ليلة القدر والطقوس الموسمية

ليلة القدر والطقوس الموسمية
- أمين الجبر
الاحد 15 مارس 2026-
لا ريب في عظيم مكانة ليلة القدر في وجدان كل مسلم مؤمن؛ فهي حقيقة إيمانية راسخة بنص القرآن الكريم، لا مجال للجدل حول فضلها ومنزلتها. غير أن موضع التباين بين المسلمين لم يكن في أصل فضيلتها، بل في ماهيتها وزمانها، وفي الكيفيات التي تتجلى بها بركاتها. وهذا تباين طبيعي في ظل اختلاف القراءات الفقهية وتعدد المدارس المذهبية في العالم الإسلامي، حيث يميل كل فريق إلى فهمها وتأويلها وفق منظومته المعرفية ورؤاه العقدية.
غير أن الأمر الذي يثير الاستغراب حقاً ليس هذا الاختلاف المشروع، وإنما الكيفية التي يتعاطى بها بعض المسلمين مع هذه الشعيرة العظيمة، ومع الفرصة الإلهية التي منحها الله لعباده. إذ نلحظ أن فئة غير قليلة قد اختزلت الإسلام كله في موسمية شعائرية محصورة في شهر رمضان، بل ربما في الاجتهاد لإحياء ليلة القدر وحدها، بينما تمتد بقية السنة خالية –في كثير من الأحيان– من روح القيم الإسلامية ومقاصدها الأخلاقية، باستثناء أداء بعض الطقوس التعبدية التي تمارس بوصفها عادة اجتماعية أكثر منها التزاماً إيمانياً عميقاً.
هذه الموسمية الإيمانية جعلت من ليلة القدر –في تصور البعض– محطة تطهيرية مؤقتة، أو فرصة تنزيهية لتعويض ما تراكم من تقصير أو تجاوز طوال العام؛ إذ يُظن أن فيض المغفرة الإلهية، ومضاعفة الحسنات في تلك الليلة، كفيلان بمحو ما اقترف من سيئات، أو بما وقع من تفريط في القيم والسلوكيات.
ومن هنا يظهر التناقض الصارخ بين السلوك والممارسة؛ فقد ترى المرء طوال العام غارقاً في ممارسات تتنافى مع جوهر الأخلاق الإسلامية: غش، وخداع، ونفاق، ورشوة، وفساد… ثم إذا أقبل رمضان تبدلت الحال فجأة، فيغدو زاهداً ناسكاً، يحرص على إحياء ليلة القدر، وربما إذا كان ميسور الحال شدّ الرحال إلى العمرة ظناً أن إدراكها في مكة أقرب وأرجى.
وليس المثال على ذلك بعيداً؛ فقد نجد مسؤولاً يمارس الفساد بأشكاله المختلفة طوال العام، لكنه في رمضان يتحول إلى متعبد شديد الحرص على الروحانيات، يسعى إلى العمرة أو الاعتكاف طلباً لليلة القدر، لعلها تكون –في ظنه– فرصة لمحو سجل طويل من التجاوزات. وينسحب هذا النمط، بدرجات متفاوتة، على فئات عديدة في المجتمع: من التجار، إلى الأكاديميين، إلى المعلمين، وسائر من تقع على عاتقهم مسؤوليات تمس حقوق الناس ومعايشهم، حيث يبدو السلوك في رمضان مختلفاً جذرياً عنه في بقية العام.
والحال أن الإسلام ليس طقساً موسمياً يُستحضر في أوقات محددة، بل هو منظومة قيمية إيمانية متكاملة تتجسد في السلوك والثقافة والعقيدة معاً. إنه التزام أخلاقي دائم، لا يتجزأ بتجزؤ الزمان، ولا يخضع لتقلب المزاج والأهواء. فالمؤمن الحق هو من يحمل قيم الإسلام في ضميره وسلوكه في كل حين، في رمضان وفي غير رمضان، في السر والعلن، وفي كل ظرف من ظروف الحياة.
اقرأ أيضا: عواصم عبثت بسماء اليمن… واليوم تعلو في سمائها صفارات الإنذار


