الحرب في اليمن.. بين صفرية الانتصار، ومكارثية الفناء

الحرب في اليمن.. بين صفرية الانتصار، ومكارثية الفناء
أمين الجبر
الخميس 8 أكتوبر 2026-
ما تشهده اليمن راهنًا من حرب ضروس، وما يدور فيها من معارك طاحنة، ينطبق عليه تمامًا قول الشاعر الكبير عبدالله البردوني:
وأقبح النصر نصر الأقوياء بلا فهم
سوى فهم كم باعوا وكم كسبوا.
وهي حقيقة ماثلة يدركها كثير من العقلاء، وإن غابت، أو أُريد لها أن تغيب، وسط ضجيج المدافع وصخب الشعارات.
فعلى مدى عقد من الزمن، ما تزال الحرب اليمنية، بأطوارها المتعاقبة، تحصد الأرواح وتستنزف البلاد، دون أن يجني منها الشعب اليمني سوى المزيد من المآسي والهلاك، والفقر والتشرد، وانهيار ما تبقى من مقومات الحياة.
وقد يدّعي كل طرف مشروعية حربه، ويلبسها ثوب الوطنية، أو يرفع لها راية التحرر والدفاع عن الوطن. لكن ما جدوى أن تستولي على تبة لساعات أو أيام، ثم يجليك عنها خصمك، فيعلن بدوره أنه حقق نصرًا حاسمًا؟ وما جدوى أن تدخل مدينة، أو تسيطر على منطقة، وهي في الأصل جزء من وطنك، وموطن أهلك ومواطنيك؟
فهل ينتصر أحد على أهله؟
وهل ثمة انتصار في أن يتوحش أحدنا على بلده، فيأتي على منشآته وبنيته التحتية هدمًا وتدميرًا، ويحوّل مدنه وقراه إلى ساحات للخراب؟
إنه، بلا ريب، انتصار صفري؛ بل قد يكون خسارة فادحة للطرفين معًا. ففي مثل هذه الحروب، قد ينتصر المقاتل على الأرض، لكنه يخسر الوطن؛ وقد يهزم خصمه عسكريًا، لكنه يهزم نفسه وشعبه إنسانيًا وحضاريًا.
والخاسر الحقيقي، في نهاية المطاف، ليس هذا الطرف أو ذاك، وإنما اليمني الذي يدفع ثمن الحرب من دمه وكرامته ومستقبل أبنائه.
فمن ينتصر على من؟
ومن ينهزم من من؟
أليس المتحاربون في نهاية الأمر إخوة، وإن اختلفت الرايات والشعارات؟ أليسوا جميعًا أبناء وطن واحد، مهما تباينت مشروعاتهم وأجنداتهم؟
صحيح أن لكل طرف أهدافه وحساباته، وأن الصراع في جوهره يدور حول السلطة والثروة والنفوذ، وإن اختلفت أغلفته، وتباينت شعاراته ومبرراته. لكن المفارقة الأكثر غرابة أن كل طرف يصف خصمه بأنه وكيل للخارج، وذراع لقوى إقليمية أو دولية، بينما لا يلتفت بما يكفي إلى مقدار ارتهانه هو نفسه لمعادلات الخارج وتشابكاتها.
فعلى مدى عقد من الزمن، ظلت الحرب سجالًا بين الأطراف؛ تشتد حينًا وتفتر حينًا آخر، وكل طرف يدّعي صوابية منهجه ووطنية مراميه، فيما أصبح الجميع، بدرجات متفاوتة، جزءًا من محرك أكبر من إرادتهم، وترسًا في آلة إقليمية ودولية معقدة، يدفعون ثمنها من حاضر اليمن ومستقبله.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية: أن يتحول اليمني من صاحب قضية إلى أداة في قضية الآخرين، ومن صاحب قرار إلى منفذ لقرار غيره، ومن مواطن يبحث عن وطن آمن إلى وقود لصراع لا يملك مفاتيح بدايته ولا نهايته.
وإذا كان أمراء الحرب لا يريدون إيقافها، ولا تعنيهم كثيرًا مآلاتها، لأن استمرارها هو مصدر قوتهم ونفوذهم ومصالحهم، فهل يعي الشعب اليمني بعد كل هذا أين تكمن مصالحه وحقوقه؟
وهل يدرك أن الحرب التي تستنزف أبناءه وتدمر مدنه وتبدد موارده، لا يمكن أن تكون طريقًا إلى النصر، مهما كثرت الرايات، وتعالت الشعارات، وتعددت خطابات الانتصار؟
إن المعضلة ليست في معرفة من يسيطر على هذه التبة أو تلك المدينة، ولا في معرفة من أطلق النار أولًا ومن رفع راية النصر أخيرًا؛ فذلك كله تفاصيل عسكرية عابرة أمام سؤال أكبر وأعمق:
متى ينتصر اليمن؟
فانتصار أي طرف على الطرف الآخر لا يعني بالضرورة انتصار اليمن. أما انتصار اليمن الحقيقي، فلن يكون إلا يوم يتوقف اليمنيون عن تحويل خلافاتهم إلى حروب، وعن استدعاء الخارج لحسم صراعات الداخل، ويصبح السلاح وسيلة للدفاع عن الوطن، لا وسيلة لإعادة اقتسامه.
ذلك هو الانتصار الذي يستحق أن يُسمى انتصارًا.
أما أن ينتصر الجميع عسكريًا، بينما يفنى الوطن تدريجيًا، فذلك ليس انتصارًا على الإطلاق؛ بل كارثة فناء مؤجلة، يتقاسم الجميع مسؤولية الوصول إليها، ويدفع الشعب وحده ثمنها.



