسم المشترك الذي يربط هذه الجبهات.

حزب الله.. جبهة دفعت ثمنًا باهظًا

أفرد السيد القائد مساحة كبيرة في خطابه لحزب الله في لبنان، مستذكرًا الشهداء والقيادات التي فقدها الحزب خلال المواجهة مع إسرائيل.

ومن منظور صنعاء، فإن استمرار جبهة لبنان بعد 7 أكتوبر يمثل أحد أهم عوامل الضغط على إسرائيل.

والأهم أن الصراع حول حزب الله لم يعد عسكريًا فقط، بل أصبح سياسيًا أيضًا.

فخلال السنوات الماضية تصاعد الضغط الداخلي والدولي على لبنان بشأن سلاح الحزب ودوره العسكري، وبرزت ضغوط أمريكية وسعودية ودولية في هذا الملف.

وهنا تتقاطع الرؤية اليمنية مع قراءة أوسع ترى أن مستقبل حزب الله أصبح جزءًا من الصراع على مستقبل النظام الإقليمي كله.

فإذا تمكنت إسرائيل وحلفاؤها من إنهاء قدرة حزب الله العسكرية، فإن ذلك سيعيد رسم توازنات الشرق الأوسط بصورة عميقة.

أما إذا احتفظ الحزب بقدرته على الردع، فإن معادلة ما بعد 7 أكتوبر ستظل قائمة.

إيران.. الخصم الذي لم يعد بعيدًا عن خطوط النار

في خطاب صنعاء، تظهر الجمهورية الإسلامية باعتبارها الطرف الذي واجه الولايات المتحدة وإسرائيل وقدم دعمًا للمقاومة الفلسطينية واللبنانية والعراقية.

وهذه الرؤية تضع إيران في قلب معادلة الصراع الإقليمي.

لكن اللافت في السنوات الثلاث الماضية أن المواجهة الإيرانية ـ الإسرائيلية لم تعد محكومة دائمًا بقواعد الحرب غير المباشرة.

فقد انتقلت المواجهة في مراحل مختلفة إلى ضربات مباشرة متبادلة، وهو تطور يعني أن المنطقة أصبحت أقرب إلى مواجهة إقليمية شاملة مما كانت عليه قبل 7 أكتوبر.

ومن منظور صنعاء، فإن هذه المواجهة تثبت أن الصراع لم يعد فلسطينيًا ـ إسرائيليًا فقط، وإنما صراع على مستقبل المنطقة ونظامها الأمني والسياسي.

العراق.. المقاومة كعامل ضغط

أما العراق، فقد ظهر في خطاب السيد القائد باعتباره مثالًا على أن المقاومة يمكن أن تنتج نتائج استراتيجية بعيدة المدى، مستشهدًا بخروج القوات الأمريكية من العراق.

والرسالة هنا تتجاوز العراق نفسه:

القوة الأمريكية ليست قدرًا أبديًا في المنطقة.

هذه الفكرة تتكرر في الخطاب السياسي اليمني منذ سنوات، وتقوم على أن استمرار الوجود الأمريكي في المنطقة مرتبط بقدرة واشنطن على حماية مصالحها بأقل تكلفة ممكنة.

وكلما ارتفعت كلفة هذا الوجود، أصبحت خيارات الانسحاب أو إعادة الانتشار أكثر حضورًا.

ثلاث سنوات غيّرت صورة إسرائيل

من أهم نتائج طوفان الأقصى، وفق القراءة اليمنية، أن إسرائيل لم تعد قادرة على تقديم نفسها أمام العالم بالصورة التي حافظت عليها لعقود.

فالمشاهد القادمة من غزة، والدمار واسع النطاق، والضحايا المدنيون، والحصار، والتجويع، والاستهدافات التي وثقتها منظمات دولية، جعلت الرواية الإسرائيلية موضع صدام عالمي غير مسبوق.

والأهم أن الأمر وصل إلى المؤسسات القضائية الدولية.

وهنا لا بد من التوقف عند نقطة دقيقة: انكشاف صورة إسرائيل سياسيًا وأخلاقيًا لا يعني انتهاء قدرتها العسكرية.

إسرائيل ما زالت تمتلك جيشًا متقدمًا، وتتمتع بدعم أمريكي واسع، وتملك تفوقًا تكنولوجيًا وعسكريًا كبيرًا.

لكن المشكلة بالنسبة إليها أن التفوق العسكري لم يعد قادرًا وحده على إنتاج الشرعية.

وهذا ربما يكون أحد أكبر التحولات التي أنتجها 7 أكتوبر.

ماذا بقي من أهداف الحرب؟

بعد ثلاثة أعوام، يبرز السؤال الأكثر صعوبة:

ماذا حققت الحرب؟

من الناحية الإسرائيلية، كان من أبرز الأهداف المعلنة القضاء على قدرة حماس العسكرية، واستعادة الأسرى، وضمان ألا تتكرر عملية 7 أكتوبر.

أما من الناحية الفلسطينية، فقد بقيت المقاومة موجودة رغم حجم الدمار الهائل الذي تعرض له قطاع غزة.

وفي المقابل، دفعت إسرائيل ثمنًا سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا متزايدًا، وتعرضت صورتها الدولية لضرر بالغ.

أما إقليميًا، فقد توسعت دائرة الصراع بدل أن تنحصر.

وهنا يمكن القول إن إحدى مفارقات «طوفان الأقصى» أن العملية التي بدأت من قطاع غزة أعادت تشكيل الحسابات الأمنية من طهران إلى بيروت وبغداد وصنعاء والبحر الأحمر.

صنعاء: فلسطين ليست ملفًا خارجيًا

منذ 7 أكتوبر، تعاملت حكومة صنعاء مع فلسطين باعتبارها قضية مركزية في سياستها الخارجية والأمنية.

وهذا الموقف لم يقتصر على الخطاب.

فقد شهدت صنعاء ومدن يمنية أخرى فعاليات جماهيرية ضخمة بصورة منتظمة، بالتوازي مع العمليات العسكرية التي أعلنتها القوات المسلحة اليمنية في البحر الأحمر.

وفي خطاب السيد القائد، يظهر هذا المسار باعتباره امتدادًا لموقف يمني أوسع: شعب يرى أن نصرة فلسطين واجب ديني وأخلاقي وإنساني، وأن اليمن لا يستطيع ـ وفق هذا التصور ـ أن يتعامل مع غزة باعتبارها أزمة بعيدة جغرافيًا.

ومن هنا جاءت العبارة التي تختصر فلسفة الموقف اليمني:

اليمن لا يرى نفسه مراقبًا للحرب، بل طرفًا في معادلة الإسناد.

العدو السعودي واليمن.. عودة الصراع إلى نقطة الاختبار

الجانب الآخر من خطاب السيد القائد هو الملف اليمني الداخلي.

فبعد سنوات من الحرب والحصار، يؤكد الخطاب أن خفض التصعيد الذي بدأ عام 2022 لم يؤدِ إلى تسوية سياسية شاملة، وأن صنعاء استثمرت فترة التهدئة في تعزيز قدراتها وفي دعم فلسطين.

وفي المقابل، ان العدو السعودي قام باستثمار المرحلة نفسها في إعادة بناء تحالفاته وترتيب أوراقه الإقليمية. ل الدخول في حرب جديدة على اليمن

و إن التطورات العسكرية المتسارعة في أكتوبر 2026 أعادت اليمن إلى واجهة الصراع الإقليمي، مع عودة المواجهات وتدخل العدو السعودي بصورة مباشرة في الحرب و دعم قوات المرتزقة ضدّ صنعاء.

وهذا يجعل الرسالة التي يكررها السيد القائد أكثر وضوحًا:

أي محاولة لإعادة إنتاج الحرب على اليمن ستعيد معها كل أدوات الردع اليمنية التي تطورت منذ 2015.

بين غزة واليمن.. معادلة واحدة في نظر صنعاء

في الرؤية التي تقدمها حكومة صنعاء، لا توجد حدود صلبة بين معركة غزة والمعركة اليمنية.

فالحصار على اليمن، والوجود الأمريكي في المنطقة، والدعم الغربي لإسرائيل، والضغط على المقاومة اللبنانية والفلسطينية، والحرب الاقتصادية على صنعاء، كلها أجزاء من منظومة واحدة.

ولهذا فإن إنهاء الحرب على غزة، من وجهة النظر اليمنية، لا يمكن أن يكون مجرد وقف مؤقت لإطلاق النار.

بل يجب أن يرتبط بإنهاء الاحتلال، ووقف العدوان، ورفع الحصار، وضمان الحقوق الفلسطينية.

وبالمثل، فإن إنهاء الصراع اليمني ـ السعودي، وفق هذه الرؤية، لا يمكن أن يتحقق عبر ترتيبات أمنية مؤقتة، وإنما عبر إنهاء الحصار واحترام السيادة اليمنية ومعالجة الملفات الاقتصادية والإنسانية.

طوفان الأقصى كاختبار للمستقبل

بعد ثلاثة أعوام، لم يعد السؤال الحقيقي: هل انتهت حرب غزة؟

السؤال الأهم هو: ما الذي تغيّر في المنطقة بحيث أصبح من الصعب العودة إلى ما قبل 7 أكتوبر؟

لقد تغيرت معادلة الردع.

توسعت جبهات الصراع.

دخل البحر الأحمر في الحسابات العسكرية الدولية.

تحولت القضية الفلسطينية إلى ملف مركزي في السياسة الدولية.

وصلت إسرائيل إلى مواجهة قانونية دولية غير مسبوقة.

تغيرت صورة إسرائيل لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي.

وفي المقابل، أثبتت المقاومة الفلسطينية قدرتها على الصمود رغم الفارق الهائل في الإمكانات.

أما اليمن، فقد اختار أن يحوّل موقفه السياسي من فلسطين إلى سياسة إسناد عسكرية مباشرة، مدفوعًا بما يعتبره واجبًا دينيًا وقوميًا وإنسانيًا.

الخلاصة: ثلاث سنوات من الفرز

يمكن اختصار السنوات الثلاث الماضية في كلمة واحدة: الفرز.

فرز بين من رأى في فلسطين قضية مركزية ومن تعامل معها كملف دبلوماسي.

فرز بين من اكتفى بالبيانات ومن انتقل إلى الفعل.

فرز بين من رأى المقاومة عبئًا ومن اعتبرها خط الدفاع الأول عن المنطقة.

وفرز، قبل ذلك كله، بين خطاب يتحدث عن حقوق الإنسان وممارسة سياسية تكشف حدود هذا الخطاب عندما يتعلق الأمر بفلسطين.

وفي هذه الصورة، ترى صنعاء أنها اختارت موقعها مبكرًا وبوضوح: الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني، ورفض التعامل مع الاحتلال كأمر طبيعي، وربط أمن اليمن بأمن المنطقة، واستخدام ما تملكه من أوراق سياسية وعسكرية للضغط من أجل وقف الحرب على غزة.

 و اصبح من الصعب تجاهل حقيقة أساسية فرضتها السنوات الثلاث الماضية:

فلسطين عادت إلى مركز الصراع الإقليمي، واليمن أصبح واحدًا من القوى التن لا يمكن تجاوز مواقفها عند رسم معادلات المنطقة.

ولهذا فإن الذكرى الثالثة لطوفان الأقصى ليست مجرد مناسبة لاستعادة أحداث 7 أكتوبر.

إنها مناسبة لقراءة ما بعده.

وما بعده، كما تكشف الوقائع، ليس هو الشرق الأوسط الذي كان قائمًا قبله.

 اقرأ أيضا:طوفان الأقصى: العقلانية والاستراتيجية وحُكم التاريخ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى