نافذة على كتاب

قراءة في كتاب “نتاجي” لفتحي القطاع .. حين يتحول السرد إلى وطنٍ موازٍ

قراءة في كتاب “نتاجي” لفتحي القطاع .. حين يتحول السرد إلى وطنٍ موازٍ

  • حسن الدولة

الجمعة 13 فبراير 2026-

اهداني الصديق الأستاذ فتحي القطاع المقيم في “كندا” كتابه الموسوم ب: ” نتاجي – ما الفته ونشرته في موقعي يزن نت على الشبكة العنكبوتية والعالم الإفتراضي، والكتاب  بلا فهرسة ولا تبويب، على طريقة اضابير الارشيفات – ملفات الوكس – وويظهر وكأنه بلا عنوان ايضا، ومع ذلك فإن الكتاب يجذب القارئ ويجعله يشعر وكأنه يقرأ كتاب مستطرف او كما كان يطلق عليه عند الآباء – سفينة بيت فلان – مع فارق بسيط ان السفينة كانت تحتوي على انتاج الشخص المدون لها ومختارات من كتب وانتاج مشاهير العصر ، والتسمية الاقرب هي ما أطلقه الأستاذ فتحي ” نتاجي ” والكتاب عبارة عن ملف يحتوي ما الفه وكتبه، يحتوي على سير رؤساء، ومقالات، ومذكرات شخصية  وديوان شعر يحتوي على خمسين نصا شعريا.

ولكن ليس من السهل أن تضع كتابا ك: “نتاجي” بين يديك فتشعر أنك لا تقرأ صفحات مطبوعة، بل تتصفح عمرا كاملا، وتتنقل بين مدن ووجوه وأحداث، وتستمع إلى صوت كاتب يروي سيرته وسيرة وطن في آن معا. هكذا كان لقائي بكتاب الصديق الصحفي، الاستاذ فتحي القطاع والذي لم أكن على علم بأنه شاعر لولا كتابه موضوع هذه القراءة الذي اختار له عنوانا مطاطيا “نتاجي” ما ألّفته ونشرته في موقعي يزن نت على الشبكة العنكبوتية”، الصادر في مايو 2005م.

منذ العتبة الأولى للعنوان، يدرك القارئ أنه أمام عملٍ توثيقي جامع، يضم خلاصة تجربة فكرية وأدبية وصحفية امتدت سنوات طويلة. غير أن العنوان – على الرغم من مباشرته – لا يكشف تمامًا عن غنى المحتوى وتشعبه، إذ يقع الكتاب في 409 صفحات من القطع الكبير، حافلة بالنصوص والمقالات والقصائد والذكريات والوثائق، حتى ليبدو أقرب إلى موسوعة شخصية تختصر سيرة كاتب وسيرة وطن.

الكتاب ليس عملا أحادي الاتجاه، بل فسيفساء فكرية وتاريخية وفكرية، وأدبية، وهو عبارة عن ملف متكامل يضم إنتاج الكاتب الصحفي والتاريخي، إلى جانب مذكراته الشخصية وديوانه الشعري، ومقالاتٍ نشرت في الصحف والمجلات، فضلا عن صفحات موثقة من تاريخ “العربية السعيدة” – اليمن.

في الصفحات التي تتناول تاريخ “العربية السعيدة” يقترب فتحي القطاع من محطات مفصلية في تاريخ اليمن الحديث، فيتحدث عن عهد الأئمة يحيى وأحمد والبدر، ثم ينتقل إلى الجمهوريات في الشمال والجنوب، مستعرضا أسماء الرؤساء من المشير السلال إلى علي عبدالله صالح وعبدربه منصور هادي، ومن سالمين إلى علي ناصر محمد وعبدالفتاح إسماعيل وغيرهم. غير أن القارئ يلحظ بوضوح مساحة خاصة أفردها المؤلف لفترة الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي، حيث توسع في تناول ظروف اغتياله، وما أثير حول تلك الحادثة من ملابسات وروايات، مشيرا إلى ما أعقبها من محاولات للنيل من سمعته وتشويه صورته. وقد جاءت هذه المعالجة مشحونة بقدرٍ من الانحياز الوجداني، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن رغبة صادقة في إعادة قراءة تلك المرحلة واستحضار تفاصيلها من زاوية شاهدٍ مهتم ومتابع.

هذا التوسع يكشف عن موقف وجداني وفكري واضح لدى الكاتب، ويعكس حرصه على إعادة قراءة تلك المرحلة بلغة توثيقية مدعومة بشهادات، بعضها كُتب باللغتين العربية والإنجليزية، في محاولة لإيصال الرواية إلى قارئٍ أوسع.

“أغنية اسمها اليمن” … الشعر حين يصير وطنا

ومن بين أبرز محتويات الكتاب ديوان الشاعر الموسوم بـ “أغنية اسمها اليمن”، والذي يضم أكثر من خمسين نصًا غنائيًا. وقد كتب مقدمته الشاعر الغنائي الأستاذ عباس علي الديلمي، مؤكدًا أن الأغنية هي الأقدر على التعريف بالشعوب وبأصحابها.

في هذا الديوان، يغني فتحي القطاع للوطن والوحدة والحب والنصر، ويجعل من القصيدة مساحة وجدانية مفتوحة، تختلط فيها الحماسة بالعاطفة، والحنين بالأمل. إنها قصائد لا تكتفي بالاحتفاء باليمن كجغرافيا، بل تستحضره كقيمة وكهوية وذاكرة جماعية.

“محطات في حياتي” … سرد يلامس فن الرواية

غير أن أكثر ما شدني في الكتاب هو الجزء الموسوم بـ “محطات في حياتي”؛ ففيه تتجلى المقدرة الأدبية للكاتب في فن السرد الشيق بلغة سلسة وانسيابية آسرة. هنا لا يكتب فتحي القطاع سيرةً تقليدية، بل يقدم نصًا أقرب إلى “رواية مدن”، تتداخل فيها ثيمات المكان والزمان والطفولة والذاكرة.

تعز، حارة الجحملية، المدرسة، صنعاء… كلها تتحول إلى شخصيات حية نابضة بالحياة. يترجم الكاتب لنفسه منذ الميلاد والنشأة، مستعيدًا وجوه أترابه وأصدقاء الطفولة، ومواقف حفرت في ذاكرته، من بينها حادثة تعرضه للضرب المبرح أمام مشرف المدرسة الذي وقف متفرجًا، وكأن المشهد عرض مسرحي لا يستدعي التدخل.

هذا المشهد التراجيدي – على بساطته – يكشف عن حساسية الكاتب تجاه العدالة والإنصاف، ويمنح النص بعدًا إنسانيًا عميقًا. كما يتضمن هذا القسم إشارات إلى أحداث انقلاب 1955م وشهدائه، وذكريات عايشها الكاتب أو كان شاهدًا عليها، ما يضفي على السرد بعدًا توثيقيًا يتجاوز حدود السيرة الذاتية.

يحسب للمؤلف جرأته في تناول بعض القضايا الشائكة، ما جعل كتابه بين التوثيق والانحياز الوجداني، من خلال طرحه مقالات جريئة تعبّر عن رأي واضح وموقف محدد. غير أن القارئ قد يلحظ تفاوتًا في حجم التناول بين الفترات الرئاسية؛ إذ توسع في فترة الشهيد إبراهيم الحمدي، بينما جاءت فترات أخرى أقل تفصيلًا. وربما كان من الأجدر – تحقيقًا للتوازن التاريخي – أن تُمنح بقية المراحل مساحة مماثلة من التحليل والتوثيق.

أما من حيث العنوان، فعلى الرغم من صدقه ودلالته المباشرة، فإنه لا يعكس التنوع الثري للمحتوى. لعل عناوين مثل “كتب بلا عناوين”، أو “نثر وشعر وتاريخ”، أو حتى “سيرة وطن في ذاكرة كاتب” كانت أقرب إلى روح العمل واتساع أفقه.

ومع هذا الثراء في المحتوى، قد يتمنى القارئ لو أن المؤلف منح بقية الفترات السياسية ذات المساحة التي أفردها لفترة الشهيد الرئيس إبراهيم الحمدي طيب الله ثراه، تحقيقا لمزيد من التوازن التاريخي. كما أن العنوان، على الرغم من صدقه وبساطته، يبدو أقرب إلى توصيفٍ عام لا يعكس تمامًا اتساع المادة وتشعبها؛ فالكتاب يتجاوز كونه مجرد “نتاج” منشور على موقع إلكتروني، ليغدو شهادة حياة، وذاكرة وطن، ومزيجًا من النثر والشعر والتاريخ.

في مجمله، الكتاب يمثل محاولة جادة لجمع شتات تجربة طويلة في كتاب واحد، وتقديمها للقارئ بوصفها سجلا مفتوحا للكلمة والموقف والذكرى. إنه كتاب يكتب اليمن بمداد المحبة، ويستدعي التاريخ بعينٍ لا تخلو من العاطفة، ويؤكد أن الكاتب حين يؤمن برسالته، فإن نصوصه لا تبقى حبيسة زمنها، بل تتحول إلى أثرٍ باقٍ، يواصل الحوار مع كل قارئ يقترب من صفحاته، والكتاب يفصح عن ميول اعجاب الكاتب بالتجربة الناصرية، وميول قومية عروبية. ابارك للصديق فتحي هذا الإنجاز متمنيا ان يتحفنا بما لديه من انتاج بعد التاريخ الذي وضعه في العنوان – مايو عام 2005م-.

 وفي الختام أخلص إلى أن كتاب “نتاجي” ليس مجرد كتاب يجمع مقالات وقصائد متناثرة، بل هو شهادة زمن، ووثيقة شخصية، ومرايا متعددة تعكس صورة اليمن في مراحل مختلفة من تاريخه الحديث. إنه عمل تتجاور فيه الذات والوطن، الشعر والتاريخ، الذاكرة والوثيقة.

ختاما .. لقد استطاع فتحي القطاع أن يقدم نصا يتسم بالصدق والجرأة والحنين، وأن يحول تجربته الخاصة إلى سردٍ عام يلامس القارئ، ويستفزه للتفكير في التاريخ، وفي معنى الوطن، وفي قيمة الكلمة حين تكون شاهدة على عصرها.

كتاب يستحق القراءة، لا لأنه يوثق فحسب، بل لأنه يكتب الوطن بحبر الذاكرة، ويمنح القارئ فرصة أن يرى اليمن بعين عاشقٍ لا يتوقف عن الغناء.

اقرأ أيضا: “صُنع في اليمن”.. قراءة في مذكرات المفكر الكبير زيد بن علي الوزير حول “اتحاد القوى الشعبية” وأوجاع الثورة الدستورية

الصورة للكاتب الصحفي فتحي القطاع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى