«مكة والمدينة» ورقة أخيرة تؤكد إفلاس العدو السعودي

«مكة والمدينة» كورقة أخيرة تؤكد إفلاس العدو السعودي
الجمعة 2 أكتوبر 2026-
في خطوة تعكس مسعى الرياض المتكرر لتوظيف الورقة الدينية واستغلال الرمزية الروحية الرفيعة للحرمين الشريفين، عقب الإخفاقات المتتالية في الميدانين البري والبحري، فندت قيادة حكومة صنعاء وقواتها المسلحة الاتهامات السعودية بشأن استهداف محطة كهرباء تغذي المسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة، مؤكدة بطلان هذه المزاعم.
وتضع قراءة صنعاء هذه الادعاءات الصادرة عن التحالف في سياق حملة إعلامية وسياسية مضللة تعتمد على استثارة المشاعر واستدرار التعاطف العربي والإسلامي؛ وذلك للتغطية على حالة العجز العسكري الشامل أمام الضربات الاستراتيجية الدقيقة التي تتلقاها المملكة في عمقها الحيوي، والتراجع الميداني الملحوظ لقواتها وحلفائها في مختلف جبهات القتال المشتعلة.
تستند البيانات الرسمية والمواقف السياسية الصادرة عن صنعاء إلى مبدأ عقائدي وسياسي ثابت وقاطع يقوم على تحييد المقدسات الإسلامية والأعيان المدنية والمرافق الخدمية المرتبطة بالحياة اليومية للمواطنين، كما تشدد صنعاء على أن بنك أهداف قواتها المسلحة يتسم بالدقة المتناهية ويتركز حصراً على المقومات العسكرية والسيادية والمنشآت الاقتصادية ذات الطابع الاستراتيجي التي تعتبرها أهدافا مشروعة.
وترى قيادة صنعاء أن لجوء الإعلام السعودي إلى إقحام اسم المدينة المنورة والمسجد النبوي الشريف ومن قبلهما مكة المكرمة في رواية الاستهداف يمثل حالة صريحة من الإفلاس السياسي والإعلامي، ورسالة تعبئة عاطفية يحاول التحالف من خلالها إحداث إثارة عقائدية وتأليب الرأي العام ضد صنعاء.
ويرى محللون أن هذا التوظيف الإعلامي يأتي عقب نجاح صنعاء في فرض معادلات ردع متقدمة أثبتت عجز المنظومات الدفاعية للرياض وشلّت قدرة التحالفات الإقليمية عن تغيير الواقع العسكري المباشر على الأرض.
وتنطلق الرؤية العسكرية الصادرة عن صنعاء من واقع أن استراتيجيتها انتقلت منذ وقت مبكر من مرحلة امتصاص الصدمات والتحركات الدفاعية التقليدية إلى مرحلة المبادأة وفرض القواعد واختراق العمق السعودي، إذ أظهرت العمليات المتتابعة قدرة فائقة لتكنولوجيا المسيّرات والصواريخ الباليستية والمجنحة على التخفي وتجاوز طبقات الدفاع الجوي ومظلات الإنذار المبكر الحديثة التي تمتلكها المملكة.
ونجحت المنظومات الهجومية التابعة لقوات صنعاء في تسديد ضربات موجهة ومباشرة نحو قواعد عسكرية، ومطارات، ومراكز قيادة، ومنشآت نفطية واقتصادية حيوية، وهذا التفوق التقني والتكتيكي- وفقا للمحللين وخبراء عسكريين- ينفي تماماً أي حاجة عسكرية أو سياسية لاستهداف منشآت خدمية فرعية أو مناطق ذات حساسية دينية؛ حيث تمتلك صنعاء القدرات والأدوات المعقدة التي تمكنها من الوصول إلى أهداف سيادية عالية القيمة في أي نقطة جغرافية تحددها، وبما يحقق أغراض الردع المباشر دون الحاجة للمساس بالمقدرات المدنية أو المرافق الخدمية للجمهور، ناهيك عن المقدسات الإسلامية.
ويؤكد المحللون أنه لا يمكن فصل هذا الخطاب الإعلامي السعودي المتشنج عن واقع الخسائر الجيو-اقتصادية والميدانية المباشرة التي تكبدتها الرياض على محورين رئيسيين؛ أولهما فرض قوات صنعاء لمعادلة حظر بحري صارمة ومحكمة في منطقة جنوب البحر الأحمر ومضيق باب المندب، تستهدف حركة السفن والملاحة المرتبطة بالسعودية وحلفائها الداعمين لها، حيث أدى هذا الحظر البحري إلى إعادة رسم خارطة الملاحة البحرية والتجارة الدولية في المنطقة، وأربك سلاسل الإمداد وخطوط التجارة السعودية، مؤكداً نقل مركز السيطرة والتحكم البحري والتكتيكي لصالح صنعاء.
أما المحور الثاني فيتمثل في الانكفاء الميداني المتواصل في الجبهات البرية؛ إذ تتزامن الضغوط البحرية مع تفوق عسكري كاسح لصالح قوات صنعاء في مختلف جبهات القتال الداخلية، حيث تراجعت القوات الموالية للرياض وفقدت قدرتها على المناورة أو إحداث أي فارق ميداني يذكر، مما أفرغ الرهان السعودي الميداني من محتواه كلياً وجعل حلفاءها المحليين في حالة اندحار مستمر.
وتُرجع التقديرات السياسية والاستراتيجية في صنعاء لجوء الرياض المكثف إلى الخطاب الديني العاطفي إلى أزمة استراتيجية أعمق تتمثل في تآكل التحالفات الدولية وانكشاف المظلة الأمنية التي طالما اعتمدت عليها المملكة لعقود. فعلى الرغم من المساعي الدبلوماسية والضغوط الأمريكية والغربية لبناء أطر وتكتلات بحرية ودولية متعددة الجنسيات تحت لافتة “حماية الملاحة” وضمان أمن العمق السعودي، إلا أن هذه المبادرات أثبتت فشلها الذريع في الحد من فاعلية عمليات صنعاء أو توفير مظلة حماية كاملة للمنشآت السعودية الحيوية.
ويشير المحللون إلى أن هذا التراجع والخذلان الصريح الذي تواجهه الرياض من قبل الحلفاء التقليديين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة التي عجزت عن فرض واقع جديد في البحر الأحمر أو السيطرة على الممرات المائية للقطع البحرية والنفطية، وضع القيادة السعودية في حالة عزلة استراتيجية غير مسبوقة جعلت من محاولات استدرار التعاطف الإسلامي ملجأً أخيراً لمواجهة الاستحقاقات الميدانية والسياسية المتعاظمة.
وتخلص قراءة صنعاء الشاملة لهندسة هذه الحادثة وأبعادها الإعلامية إلى أن معادلة الصراع الرئيسية قد حُسمت معالمها الكبرى في الميدانين البري كما في البحر لصالح تثبيت قواعد اشتباك جديدة فرضتها قوة الردع، وأن المحاولات الإعلامية لاستغلال اسم مكة المكرمة أو المدينة المنورة والمسجد النبوي لن تغير من حقيقة موازين القوى القائمة.
وفي الوقت الذي تتسع فيه رقعة السيطرة والردع لقوات صنعاء وتتطور فيه أدواتها العسكرية الهجومية والبيئية، تتضاءل الخيارات المتاحة أمام الرياض بين الاعتراف المباشر بقرار المعادلة البحرية والميدانية الجديدة والدخول في استحقاقات التهدئة الجادة، أو الاستمرار في استهلاك الخطابات الإعلامية والعاطفية التي لم تعد قادرة على ترميم موقفها العسكري المتداعي أو استعادة زمام المبادرة الميدانية التي فقدتها في هذه المواجهة.
المصدر- YNP
